افتح جمجمتك للريح | زهران القاسمي

عشرة أسباب لـِفَتّ الرمّانة

البائع الغارق خلف مكتبه الصغير يعد خسائره ويُخطيء

أظافري الطويلة

الجوع الكافر

فكرة أن تتيبس الرمانة بدون فتّ

خيال أمرأة عابر خلف الزجاج

المسافة الطويلة التي قطعتها الرمانة

حتى وصلت إلى هنا

المكان الأقحط حتى من حديث عابر لقطرة ندى

قشرة الرمانة الغامقة

حباتها المتناثرة في مخيلتي

يدي التي تأكلني منذ رأتها

خمسة أسباب لقتل فراشة

جمالها

رفرفتها التي تزعجني

لمعان جناحيها الخاطف للنظر

صمتها الأبدي برغم محاولتي للفت أنتباهها

قرابتها من حقل الورد

الاشتراطات اللازمة لتقطيع خبزة صمون

أن تطرد الأطفال الجياع الذين يطلون كل لحظة من عينيك

أطردهم إلى أبعد نقطة من ذاكرتك

أو احبسهم جيدا خلف الجمجمة

والآن

تأكد بأن أصابعك حادة وملساء لدرجة أن تشير بها على لعبة طفل فتنقسم نصفين

تماما كما تحب أن تشطر الصمونة

ولكن لحظة

لا تستعجل

هب أنك نسيت تذكر الألم الذي ستضعه في الشطيرة

أنت محتاج قبل أن تشق بطنها إلى حشو

يملأ بطن هاجسك الذي يجلس بالقرب منك

تذكر أغنية عاطفية جدا واتركه يتلهى بها

ثم دلل جسد الصمونة حتى تستشعر الأمان

وأبدأ فعلتك

ولا تأبه لما سوف يخرج من أحشائها

ولا ما تحاول أن تصرخ به.

حبل غسيل لقصائد رثة

أنت تفكر في الفقاعات التي تتصاعد من قعر الطشت

بينما ما تزال بعض القصائد

منقوعة منذ أمد

عليك أن تقوم من مكانك وترفعها لترى الشمس

على حبل غسيل ممتد بين كفيك

يا سلام

الريح تصفر على الحبل الفارغ

وأنت لا يعوزك سماع ذلك الوتر الوحيد الجائع

وهو يهتز متغزلا في النقع

هيا خذ تلك القصائد وعلقها عليه

ليهدأ قليلا

وحتى ترفرف مع الريح

ويتساقط العفن مع قطرات الماء

هيا أيها الشاعر

افتح جمجمتك للريح

واتركها تقوم بمهمتها

تماما

على حبل الغسيل

كسر إبرة قلم الحبر الأزرق

لو تراني وأنا أهم بكتابة رسالة إليك

لعذرتني

كان القلم الأزرق ضد أن تصلك الكلمات

كان يشطبها ويكسرها

وأنا أحاول جاهدا أن يكون خطي واضحا

تخيل

لا يمكن ترويض هذه الإبرة الجامحة

أجري في شوارع البياض

وحيدا عطشا متعبا

حتى أكتب كلمة واحدة

فإذا استيقنت اللحظة التي احتويت فيها الكلمة

تنكسر الإبرة

ثم تسقط الرغبة ورقة ورقة

مطاردة عنيفة

لو بدأنا في الركض هذا يعني أن الطفلة

قد بدأت في البكاء

نعم

هي الطفلة الجميلة الصغيرة التي كانت تلعب ضاحكة

ولكن الضحك لا يثير الحياة

الجمال يبعث على البرد والهدوء

لذا كان لابد من قرص خدها أو أخذ لعبتها

حتى تبكي

دمعتها الأولى بمثابة طلقة البداية

هيا نركض

سأطاردك حول عينها العسلية

وتحاول جاهدا أن لا تطرطش الدموع في هربك

لكنني سأخز مدمعها حتى تنفجر دموعها لتعيقك

وقد تنزلق حتى ترتطم بأنفها المحمر

عندها سيعلو نشيجها أكثر

ألا ترى ؟

هل في الحياة متعة أجمل من مطاردتي إياك

بين دموع طفلة جميلة ؟

إنهيار جليدي في علبة آيسكريم

هذا الغبش الذي يسرح جيئة وذهابا

ليس سوى أمنية صغيرة

تصور

أنت تجلس متربعا بلا أمنية

ترقب الجبال من حولك وهي تتآكل

تفكر

الحياة عابرة

البرد اليوم أقل بميليمترات عن البارحة

ثم تتساءل

هل توجد حياة في قعر تلك البحيرة

التي بدأت تتسع وتتسع

تقف على الجرف المنهار دائما

هذا حظك

والأهم أن النهاية ممكنة .

آثار حرب على فوهة بالونة

لقد ذهب العاشقون إلى أن البالونات

مرتع خصب في الصعود عكس الجاذبية

لذلك يحب المراهقون البالونات

إذ أن كل انزلاقة لها من اليد

وهروبها للأعالي

تحديا صريحا للطيران

ولا حول ولا قوة لليد التي انفلتت منها

وإن كان من سبب لذلك

فالبالون يخاف الإبرة الحادة والقرصة التي ستفجره

لذا يصرخ بأعلى صوته كلما انفتحت عقدته

حينها سيبدو رخوا ومستكينا

لكن آثار المعركة

ما تزال تجتذب الأفواه والأيادي.

دعوة صريحة للتوغل في غابة

كلما رأيت شعرك

تتسلقني رغبة ولوجه

والبحث بين ثناياه

عن حيوانات فريدة.

سطوع فكرة من خلال نظارة شمسية

أسمع صوتا يخرج من أحد أهداب عيني اليسرى

وكأنه امرأة تنوح فقدا ما

أسمع نداءه لي:

– قف .. قف

أن تسحب نفسك

كل ما في الأمر

أن المصباح المجاور للشارع صار أعمى

فقأت حصاة طائشة عينه الوحيدة

كل ما في الأمر

معرفتك بتفاصيل البساتين الخلابة

التي تلوح من قميص طفلة الجيران

هل تعلم أنك بلا عينين

خلقت هكذا

لكنك ترى الأشياء كما لو كانت في الواقع

أنت أعمى

هل تسمع صرخة العصب البصري المنغرز

بلا فائدة تذكر

في جمجمتك

تلملم ما يتساقط منك

وتسحبه خلفك

كل ما في الأمر

مكوثك الدائم داخل هذه اللوحة المعتمة.

صاحب القلوب الضعيفة

كان يبيع سفرجلاته على العابرين

سفرجلاته الحبيبات

يبيعها بعينين محمرتين من البكاء

ذلك المكسور الداخل

كل سفرجلة يقطفها من قفصه الصدري

يمدها مرتجفا ويقول :

ترفق بقلبي الضعيف

قشره برفق

المارة تعجبهم دعابته

وفي كل مرة يعرجون إليه

يقولون :

أعطنا قلبا باردا وناعما

ثم يبتسمون في وجهه الباكي.

يحدث في الرشفة الأولى للشاي

أيها الغزال

ها أنت تجلس الآن في مقهى

وقد وهبت عينيك

لامرأة

فقدت عقلها في العشق

فأمست شاردة

تضع قطعة سكر

ثم تسمح لرائحة الشاي

الولوج إلى عالمك

الصحاري والشجيرات الصحراوية

أخطار السباع والقناصين

الليالي المقمرة وأغاني كائناتها

شارد أنت أيها الغزال

بينما تستمع إلى أغنية لا تفقهها

لكن تأخذك موسيقاها

إلى حتمية النجاة والفرار

بقعة خضراء في ثوب أحمر

هذا ليس إعلانا للسلام في زمن دموي كهذا

وليس تشبيها لواحة خضراء وسط الرمال

إنها الأغنية التي تصلني كل يوم

في الطريق إلى قلبك

هل تحلم بالحرب؟

من السهل أن تشعل حربا

وأنت تحدق في الفراغ

خذ عود ثقاب وعشب يابس

ثم قل للمدى احترق

هكذا الحرب

والآن اطفئها في ذاتك إن استطعت

هل تعجز عن إخماد اللهب

إذن كن وقودا له.

زهران القاسمي شاعر وروائي نشرت له عشر مجموعات شعرية منها: أمسكنا الوعل من قرونه، الأعمى، كاميرا. وله أربع روايات منها: جوع العسل، القنّاص.

خاص قنّاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى