جسدُ السردنصوص

قصص للفلسطينية شيخة حليوى.. حينَ ينجلي الغبار

حينَ ينجلي الغبار وقصص أخرى لـِ شيخة حليوى من المجموعة «أمهليني صيفًا آخر» والتي صدرت عن منشورات أثر، 2022، وطبعة فلسطينية عن منشورات رايه

أمهليني صيفًا آخر
غلاف أمهليني صيفًا آخر (دار أثر)

فجوة لا تُطاق

… فرويد

أظنّ أنّني بدأتُ أُأرّخ لحياتي الفنيّة حينما امتلكتُ بيتا على أطراف المدينة وكنتُ في الرابعة والثلاثين من عمري. منطقة بعيدة عن عيون النّاس وفوضاهم، هادئة وبيوتها متباعدة عن بعضها البعض. كان بيتا مهجورا كمعظم البيوت في ذلك الحيّ. قال لي السمسار أنّ صاحب البيت هاجر منذ سنوات وقرّر الاستقرار خارج البلد، وأنّ البيوت الّتي يهجرها أصحابها تباعُ بأسعار زهيدة لأنّها تصير مثل مقابر العدو بعد أن تنتهي الحرب.

كانَ بيتا قديما من طابقٍ واحد، خصّصتُ مساحة منهُ لعملي، أما الباقي فتقاسمتهُ مع كلبٍ وقطّتين. أمضي بعضَ النهار في تدريس الفنّ في إحدى الثانويّات، وفيما تبقّى من اليوم أصنعُ تماثيل على هيئة طيور وأسودٍ ونساء جميلات، ثمّ أبيع القليل منها لأثرياء البلد إذا حالفني الحظ. كانت هذه المنحوتات الخشبيّة تسرق من البيت مساحة بحجم قامتها، حتّى أبيعها وتجد بيتا آخر تسكنهُ.

غول التوسّع بدأ يقضمُ من دائرة عزلتي، فما أن اكتشف سماسرة البيوت مزايا تلك المنطقة حتّى تغيّر وجهها. ارتفعت أسعار البيوت والأراضي بسرعة خياليّة مع زيادة الطلب عليها، وأصبحتْ خلال سنواتٍ حيّا راقيا يجذبُ الوزراء والموظفين الكبار في الدولة. يرمّمون البيوت فتصيرُ فيلات فخمة يقضون فيها بعض عطلهم الرسميّة، ويقيمون الحفلات ويستضيفون موظفين كبار آخرين ورجالات سياسة وفنّ. شغلني الصخب الطارئ على المنطقة مع كلّ احتفال أو استقبال يُقيمهُ الجيران الجدد، وحركة البشر والسّيارات الّتي تسبق ذلك كلّه. أقلقني أكثر من الصخب سؤال: كيفَ يجدر بي أن أتصرّف معهم فلا أثير غضبهم ولا رضاهم؟ كلاهما، الغضب والرضى، بابان مفتوحان على عواقب لم أكن مستعدّا لها على أيّ حال.

ذات يومٍ طُرق باب بيتي، وقف وراءه ثلاثة، واحدٌ قدّم نفسهُ أنّه مساعد وزير الأمن، واثنان وقفا على جانبيه يتفحّصان المكان بعيون لا تهدأ. كانت دعوة لحضور حفلٍ يقيمهُ جاري الوزير على شرف تنصيبهِ، ختمها المُساعد بجملة «يرجو الوزير أن تتفضّل بقبول الدعوة». لم أعرف عندها أيّ باب من البابيْن فُتح.

رحّب بي الوزير وقدّمني لضيوفه «عرّفكم على جارنا صانع التماثيل الماهر»، التفتوا نحوي وصفّقوا بحرارة. كنتُ كمن يكتشف فجأة أنّ جميع من حولهِ ينظرون إليه من عدسة منظار بينما هو معصوب العينين. أحنيتُ ظهري شاكرا ويدي اليُسرى تسندُ صدري، أمّا اليُمنى فظلّت حرّة تُقاوِمُ رجفة الارتباك والقلق. بحثتُ عن زاوية أقفُ فيها حتّى ينتهي الحفل أو يُسمح لي بالانصراف. كان الحضور مُقلّصا، لم أتعرّف على معظمهِ. بعد نحو ساعة من الالتصاق بالزاوية أشار إليّ الوزير أن أقترب نحوه ففعلت. قالَ أنّه سيسعده أنّ أصنع له تمثالا يزيّن به مكتبهُ، وقد يكون ذلك أفضل من الصّور التقليديّة الرسميّة المتشابهة والتي تُفرض في المكاتب الوزاريّة. قلتُ له أنّ الأمر يُشرّفني طبعا، ولكنّي أحتاج لصورة له أو ربّما لجلسات معه كي يكون العمل في المستوى الذي يليق بسيادته. نادى على نائبه وطلب منه أن يتولّى الأمر.

في تلك الليلة لم أنم وأنا أحاولُ التوفيق بين لساني ويديّ؛ لساني وقد ورّطني في وعدٍ لا رجعة عنهُ، ويديّ قربان ذاك العقد. عند الفجر تدخّل رأسي وحسمَ أمر الاثنين، إن طار الرأس لا بقاء لأيّ منكما، قالها ونامَ.  

بعد شهرٍ انتهيتُ من التمثال. حملتهُ شاحنة لامعة من بيتي إلى مكتب الوزير مقابل مبلغ يُعادل راتب سنة من عملي في التدريس. تركتُ التدريس وهجرتُ الطيور والجميلات، إلاّ نادرا، وصرتُ نحّات رجالات الحكومة. أحيانا تصلني صورة مع أحد الموظّفين، وأحيانا يحضر «المنحوت» بنفسهِ يرافقه حارسان أو أكثر، ومرّاتٍ كان يُطلب منّي أن أحضرَ عدّتي إلى بيت أحدهم، فيختار وضعيّة لنحت تمثالهِ واقفا أو جالسا. تصلني قبل البدء بالعمل قائمة بمواصفات يريدها «المنحوت» لتمثالهِ، قامة أطول، شعر أكثر كثافة، وجه خالٍ من التجاعيد، وطبعا الكروش كلّها اختفت من تماثيلي الّتي زيّنت نصف مكاتب الحكومة.

 كان صمتي في العمل يُغري الزبون بالكلام، ويترك له الحديث كاملا دون شريك، فيصير بعد نصف ساعة كأنّه يخاطب نفسهُ أو هواجسهُ: «لا أعرف ما الّذي يريده هؤلاء المُنتقدون لسياسات حكومتنا؟ نعمل فوق طاقاتنا كي نؤمّن لجميع المواطنين حياة كريمة وآمنة» قال وزير الداخليّة وأنا أحاولُ جاهدا تقصير أنفه الطّويل بدقّة ترضيهِ.

فهمتُ من الأحاديث الّتي وصلتني خلال عملي أنّ الوضع العام في البلد ليس مُطمئنا، وأنّ خطرا ما، أجهلهُ، يُهدّد الحكومة الحاليّة. رغم ذلك لم يخدمني حدسي الفنيّ في توقّع الآتي حتّى حدث الانقلاب، وفشلت حواسي أيضا في توقّع مصيري وقد صرتُ أخلقُ لكلّ وزير شبيهه الخشبيّ. داهمت مجموعة من قادة الانقلاب بيتي فجر يوم الأربعاء قبل خمسة أعوام. كنتُ أعملُ على الرتوش الأخيرة لتمثاليْن لوزيري الداخليّة والعدل وتمثال ثالث لموظّف كبير في المُخابرات كانت ستزيّن مكاتبهم عشيّة الاحتفالات بالاستقلال.

اعتُقلتُ أنا والتّماثيل الثلاثة، وحُكم عليّ بالسجن خمسة عشر عاما بتهمة «تسخير الفنّ لرموز الظّلم والاستبداد». قال لي الضابط مُقهقها وهو يودعني السّجن العسكريّ: «هذه تماثيلك معك تسلّيك»، ثمّ نظرَ إلى زميلهِ وغمزه: «من يدري، ربّما يخرج مع كائناتهِ الخشبيّة بخطّة عبقريّة لإنقاذ البلد من الخراب الّذي خلّفه أسيادهُ».

 وجدتُ نفسي في زنزانة برفقة ثلاثة: صمّ بكمّ عميان بملامح غير مُكتملة، وسجّانٍ بعينين كأشعة الليزر تخترق طيني وخشب التماثيل. عزّيتُ نفسي بأنّ أحدا من هؤلاء لن يشاركني طعامي الّذي يُشبه الطعام أو فراشي البالي، ولن يقطع حبل أفكاري بثرثرتهِ.

أمضيتُ الشّهور الأولى مستلقيا على ظهري محدّقا في السّقف. بينما رأسي يحاولُ مرّة أخرى أن يفضّ النزاع بين لساني ويديّ. تجرّأتُ هذه المرّة ووصفتهُ بالجُبن، فلو ساندني برفض عرض الوزير ربّما كنتُ اليوم في بيتي أفكّر في مشاريع فنيّة لا علاقة لها بالبشر. لا أملكُ سوى رأسا واحدا، خاصّة أنّه لا عمل للساني ويديّ في هذه الزنزانة، فتصالحتُ معه خشية أن يتوقّف عن العمل هو الآخر.

حين يداهمني اليأسُ كنتُ أطيلُ النظر نحو التماثيل الثلاثة، فأفكّر في تحطيمها، كأن أضرب رؤوسها في بعضها البعض، أو أضربها في الحائط الّذي قشّرت الرطوبة قناعهُ. في مرّة أشعلتُ معركةً بينها، وزير العدل اتّهمّ زميليه بالتقصير في المهام الاستخباراتيّة، فلو كانت عيونهم الموزّعة في كلّ قرية ومدينة مختارة بعناية لما حدث الانقلاب المفاجئ. لولا تدخّل السجّان في فضّ النزاع بيننا لكانت نتيجة المعركة إصابات قاتلة. خرجنا منها بكسور في أنفِ وزير الداخليّة وسقوط إصبعيْن من يد وزير العدل. موظّف المُخابرات لم يُصب بخدش واحد، أمّا أنا فسقطتُ منهكا من مهمتي الدفاع والهجوم. المعارك القادمة حرصت أن تكون سلميّة وحضاريّة، أدير حوارا هادئا بين الثلاثة، ثمّ قبل أن تتأزّم الأمور أوزّعهم في زوايا الزنزانة وأتركهم لصمتهم حتّى المواجهة القادمة.

كان السجّان المُكلّف بمراقبتي أنا وتماثيلي جمهورا مُتّكئا على قضبان الباب يراقب بهدوء أحيانا، وتوثّب أحيانا أخرى، لكنّه سرعان ما بدأ يألف المعارك السلميّة، ثمّ لاحقا صار هو من يُسرّب لي عراكات الحكومة الجديدة، وينتظر أن أفضّها مع تماثيلي. عرفتُ من خلال الأخبار أنّ الحكومة الجديدة تواجهُ معارضة شعبيّة واسعة، وأنّ بعض المظاهرات المقموعة كانت تهتفُ باسمي مطالبة بالإفراج عنّي، عن فنّان الشّعب. عاودني للحظاتٍ الخوف القديم من خيارين، القبول أو الرفض، ثمّ تذكّرت نعمة السجن الّتي تنفي هذا المأزق.

 في المرّات الّتي كان ينقص فيها دور لوزير رابع كان السجّان يتطوّع هو ليقوم بالدّور من وراء القُضبان. لاحقا إذا احتدمت النقاشات كان يدخل الزنزانة ويدلي بدلوه. يُفاجئني بحنكتهِ وقدرتهِ على حسم النقاشات الصاخبة، وأكثر من ذلك أدهشني شغفهُ بتلك التمثيليّات الّتي تحتضنها زنزانتي المُعتمة.

اقترحتُ عليهِ أن أصنع له تمثالا. هنا، في السّجن كلّنا متساوون، قلتُ لهُ. تحمّس للفكرة وطلب منّي قائمة بالموادّ والمعدّات المطلوبة كيْ يهرّبها لي تدريجيّا فلا يشعر أحد من المسؤولين بما يحدث في الزنزانة التحت أرضيّة. سأل فجأة وقد غابت السّكرة: ماذا لو فوجئنا بزيارة؟ ماذا سنفعل مع تمثال رابع؟ بسيطة، قلتُ له، لن يكون هناكَ تمثال رابع، تساءل: كيفَ؟ سنغيّر ملامح وجه وزير العدل، قامتهُ قريبة جدّا من قامتك، أنتَ أطول منه قليلا، سأضيف كعبا لحذائه، وأعيد تشكيل الوجه ليكون التمثال نسخة عنك. خرجتُ بالفكرة المُفاجئة، وخرجت منهُ دهشة مُرحّبة.

دخل الزنزانة ووقف في الزاوية مُحاكيا وقفة وزير العدل. من حظهِ وحظّي أنّ تفاصيل وجهه أصغر من تفاصيل وجه الوزير، فكان أكثر العمل على حفّ ونشر الزوائد، ثمّ تدقيق ما بقي. أدهشتهُ النتيجة، فراح يتحسّس وجهيه؛ اللحم والخشب. تنهّد فجأة وقال: الناس حظوظ، ألا يليق بي منصب الوزير؟ يليق طبعا، أجبتهُ، إلاّ إذا كنتُ تودّ أن تكون داخل القضبان وليس خارجها!

انتفضَ وقد أرعبتهُ الفكرة، فخرجَ مُسرعا ثمّ أقفل الباب ووقف خلفه ينظر إلينا نظرة منتصرٍ.

بعد يومين كانت قد مرّت على سجني خمسُ سنوات، جاءني السّجان مهرولا مُبتسما: «لقد صدر عفوٌ عنكَ وعن أصحابكَ!». ثمّ همس بنشوة غريبة «الشعب بانتظاركم في الخارج منذ انتشر الخبر». الحريّة والشّهرة معا؟ كنتُ مكتفيا بالأولى دائما ولم أسع للثانية مرّة. من سخرية القدر أن تكون واحدة ثمنا للأخرى.

خارج الأسوار كان حشد غفير من النّاس ينتظر خروجي منذُ ساعات كما قيلَ لي. كانت شاحنة كبيرة مكشوفة تتوسّط الحشد. حملني اثنان منهم على أكتافهم ثمّ وضعاني على ظهر الشّاحنة، أمّا التماثيل الثلاثة فقد حملها آخرون برفق شديد ونصبوها بجانبي وظلَّ شابٌ يسندها بيديهِ. كان الحشدُ يصفّق ويهتفُ حولنا، والشّاحنة تتحرّك بينه ببطء شديد. حملَ البعض لافتات كبيرة ترحّب بحريّة «فنّان الشعب» و«الحكومة الشّرعيّة».

راحت يدي اليُمنى تلوّح لهم بامتنان، ثمّ ما لبثت يدي اليُسرى أن انضمّت للتلويح.

كان الحشدُ يهتف بصوتٍ واحد:

عاش فنان الشّعب

عاشت الحكومة الشرعيّة.

نظرتُ إلى الوراء بينما الشّاحنة تبتعدُ عن بوابة السّجن، كان السّجّان يلوّح لنا بيدٍ واحدة، وبالأخرى يرفعُ شارة النّصر.

***

حينَ ينجلي الغبار

… بديع الزّمان الهمذانيّ

«شارع الكراجات» هو الشّارع الرئيس في بلدة “المنسيّة”، يتفرّع من دوّار بأربعة مخارج. الكلّ يعرفهُ بهذا الاسم، فهو عادة ما يكون مزدحما بالسيّارات الّتي يقصد أصحابها المحلاّت المُتجاورة على جانبيه، محلات قديمة لتصليح السّيارات وتنظيفها، وأخرى جديدة لبيع قطع غيار بأنواعها. رغم حرص أصحاب المحلاّت على رشّ المداخل بالماء وتبليط الأرضيّات، إلاّ أنّ سخام السيّارات ومعدّات التصليح المُتناثرة هنا وهناك، والزيّ الأسود الذي يرتديه العمّال وأحذيتهم الثقيلة تجعلُ المكان أقرب إلى ميدان حربٍ مهجور.

من بعيد يبرز محلٌّ من طابقين أمامهُ ساحة صغيرة مُحاطة بأصائص الورود، تتوسّط الساحة طاولة عليها شرشف مطرّز وحولها عدّة كراسٍ، وكأنّها أعدّت لاستراحة المحاربين من الكراجات المُجاورة. «صالون فادية للتجميل»، لافتة كبيرة بحروف برّاقة عُلّقت على واجهة الطابق الثاني لا يمكن أنْ يخطئها أحد خاصّة وأنّ لافتات الكراجات سقطت معظم حروفها أو بهتت.

بدأ الأمر كمزحة ثقيلة بين الرّجال الوافدين على الكراجات: «هنا قطع غيار وترميم وهناك قطع غيار وترميم». تتداخل أحاديث السّيارات مع أحاديث الجمال وتتقاطع في أماكن كثيرة، والكلّ يفهم الكلّ. بين جملة وأخرى يشيرون نحو صالون فادية، يبتسم زوجها ويهزّ رأسهُ موافقا. هو المسؤول عن شراء كل مستحضرات التجميل للصالون، والعارف بكلّ ما هو جديد في عالم الجمال؛ مستحضرات لتصغير الأنف وتكبير الشفتين ورفع الوجنتين، عدسات لاصقة بألوان، رموش وحواجب، ضفائر شعر بكلّ الألوان والأنواع، مشدّات لسَجن ترهّلات البطن والخصر والفخذين. تأسّف صاحب كراج التويوتا أنّ قطع غيار سياراتهِ أرخص من قطع غيار صالون فادية بعد أن استعرض زوجها فاتورة مقتنيات الأسبوع.

أصحاب الرؤيا التجاريّة الثاقبة افتتحوا محلات لتزيين سيارات العرائس وأخرى لتأجير سيارات طويلة فارهة تنتظر العروس عند باب الصّالون لتأخذها إلى الحفل، وأخريات افتتحن محلّات للملابس الداخليّة وقمصان النوم الشّفافة الّتي لا تتنازل عنها أيّ عروس في ليلة عمرها. لا أحد منهم يقصد أن ينافس فادية، هم فقط مكمّلون لتجارة الجمال التي تبرع فيها دون غيرها في كلّ المنطقة، هم فروع وهي الأصل.

لم يعد مستهجنا أنْ يجتمع بعض الرجال في شرفة الصالون. بعضهم من أقارب العروس ينتظرون أنْ «يتسلّموها قبل أن يسلّموها»، وآخرون يعملون في الكراجات القريبة يستريحون من تصليح سيارة جعّدت هيكلها حادثة تصادم. زوج فادية يستقبلهم على فنجان قهوة ويوزّع أذنيهِ بين حديث الرّجال ونداءات زوجته وهي تطلب منهُ أن يزوّدها بسرعة بما ينقصها من مواد.

تدخلُ الفتاة العروس وصاحبتاها من باب الصّالون ثمّ يخرجن بعد ساعات وقد اكتسين ملامح جديدة تماما. صار يمارس لعبة جديدة مع نفسهِ، لعبة التخمين؛ التّعرّف على الخارجات من الصالون بعد أن يُسلّمن أنفسهنّ لها وللعاملات معها. الشعر، ملامح الوجه، والجسد الّذي تتغيّر انحناءاته. بحسب تعبير زوجته هو خبير في أحجية قبل وبعد، قبل التجميل وبعدهُ ولا يمكن أن يُخطئ أبدا مهما كان التّغيير الطارئ على الزبونة.

فادية تتباهى بمهاراتها في تغيير هيئة الداخلات إلى صالونها في الصباح، وزوجها يباهي بمهارته في التّعرّف عليهنّ وهنّ خارجات، فتركت له مهمّة تصوير العروس وقريباتها، الصّور الدعائيّة الّتي تحرص على التقاطها لزبوناتها قبل أن يخرجن إلى مناسباتهنّ. يختار زوجها من بين الصّور واحدة أو اثنتين، يذهب بها إلى المصوّر ويعيدها بحجم يغطّي الواجهة الزجاجيّة للمحلّ، يعلّقها هناك حتّى الفوج القادم من العرائس.

 حدث يوما أنِ اختلّت موهبته في التخمين. لم يكن يوم عملٍ عاديّ في الصّالون، فقد استضافت زوجتهُ مجموعة من السّيدات العاملات في مجال التجميل لتطلعهنّ على آخر الصّيحات في تجميل العرائس وتدلّلهنّ بتجربة الإطلالات الجذّابة. خرجن جميعهنّ لفقرة التقاط الصّور كالعادة. تعرّف عليهنّ جميعا إلاّ واحدة، تبدو في الأربعين من عمرها، فيها من الجمال والجاذبيّة ما جعلهُ يطيلُ النظر إليها، وبحذر يلتقط صورا لها أكثر من غيرها. كسرت موهبتهُ في التخمين، وكسرت الحدود الّتي وضعها لنفسه منذ بدأ عمله مع زوجته. قد ينظر إلى النساء ويلفته جمال إحداهن، وينتهي الأمر عندما يُغادرنَ الصالون وتُمحى صورهنّ من هاتفهِ.

أرسل صور ذلك اليوم لزوجتهِ كما يفعل دائما، ثمّ حذفها من هاتفهِ واحتفظ بصورة واحدة لنفسهِ. في هاتفه، يكبّر ويصغّر ويتأمّل ملامحها بإعجاب. لنْ يُرسلها إلى المصوّر ولن يعلّقها على واجهة المحلّ. سيتأمّل كلّ تفاصيلها ويحفظها في خيالهِ. أقلقهُ أن يكون في هذا السّلوك خيانة لزوجتهِ، لكنّه تذكّر أنّها هي منْ أوكلت إليه مهمّة تصنيف الجمال، ولولا عيناه الثاقبتان لما نجح فيها خلال السّنوات الماضية. ليست خيانة إذن، هي تقصير فحسب، أو ربّما تقدير مبالغ فيهِ لجمال مختلف وقريب من قلبهِ.

في زاوية السّاحة الصّغيرة أمام الصّالون، جلس يتأمّل الصّورة حينَ رنّ الواتسآب على هاتفه وظهرت صورة المتّصل، الصّورة ذاتها الّتي يتأمّلها خلسة وفوقها كان اسم المتّصل كما يحتفظُ بهِ: «زوجتي الحبيبة».

***

وسوف تغزو العالم

… مارلين مونرو

تطلُّ شرفة بيتي على ساحة رمليّة واسعة، هي مدخل لبنايتيْن، واحدة مأهولة بطوابقها الأربعة وأخرى مهجورة منذ عشرات السنين. يحيط الساحة سور مشوّه لكثرة ما مرّ عليه من بناء وهدم، في وسطه فراغ عريض كان مرّة بوابة. كنتُ أنظرُ إلى السّاحة من مربعات الفاصل الخشبيّ الّذي نصبته حول الشّرفة لأحافظ على بعض خصوصيّة، تصطادُ عيناي ما تشاء منها، وتتركُ لباقي التفاصيل فرصة التسرّب إلى الزوايا.

إلى أن اصطادت عيني ذات صباح فردة صندل فضيّ. كانت هناك وجهها ملاصق لطرف السّور وظهرها إلينا، إلى البيوت التي تحيط بالسّاحة. فردة وحيدة لصندل فضيّ بكعب مربع بنفس اللون، في النهار يشتدُّ لمعانها إذا سقطت عليها أشعة الشمس، وفي الليل تتحوّل إلى نجم أرضيّ بحجم نقطة. لم تكن وحدها هناك، بل تناثرت حولها أغراضٌ كثيرة بدتْ كمحتويات بيت؛ أريكة جلديّة زرقاء، كراتين تبعثرت فوقها ملابس ملوّنة، أحذية كثيرة، أدوات مطبخ ومنضدة ورديّة باهتة. كانت المحتويات بسيطة ومهدّدة بالتخليّ في كلّ لحظة كأنّها لشخصٍ ما بين رحيليْن. فضولي انصبّ على فردة الصندل، الّتي أضفت على السّاحة الرمليّة بريق المعروضات في واجهات المحلاّت في الشوارع الراقية.

من المُربّعات الخشبيّة الصغيرة كنتُ أطمئنُّ على اللمعة الفضّيّة، أحيانا حين لم يكن الضوء يسمح برؤيتها، أقترب أكثر وأغمضُ عينا واحدة وألصقُ العين المفتوحة بفتحة المُربّع حتّى أراها بكامل لمعانها. من شبّاك سيارتي أيضا، وأنا أخرج من الممر الضيّق المؤدّي إلى بيتي، أوسّعُ دائرة الانعطاف إلى اليسار، حتّى أراها بوضوح وهي ثابتة هناك على حالها. أطيل وقفتي قبل أن أحوّل مقوّد السيارة نحو اليمين باتجاه الشّارع الرئيس. نادرا ما أمرّ من هناك ماشية، وإذا مررتُ أتوقّف أيضا لأنظر إليها. شعور داخليّ بالطمأنينة كان يملأني عندما أتأكّد من وجودها في مكانها.

لمحتُ أكثر من مرّة شابة شقراء نحيفة تقلّب الأغراض المرميّة وتختار منها ما بقي صالحا للاستخدام، وتتركُ البقيّة. لم تلتفت مرّة نحو الصّندل. ظلّت المحتويات تتناقص يوما بعد يوم حتّى سمعتُ صاحب العمارة ينادي على عامل النظافة طالبا منهُ أن يحمل في عربتهِ الكومة الباقية. تسارعت دقّات قلبي، تابعت العامل من إحدى المربّعات، كانَ يُقلّب في الكومة ويحتفظ لنفسه ببعض الأشياء الصّالحة، ويرمي الرديئة في عربته. لمحَ فردة الصّندل، حملها متفحّصا، ونظر حوله باحثا عن توأمها. لم يجده، تردّد قليلا ثمّ أعادها مكانها كما كانت تماما.

 حدث أيضا أن داهم الساحة مخبرون يطاردون تجّار المخدّرات المبتدئين، لم يتركوا حجرا إلا وحرّكوه بأيديهم المغطّاة بقفازات، قلبوا فردة الصندل أيضا، تفحّصوها ثمّ رموها نحو الزاوية نفسها، فحطّ وجهها على الأرض ملتفتا إلينا، ليس مباشرا، بل كمَن يلتفتُ نصف التفاتة عتب ولوم، دون اهتمامٍ كبير.

أثناء ذلك كلّه كنتُ قد تعرّفت على المرأة الّتي تساعدني في تنظيف البيت. فوجئت أنّها مُستأجرة في نفس البناية المُجاورة، تسكن هي وابنها المُراهق في غرفتين كانتا في الأصل مرآبا للبناية. بعد شهر من العمل اعتادت عليّ فصارت تجدُ متعة في نقل أخبار سكّان البناية وصاحبها وزوجته الجشعة الّتي تذكّرها دائما بموعد دفع الإيجار، والّتي رفضت أن تخصم لها قرشا منه في الفترة الّتي لم تعمل بها بسبب كسرٍ في يدها خلفته سقطة عن الكرسيّ الّذي تقف عليه وهي تمسح غبار الثريات. تشكو من ابنها المُراهق ثمّ تدعو الله أن يسترها معها ويُشبع أو لا يُشبع الجشعين.

سألتها عن الأغراض المكوّمة في السّاحة ولمن تعود، وما علاقة الشّابة الشّقراء بها. ردّت دون أن ترفع عينيها نحوي: صاحب العمارة رمى أغراض بيتها في السّاحة بعد أن رفضت إخلاء البيت. لماذا يُريد إخلاءها؟ سألتُ، توقّفت وخفضت صوتها: الله يستر على الولايا، يقول إنّها تتعاطى المخدّرات وإنّها ليست شريفة.

شرد ذهني وأنا أحاول استرجاع صورة الشابة في المرّات القليلة الّتي لمحتها فيها عند مرورها في السّاحة. اللعنة على هذا الفاصل الخشبيّ! لولاه لامتلكتُ حدّة الرؤية والتمييز بين الشّريف وغير الشّريف. التفتت الأرملة نحوي وظلّت يدها تمسح شاشة التلفزيون، وقالت: بيني وبينك، رأيتُ الشّابة تشتمُ صاحب العمارة، وتقول له إن لم يتوقّف عن التحرّش بها ستضربه بكعب صندلها، ربّما كانت ثملة عندها، وختمت كلامها كالعادة: الله يُستر علينا.

 الله يستر علينا وعلى الصّندل، همستُ لنفسي. كان الجو في الخارج ماطرا وعاصفا. جرفت مياه الأمطار رمل السّاحة وقاذوراتها في نهر يصلُ إلى الشّارع. أقصى ما فعلهُ النهر بالفردة أن أدار وجهها نحونا، البيوت والمارّة، وصار الفضيّ أكثر توهّجا.

وكطبيعة الشّتاء في بلادنا، كان اليوم التالي مشمسا والسّماء صافية إّلا من بعض الغيوم البيضاء. كانت فرصة لأحد المستأجرين في البناية أن يحتفل بعيد ميلاد طفلتهِ. أغاني أعياد الميلاد الصاخبة، والمهرّجة التي تتودّد الأطفال أن يضحكوا من نكاتها، وأصوات الأطفال وصلتني وملأت الحيّ كلّه.  بعد ساعة خرجتْ صاحبة العيد ومعها صديقاتها للعب في الساحة. حملت كلّ واحدة منهن بالونا وركضت به. أمّا صاحبة العيد فقد برزت من بينهنّ بفستان مزركش وضمّة من البالونات الملوّنة كادت ترفعها عن الأرض. راقبتهن من مربّعاتي وهنّ يتّجهنّ نحو فردة الصّندل.

أمسكتِ الطفلة ذات الفستان المُزركش الصندل الفضيّ وربطته في خيطان بالوناتها تساعدها في العمليّة المعقّدة أكثر من طفلة. واحدة تمسك الصندل وتبحث عن جزء آمن فيه لتربطه في الخيطان، وأخريات يمسكن خيوط البالونات، يضحكن ويناقشن كيفية ربطه دون أن يسقط. ربطنه أخيرا ثمّ أفلتن خيوط البالونات لتحلّق بهدوء وترتفع عن الأرض حاملة الفردة. ضحكن ولوّحن من الأرض وهنّ يردّدنَ بصوتٍ عالٍ: باي نجمة، باي نجمة!

نزلتُ الدرجات الثلاث ولوّحتُ معهنّ للصندل المُسافر حتّى ابتلعته غيوم المسافة.

في الليالي التّالية كنتُ أنظر إلى السّماء من المُربعات الخشبيّة أبحثُ عن لمعة فضيّة.

***

قصص لـِ شيخة حليوى من مجموعة «أمهليني صيفًا آخر»

قنّاص – جسد السرد

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى