الببغاء يغمغم، يخربش قضبان القفص والغطاء القماشي الذي اعتدنا أن نغطيه به في الليلة التي يعقبها يوم عطلة كهذا، حتى لا يوقظ النائمين بزعيقه.
زوجتي والولدان لم يستيقظوا بعد، لا عمل ولا مدرسة، ويطيب لهم النوم حتى وقت متأخر.
الببغاء يتحرك بغيظ، يسمع حركة قربه ولا يمكنه رؤية من يتحرك. لا يعرف ما يقول، ردّد تحية الصباح للجميع إلا أنا:
- صباح الخير ماما، صباح الخير رغودة، صباح الخير سام..
لم يرد أحد عليه فلا أحد موجود منهم، ولكي أزيد في غيظه قلت:
- يا ثرثار أكرهك..
رد علي فوراً زاعقاً كمجيب آلي: حيوان… قص لسانك… حيوان… قص لسانك
فعلاً صرت أكره هذا الببغاء، ولولا زوجتي والولدان لجعلته طعاماً للكلاب.
هو أيضاً يكرهني، فقد توقّف أخيراً عن إلقاء تحية الصباح كما كان يفعل مقلداً الأولاد كل صباح عندما يرانا: صباح الخير ماما.. صباح الخير بابا.
أصبح يلقيها على زوجتي متجاهلاً وجودي زاعقاً: صباح الخير ماما… صباح الخير ماما…
يمشي بخيلاء متمايلاً في قفصه، يقفز إلى الأعلى ثم إلى الأسفل، يغمغم ويهمهم، يفرد جناحيه، ثم يقف على قضيب معدني في عرض القفص، يرخي رأسه ويبدو وكأنه يغفو، لكنه ينتفض ويزعق: كولاس.. ترابيع… ترابيع.. كولاس.. كولاس.. كأنه يحلم.
قفز إلى الأعلى فارتطم بوعاء الماء، انقلب الوعاء وساح الماء قي القفص، اقتنصت الفرصة وصرخت به:
- جحش، غبي..
زعق بحدة وقفز، ثم نظر إلي بشكل موارب وردد:
- غبي… جحش… غبي… جحش…
بدأ يعالج الوعاء بمنقاره ومخالبه، محاولاً إعادته إلى مكانه، يرفعه ليضعه في الحلقة التي كان معلقاً بها. سقط منه عدة مرات، لكنه لم يتوقف؛ إلى أن استطاع بمشقة وعناد إعادته. كعادته بدأ يميل رأسه إلى اليمين واليسار، ثم همهم و غمغم و كأنه يهزأ مني.
اتصل أحد الأصدقاء وأخبرني أنه سيزورنا مع زوجته وولداه ظهر اليوم التالي، أخبرت زوجتي بذلك وعقبت بضيق:
- الزيارة إزعاج في هذا الوقت، لا يمكنني احتمال ضجّة الأولاد، ولداه لا يهدآن، وولدانا أيضاً
هوّنت زوجتي الأمر وقالت:
- سنعمل على ضبط الأولاد.
أتى صديقي وعائلته. اقترب الأولاد من الببغاء وبدؤوا يضايقونه؛ يقلدون هزّ رأسه ومشيته، يزعقون مثله، والببغاء يقفز في القفص من جهة لأخرى محاولاً الهروب منهم.
نظرت إليه بسخرية، ثم تابعت الحديث مع صديقي. كنت أتحدث بلا تركيز، فصخب الأولاد واعتيادي النوم في مثل هذا الوقت، جعلاني ألفظ الكلمات برخاوة وبمخارج أحرف متآكلة.
فجأة زعق الببغاء وخفق بجناحيه بقوة وسرعة مصطدماً بقضبان القفص كأنه يريد تحطيمه، ثم حطّ على القضيب المعدني وبدأ يردد:
- زيارة… إزعاج… زيارة… إزعاج … إزعاج…
صمت صديقي. تابعت الحديث مستنفراً حيوية خاملة ورفعت صوتي محاولاً التغطية على ما يقوله الببغاء، لكنه كان يزعق ويصرخ ويصم أسماعنا.
التفت وصحت به:
- اخرس. سأقص لسانك، ثرثار قليل الذوق.
عاد للقفز من جديد وهو يردد:
- ثرثا… قص لسانك… زيارة… إزعاج … إزعاج ..
غادر صديقي مع عائلته وهو يقول: أرجو ألا نكون قد أزعجناكم. في تلميح واضح على فهمه للموقف، فالببغاء يردد ما يسمعه؛ كما قال لي معاتباً فيما بعد.
عرفت السبب الذي جعل التاجر في سوق زقاق الجن يتخلى عن هذا الببغاء، فما إن أبديت إعجابي به بعد أن رأيته في قفصه الموضوع على باب المحل، يقفز ويردد بشكل مضحك: جوان.. كولاس … كولاس.. زند بيال… ترابيع…
حتى بادر قائلاً: سأعطيك إياه.
قلت: كم تريد ثمنه؟
رد بسرعة: ولا قرش، اجلب قفصاً وخذه الله يبارك لك فيه.. ببغاء جاهز لا يحتاج تعليم، فصيح يقول كل شيء، سأعطيك معه شوال عبّاد الشمس وحبة مسك هي غطاء لتابلو السيارة.
فكرت بطريقة أتخلّص بها من هذا الثرثار، بحيث لا يزعل مني الأولاد وأمهم، فقد تعلقوا به بشكل غريب، فعند استيقاظهم يهرعون إليه يلقون عليه التحية قبلي، يلاعبونه ويستفزونه ليسمعوا ما يردده.
فتحت باب القفص كي يطير، تطاول برأسه منه وأعاده، ثم بدأ يصدر صوتاً وكأنه يضحك. وضعته أمام قط كبير وقلت في نفسي لا بد أنّه سيلتهمه في ثوان.
تركته لدقائق وعدت لأجد القط ينظر إليه بدهشة وهو يموء، ثم بدأ القط يحاول تقليده والقفز مثله.
قلت لزوجتي: الببغاء مزعج؛ وجوده في البيت يضايقني، لم أعد أحتمله.
استجمعت كل مظاهر الدهشة وقالت:
- معقول!؟ يا الله كم هو ظريف، أتعرف أحس أن البيت دونه ممل ومضجر…
الولدان زاد تعلقهما به، صارا يقلدانه في إلقاء تحية، في الكلام المبتور غير المترابط والحركة؛ يقفزان مثله ويحركان رأسيهما، يغمغمان مثله، وأنا أنظر إليهما بدهشة وحسرة وأقول في نفسي: هل هذا معقول..!؟ صارا يقلّدان الببغاء.
أتت فرصة التخلص منه أخيراً فقد اضطررنا للسفر إلى القرية، قلت لزوجتي ضعي للبغاء طعاماً وماءً بما يكفي، وقلت في نفسي لا بد أن نعود ونجده ميتاً، لن يجد من يتكلم معه، ولا بد أن يطق ويموت.
زوجتي أصرت على أن تأخذه معنا، بدأ يقفز بفرح ويستدير استدارات سريعة وهو يزعق ويردد:
- شكراً ماما …شكراً ماما..
في الطريق تحينت الفرص لأرميه من السيارة لكن الأولاد وضعوا القفص قربهم بحرص، الخبيث بدا سعيداً، يصدر صوتاً يشبه الزغردة.
في القرية تلهّى عنه الأولاد باللعب، وضعته زوجتي في غرفة داخلية حفاظاً عليه.
كان علي أن أنام مع زوجتي في نفس الغرفة، مساء غطيته بغطاء أخذته من أمي، استكان وبقي فترة لم يتحرك فحسبته نائماً، قضيت مع زوجتي وقتاً جميلاً لم أقضه منذ زمن…
صباح اليوم التالي ونحن نشرب القهوة مع أمي، أخرجت زوجتي القفص إلى الخارج، نزعت الغطاء عنه، اقترب من قضبان القفص وردد بما يشبه الهمس:
- حبيبتي… حبيبتي ندوش… ندوش…عيني…
نهضت زوجتي خجلة، أماّ أمي فقد ابتسمت ابتسامةً ملغزة..
لا بد أن زوجتي اقتنعت أنه يجب أن نتخلص من هذا الخبيث، قلت لها:
- الببغاء صار يزعجني كثيراً، لم يعد يلزمنا، لا بد من التخلص منه.
قالت:
- حبيبي هل من المعقول أن تضع عقلك بعقل ببغاء!! هو في النهاية طير… حيوان… لا عقل له.
لم يعد لي سوى أن أصمت، بينما الببغاء يردد عندما يرى زوجتي صباحاً: صباح الخير ماما..
أماّ في المساء فيهزّ ذيله بغنج، يقرب رأسه من قضبان القفص وينق هامساً:
مساء الخير حبيبتي… ثم يطلق صوت قبلة.
مفيد عيسى أحمد؛ كاتب وصحفي سوري. صدر له أربع مجموعات قصصية: ثلاثة نداءات وتصبح نجمة، البطل في وقفته الأخيرة، ثلاثة أهداف لبرشلونة، حارس الفلة البنفسجية، ورواية الماء والدم، ومجموعة شعرية (وشاة يقرؤون كتب الحكمة).
