Site icon منصة قنّاص الثقافية

السينثويف: كيف ابتكر مجتمع على الإنترنت نوعًا موسيقيًا جديدا

السينثويف

جيس بلايز وارد: Making Synthwave

جيس بلايز وارد: صناعة السينثويف

Ward, Jess Blaise. Making Synthwave: How an Online Music Community Invented a Genre. Abingdon, Oxon; New York: Routledge/Focal Press, 2026.

بقلم: د. صالح سليمان

يقدّم كتاب جيس بلايز وارد دراسة لافتة في كيفية تشكّل نوع موسيقي كامل داخل الفضاء الرقمي، لا بوصفه نتاجا مباشرا لمؤسسة إنتاجية أو حركة فنية منظمة مسبقا، بل بوصفه ثمرة تفاعل طويل بين موسيقيين، ومستمعين، ومنتجين، ومدونين، ومنسقي قوائم تشغيل، وأصحاب قنوات، وشركات تسجيل مستقلة، ومجتمعات تواصل افتراضية. ومن ثم، فإن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في أنه يؤرخ لموسيقى السينثويف Synthwave، بل في أنه يستخدم هذه الموسيقى بوصفها حالة كاشفة عن آليات تكوّن الأنواع الفنية في القرن الحادي والعشرين. فالنوع الموسيقي، كما يعرضه الكتاب، ليس مجرد مجموعة من السمات الصوتية الثابتة، بل هو بناء اجتماعي وثقافي وتقني يتشكل عبر التفاوض المستمر حول الحدود والمعايير والرموز والأساليب. وتوضح وارد منذ البداية أن موضوعها الأساسي هو كيفية قيام مجتمع السينثويف على الإنترنت ببناء معايير هذا النوع الموسيقي والتفاوض حولها والمحافظة عليها، مع تتبع جذوره من منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة إلى منتصف عشرينيات القرن الحادي والعشرين.

السينثويف نوستالجيا متخيلة لموسيقى الثمانينيات

وتتمحور إحدى الأفكار الأساسية في الكتاب حول أن السينثويف نوع موسيقي يقوم على نوستالجيا متخيَّلة للثمانينيات تتشكل عبر الوسائط؛ فهو لا يستعيد الماضي كما كان تاريخيا، بل يعيد بناءه من خلال السينما، والتلفزيون، وألعاب الفيديو، وجماليات النيون، وأصوات آلات المزج الإلكترونية، وتقنيات الإنتاج الرقمي المعاصرة. فالحقبة المركزية التي يستدعيها السينثويف هي ثمانينيات القرن العشرين، غير أن هذه الثمانينيات ليست حقبة تاريخية دقيقة بقدر ما هي صورة تخيلية مركبة: مدينة ليلية مضاءة بالنيون، سيارة تسير على طريق طويل، أفق حضري مستقبلي، آلات مزج إلكترونية، أفلام حركة ورعب، ألعاب فيديو، وشعور دائم بأن الماضي كان أكثر كثافة من الحاضر. ولذلك لا يمكن فهم السينثويف باعتباره تقليدا مباشرا لموسيقى الثمانينيات، بل باعتباره إعادة اختراع جمالية لذلك الماضي. إنه لا يستعيد الثمانينيات كما كانت، بل كما تتخيلها الذاكرة الرقمية المعاصرة.

وتبرز قيمة تحليل جيس بلايز في أنها لا تتعامل مع هذا الحنين بوصفه انفعالا سطحيا أو نزعة استهلاكية فقط، بل بوصفه بنية إنتاجية كاملة. فالفنانون لا يكتفون بمحاكاة موسيقى السينثبوب القديمة، أو موسيقى الأفلام، أو المؤثرات الإلكترونية التي ارتبطت بتلك الحقبة، وإنما يعيدون تركيبها من خلال أدوات رقمية حديثة. وهنا تظهر المفارقة المركزية في السينثويف: فهو قديم في مظهره، معاصر في وسائله. إذ يعتمد كثير من منتجيه على آلات مزج افتراضية، وبرامج محاكاة للأجهزة القديمة، وإضافات صوتية رقمية، ومحطات عمل صوتية، ودروس تعليمية على الإنترنت، لا على الأجهزة الأصلية وحدها. وتوضح وارد أن الأجهزة القديمة من سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تمتلك قيمة رمزية عالية داخل المجتمع، لكن الوصول إليها عمليا ليس سهلا دائما بسبب الكلفة، والصيانة، والتخزين، والتوافق التقني؛ لذلك تصبح المحاكاة الرقمية جزءا لا يتجزأ من هوية هذا النوع الموسيقي لا مجرد بديل اضطراري.

ومن هنا يرفض الكتاب الفصل بين الصوت والتكنولوجيا. فالصوت في السينثويف ليس مادة جمالية خالصة منفصلة عن وسائط إنتاجها، بل هو نتيجة مباشرة لعلاقة المنتجين بالأدوات الرقمية والتناظرية. إن الألحان الساطعة، وأصوات الباس الإلكترونية العميقة التي تمنح الموسيقى ثقلها وحركتها، والأنماط المتتابعة، والطبول ذات الصدى الواسع، والمساحات السينمائية، ليست عناصر تقنية محايدة، بل علامات دالة على الانتماء إلى النوع. حين يسمع عضو من مجتمع السينثويف مقطعا موسيقيا، فهو لا يحكم عليه فقط من زاوية الجمال أو الإتقان، بل من زاوية مدى مطابقته لما يتوقعه هذا المجتمع من «صوت السينثويف». ولهذا تتحدث وارد عن «معايير أسلوبية» يتعرف من خلالها المجتمع إلى هويته. هذه المعايير لا تفرضها جهة مركزية، بل تتشكل عبر التكرار، والتداول، والنقاش، والتقليد، والاختلاف.

السينثويف فضاءات رقمية

ويمثل الإنترنت في الكتاب البيئة الحاسمة التي جعلت هذا التكون ممكنا. فالسينثويف، كما تعرضه جيس بلايز، ليس نوعا موسيقيا ظهر أولا في النوادي أو شركات الإنتاج ثم انتقل إلى الإنترنت، بل هو نوع تشكل منذ بداياته في فضاءات رقمية. لقد لعبت المنتديات، ومدونات الموسيقى، ومجموعات Reddit، وقنواتYouTube ، ووسوم Twitter/X، والإذاعات الرقمية، وقوائم التشغيل، والدروس التعليمية، ومسابقات الريمكس، وشركات التسجيل المستقلة على الإنترنت، دورا بنيويا في إنتاج النوع. وهذه المنصات لا تنحصر وظيفتها في نشر الموسيقى بعد اكتمالها، بل تشارك في تحديد ما الذي يمكن أن يُسمى سينثويف أصلا. فعبرها يتعلم المنتجون المبتدئون، ويتلقى الفنانون ردود الفعل، وتنتشر الأسماء، وتتشكل الذائقة، وتُبنى المكانة، وتُرسم الحدود بين ما هو داخل النوع وما هو خارجه.

لذلك يمكن القول إن مجتمع السينثويف يعمل، في تصور جيس بلايز، كمدرسة غير رسمية. فالعضو الجديد لا يدخل عالما مكتملا فقط، بل يتعلم داخله. يتعلم أسماء الفنانين المؤسسين، والأعمال المرجعية، والبرامج المستخدمة، والرموز البصرية، والأنواع الفرعية، والأخطاء التي ينبغي تجنبها. كما يتعلم ما تعنيه الأصالة داخل هذا المجال: هل هي العودة الحرفية إلى آلات الثمانينيات؟ أم القدرة على استحضار أثر تلك الحقبة بوسائل معاصرة؟ هل يجب أن يكون العمل آليا بالكامل؟ أم يمكن للغناء أن يحتل موقعا مركزيا؟ هل تظل الموسيقى سينثويف إذا اقتربت من الميتال أو البوب أو موسيقى الألعاب؟ هذه الأسئلة لا يجيب عنها الكتاب بطريقة معيارية جامدة، بل يوضح أن الإجابات نفسها هي جزء من حياة المجتمع وتطوره.

السينثويف مجتمع يمارس صناعة الموسيقى

ومن المفاهيم المهمة التي يعتمد عليها الكتاب مفهوم مجتمع الممارسة. فالسينثويف لا يظهر هنا كجمهور يستمع فقط، ولا كشبكة علاقات رخوة، بل كمجتمع يمارس شيئا مشتركا: يصنع الموسيقى، يعلق عليها، يحللها، يروج لها، يعلم أدواتها، وينتج حولها صورا وخطابات ورموزا. لذلك يصبح النوع الموسيقي ممارسة اجتماعية مستمرة. فالمجتمع لا يتحدد فقط بما يحبه أفراده، بل بما يفعلونه معا. وتؤكد وارد أن البحث في السينثويف يعالج فجوة نظرية، لأنه يطبق مفهوم مجتمع الممارسة على تكوّن النوع الموسيقي نفسه، لا على التعليم أو التدريب فقط. وبهذا المعنى، يصبح السينثويف مثالا على أن الأنواع الموسيقية الحديثة قد تتشكل عبر المعرفة الجماعية المتداولة، لا عبر المؤسسات الرسمية وحدها.

تظهر أهمية رأس المال الثقافي الفرعي في أن مجتمع السينثويف يمنح قيمة خاصة لمن يعرف الأعمال والأسماء والرموز المرتبطة بهذا النوع الموسيقي. فالإلمام بأفلام مثل Drive، ومسلسلات مثل Stranger Things، وألعاب مثل Hotline Miami، ومقطوعات مثل Nightcall لكافينسكي و A Real Heroلفرقة College بالتعاون معElectric Youth ، لا يعد معرفة جانبية، بل علامة على الانتماء إلى الثقافة الجمالية والرمزية للسينثويف. هذه الأعمال تمثل نقاطا مرجعية لأنها تربط الموسيقى بصورة بصرية وسردية محددة: الطريق الليلي، البطل الصامت، المدينة، الخطر، الرومانسية الباردة، والعلاقة بين الصوت والصورة. ولهذا يهتم الكتاب بالمزامنة بين الموسيقى والسينما والتلفزيون وألعاب الفيديو، لأنها أسهمت في نقل السينثويف من فضاء رقمي محدود إلى حضور أوسع في الثقافة الشعبية.

لا يختزل الكتاب السينثويف في صيغة واحدة، بل يبين أن قوته تكمن أيضا في تعدد فروعه الداخلية. فهناك أنواع فرعية مثل الدارك سينث (Darksynth)، والفوكال سينثويف (Vocal Synthwave)، والدريم ويف (Dreamwave)، والتشيل سينث (Chillsynth)، وغيرها. ولا تمثل هذه التفرعات مجرد تنويعات صوتية، بل تكشف عن توترات داخل هوية النوع نفسه. فالدارك سينث (Darksynth)، مثلا، يقرّب السينثويف (Synthwave)  من الميتال (Metal)، والرعب، وأجواء المخرج والمؤلف الموسيقي جون كاربنتر (John Carpenter)، ويجعله أكثر قتامة وعدوانية. وهنا يطرح المجتمع سؤالا ضمنيا: إلى أي مدى يمكن إدخال الجيتارات الثقيلة (Heavy Guitars)، والإيقاعات العنيفة (Aggressive Rhythms)، وموتيفات الرعب (Horror Motifs)، من دون أن يفقد العمل صلته بالسينثويف (Synthwave)؟ وعلى الطرف الآخر، يفتح الفوكال سينثويف (Vocal Synthwave) المجال أمام الأغنية، والصوت البشري، والبنية اللحنية الغنائية، مما يجعله أقرب أحيانا إلى البوب الإلكتروني (Electronic Pop). ويكشف هذا التوتر بين المحافظة على هوية السينثويف (Synthwave) وتوسيع حدودها عن حيوية هذا النوع الموسيقي، لأنه لا يبقى مغلقا على شكل واحد، بل يتطور من خلال الاختلاف والتجريب.

السينثويف وسؤال النوع / الجندر الموسيقي

ويكتسب سؤال الجندر حضورا مهما في الكتاب. فـ جيس بلايز لا تتعامل مع السينثويف كمجال صوتي فقط، بل كفضاء اجتماعي تتوزع داخله الأدوار والفرص والسلطات. وتشير إلى أن بعض مناطق المشهد، خصوصا المرتبطة بالتقنية أو الدارك سينث، يمكن أن تحمل طابعا ذكوريا واضحا، سواء في صورة المنتج الخبير أو العازف التقني أو الذائقة الثقيلة. غير أن الكتاب يبين أيضا أن الفوكال سينثويف أتاح مساحة أوسع لظهور النساء والفنانين غير الثنائيين، لا بوصفهم أصواتا مضافة إلى أعمال ينتجها آخرون فقط، بل بوصفهم مؤدين، ومنتجين، وكتّاب أغان، ومنسقين، ومشاركين فاعلين في صياغة النوع. وتحليل وارد لأغنية  Beyond Memory للفنانة NINA يوضح كيف يمكن للصوت والغناء والتوزيع أن يحافظوا على هوية السينثويف، وفي الوقت نفسه يوسعوا فضاءه التعبيري.

كما يفتح الكتاب سؤالا بالغ الأهمية حول الأداء الحي. فإذا كان السينثويف قد تشكل أساسا عبر الاستوديوهات المنزلية والمنصات الرقمية، فما معنى أن يُقدّم حيا على المسرح؟ هل يكفي تشغيل مسارات مبرمجة؟ هل يتوقع الجمهور آلات حية؟ هل يمنح الغناء والجيتار والساكسفون الأداء شرعية أكبر؟ تعرض جيس بلايز هذه المسألة من خلال إثنوجرافيات حفلات لفنانين مثل The Midnight وDance with the Dead  وSIERRA VEINS، وتبين أن الحضور الحي ليس مسألة تقنية فقط، بل مسألة أصالة وتوقعات جماهيرية. فكل فنان يفاوض بطريقته العلاقة بين الطبيعة الإلكترونية للموسيقى والرغبة في تحويلها إلى حدث جسدي ومسرحي.

في المحصلة، تكمن أهمية كتاب جيس بلايز وارد في أنه لا يقدم السينثويف بوصفه مجرد موسيقى نوستالجية، بل بوصفه نموذجا لفهم الثقافة الرقمية المعاصرة. فالكتاب يبين كيف يمكن لمجتمع افتراضي أن يخترع نوعا موسيقيا، ويضع له معاييره، ويراجع حدوده، ويصنع تاريخه ورموزه. كما يكشف أن الحنين في العصر الرقمي ليس عودة بسيطة إلى الماضي، بل عملية إنتاج معقدة تستخدم البرمجيات والمنصات والتداول الجماعي لصناعة ماض قابل للعيش في الحاضر. ومن ثم يصبح السينثويف أكثر من صوت إلكتروني مستلهم من الثمانينيات؛ إنه مثال على كيفية تحول الإنترنت إلى فضاء جمالي ومعرفي واجتماعي قادر على إنتاج الأنواع الفنية لا مجرد استهلاكها.

*****

د. صالح سليمان عبدالعظيم؛ أستاذ علم الاجتماع، جامعة عين شمس، مصر.

السينثويف

خاص قنّاص – موسيقا

طالع المزيد

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات