فضاءاتملفات

الشِعر العراقي الراهن.. حقيقة الكتابة وسيلان النص

مختارات شعرية من العراق: إعداد أحمد ضياء

الشِعر العراقي الراهن.. حقيقة الكتابة وسيلان النص: إعداد أحمد ضياء

ترتهن البنية الكتابية في الشعر العراقي، من خلال سلسلة من التضاريس المفاهيمية، فلكل شاعر لونه الكتابي الذي من خلاله، استطاع أن يكون صورته الشعرية في المشهد العراقي الآن، الأمر الذي جعل هؤلاء الشعراء أمام فعل قضوي من شأنه التباري مع كل المعطيات المجاورة، منها الشعراء الذي سبقوهم والشعراء اللذين سيأتون معهم، انتخبت هؤلاء الشعراء بدقة، لكوني فاحصا للمشهد، ولا أزعم أن أَحَطْت بكل المشهد؛ فهنالك شعراء لم أختر نصوصهم ظناً مني في العودة لهم في وقت آخر، فالمشهد الشعري العراقي الآن زاخر بأسماء مهمة، وبدأت تلمع داخل المتون الشعرية العربية.

واحد من أهم معطيات الشعرية الجديدة في المشهد العراقي، هو عدم إيمانها بمقتضيات التجييل الأمر الذي عزز هذا الايمان فاعلية الفضاء الالكتروني، بالتالي، بدأت نصوصهم باتخاذ وجهات سائلة تتعابر وتتلاقح مع الشعراء السابقين، وهذا يعطيهم مزية مضافة، الأمر الذي فتح مجمل المقتضيات الرؤيوية للشاعر أن يندمج مع المحيط عبر الوسائل الرقمية أو عبر استعادة أساطير معينة، فهو لم ينكفأ ضمن جيل أو مرحلة معينة، لذلك بقيّ جيلا زئبقيا يحاول التملص من كل المعطيات التي تحد من قابليته الموجودة.

إنَّ البنية النصية في الشعر العراقي اليوم متشظية، بسبب الانفتاح الكبير على مجمل البنى الحياتية، مما أعطت لكل شاعر خصوصية في التعبير والمشاهدة، وهذا الفعل انعكس بشكل أو بآخر على المنتج الشعري المطروح، مضافا إلى هذا الأمر المرجعيات المعرفية التي بدأ يتوسع عبرها الشاعر أعطته نضيدة مفاهيمية للتصريح بالاشتغالات المراد العمل عليه بمهنية اللقطة الشعرية المنفردة، فهذه الأصوات بدأت برسم جدولتها المعرفية داخل ميكانزمات توسعية في الجملة الشعرية.

***

الشعر العراقي

زين العابدين المرشدي

فازت قصيدته «القرويُّ يُهدي النخلَ أيضاً» بالمركز الأول لجائزة مهرجان الشعر الأوربي، الذي نظمه الاتحاد الأوربي في بغداد.

التجوال بين نخلتين

كالطيرِ، ينفضُ عنْ ريشِهِ الماءَ

قربَ البحيرةِ، ينفضُهُ؛

كانتِ البصرةُ، الفجرَ، تنفضُ أحزانَها.

قد قَدِمنا إليها مع الفجرِ.

ما زالتِ الشمسُ

في دعَةٍ تتقلَّبُ في نومِها وقتذاكَ.

وصلنا إلى البصرةِ، الفجرَ.

قلتُ:

المدينةُ تُشبِهُ يومَ القيامةِ

في فكرةِ اليومِ، لا هوْلِهِ ـ

 نحن أضيافها

نحن نعرفُها عندَ (ساحةِ سعْدٍ) هناكَ،

التي تتقاطعُ فيها الشوارعُ مثلَ المصائرِ بالضبطِ

في ذلكَ اليومِ، يومِ القيامةِ!

حتى وصلنا قُراها؛

تجوَّلتُ ما بينَ نخْلاتِها عندَ مجرى المياهِ

ولستُ أقولُ كفلاحِها

بلْ تجوَّلتُ ما بينَ نخْلاتِها

كالنسيمْ

بعدَ أنْ راعَها الخوفُ واستغربتني،

وحتى أُطمئِنها؛

قلتُ للنخلةِ الحذِرَةْ:

إنّما جسَدي شجَرَةْ

ليسَ أكثرَ،

والقلبُ عشٌّ قديمْ.

الشعر العراقي

آية ضياء

شاعرة، حاصلة على ماجستير إعلام. صدر لها مجموعة شعرية «شيءٌ وعشرون شوقاً».

يظهرُ المعنىٰ.. يختفي الأمس

أتوقفُ لمرات

تعود إليّ أقدامي لمراتٍ مثلها

لكتابة أحلام اليقظة

أعود

أصبُّ ماءاً في أوردتي

علامةَ التذكر

أبحثُ عن عشبةٍ

لا تجلبُ أياماً قديمة

تتدلى منها الوجوه

على حبل غسيل

يربطها وجهي بخيطٍ واحد

في عالمٍ لا يراه أحد

سمعتُ ما أود سماعه

في عالمٍ يجرني وراءهُ من يدي

ثمة حجر

كان على الحجر أن ينطق

لأستبدلَ سور بيتي

بوشاحٍ من الدانتيل

أما الأشياء التي أُحب

فبالونٌ كبير

لن يلامسَ أرض روحي

إلا بوخزة دبوس

وعندها ليس ثمة بالون

بل حجر

**

نقطة تحول

الأصابع الخمسة

مازالت خمسة

كفٌ كاملة

تكفي للإمساكِ بشخصٍ واحد

تكفي لإفلات الأشياء المُضنية

لم تعُد الأغاني ساحةً للحُب فقط

ولا مكباً للوقت الفارغ

فالأغنيةُ باتت تكفي

للإمساكِ بحياةٍ أبدية

بعد أن زينتها بالصور السوداء

أبتعدُ الآن عن الأوراق الساخنة

ببرود

بخفة الكلمة التي يلقيها الهواء

على مسامعِ غصن أخير

أشتري حياتي

ممن يبيع

أسرقها

من طوق الخوف والقبيلة

وأمضي

بلا وجع التردد وأورام السكوت المزمنة

أمضي إليَّ

أمضي إلينا

إلى مساحةٍ بيضاء

تركضُ فيها الخيول بلا توقف ..

أيّوب سعد

أيّوب سعد

شاعر وصَحافي، حاصل على إجازة في الإعلام من جامعة بغداد. له مجموعة شعريّة بعنوان «الذين لا يَملكون سوى نَظراتهم، ما لا يشبه رمية النرد»، صادرة عن الهيئة المصريّة العامّة للكتاب في القاهرة.

عَدّادُ الطيور الرّاحلة

هناكَ ما سَيتبقّى ولكنْ ليسَ من نَصيبي

ولنْ يعنيني إنْ ظلَّ الباب مفتوحًا

فَروحي تائهةً

في الخارجِ.

أنا من جاءَ بِهيئةٍ ضَبابيَّةٍ إلى العالم

عَبرني كلُّ مَن رآني

لستُ مَفهومًا

قلتُ:

تَرجميني كي أتعرَّفَ عليَّ عِبرَ قراءتَكِ لي

لم يقرأني أحدٌ

صدَّ عَنّي كلّ مَن ناديت.

عالجتُ رَغبةَ موتكِ بحياتي

وسِرتُ معكِ من الفِكرةِ حتّى ذَوبانِها

أعطَيتكِ

جدولَ أيامٍ بِلا وداعات

ولكنَّها لحظة رحيلك

كانت تعادلُ مَرارةَ حياتي كُلِّها

كانت تعادلُ

عذابَ أنْ تصِلَ شيئًا لا يَحقُّ لك لَمسه.

ويا أهلي

إنْ تركتُموني يومًا

لا توجعوا اسمي كثيرًا

ولا تبكوا أو تنحبوا

فاسمي عانى أكثرَ مِمّا عانيتُ

ولو وصلنا بعد هذا الطَّريق لِملامحِ شيءٍ ما

حتمًا سَنفترق

ولِيأخُذَ اسمي حياةَ رجلٍ آخرَ

ولأبقى أنا

أعدُّ الطيورَ الرّاحلة

وربما أختارُ اسمَا لطيرٍ أتعبَتهُ جناحاه

وأعودُ إلى قلبِ أوَّلِ نَخلةٍ سَقيتُها

في “حيّ الطّعس”،

حيثُ أعشاش الخيبةِ الأولى

والطّفولةُ التي تُذكِّرُني دائمًا

أنَّ لكَ ملامحَ نخلةٍ

وصبرِ نخلةٍ

ولن يكن لك عمرُ النخلة أبداً.

وهناك

ما سيتبقّى منكِ ومن الشِّعرِ والألوان

ولكن

كلَّ هذا ليس لي

أنا شُعوركِ بالنّقص

يوم وقفتِ قُربَ لوحةِ الأزهارِ الذّابلة

وبدلَ أن تَمدّي لها يديكِ وتقرئي نشيدًا من أجلها

نَظَرْتِ لها فَقط

وغادرتِ المكانَ مُترَدِّدةً وخَجولةً

لا يُسبِّحُ من أجلك شيء.

الشعر العراقي

وسام علي

صدر له كتاب بعنوان «موتغرافيا».

أصوات تحذيرية

إثنان في ظلي

أنا ورحيلك.

المدينة تضع ثديها في المكان الخاطئ

أأنتظر دوري؟

الليل يسكنه من لا يراه

والظلمة ترمي مخمل الضوء على عمانا

نجعل من أنفسنا أصواتا تحذيرية

نحمي أرواحا تسكن الغفوة

عبّاد للشمس ندير وجوهنا للصفع

نرفع رؤوسنا لمنارات اليباس

نأمل بالموج يأتي بالخلاص

حمائم الظهيرة لها ظلال مؤجلة

سياط على الريش

وماء يُرى كطلب أخير

هي تبحث عن بداية القفص

أأنتظر دوري؟

مات الرجل

وبقي منه رداء

أي جرح يغطي

وفي وقته كانت الندوب تشفى بالقبل.

الصمت مرادف الشتيمة

أنا صامت في وجوهكم.

علي محمود

علي محمود خضير

أصدر أربعة مجاميع شعريّة، هي: الحالم يستيقظ، الحياة بالنيابة، وسليل الغيمة، وكتاب باذبين.

أصدر أربعة مجاميع شعريّة، هي: الحالم يستيقظ، الحياة بالنيابة، وسليل الغيمة، وكتاب باذبين.

جرح الغيب

أُكْتُبْ

لحبيبةٍ لم تلتق بها بعد

لحبٍّ ما كان

وموعدٍ ينتظر.

..

ما لا يقع، هو المعجزة

ما يُغفل، هو البرهان.

واكْتُب:

لنضيعَ، يكونُ الحبُّ،

لا لنتعانق.

للأرق، هو الليل.

للظمأ، تجري الساقيةُ.

أهذا المحيط كله لأجل سفينة تغرق؟

أهذه السماء كلها لأجل صرخةٍ مكتومة؟

جرحك الذي في الغيب

يدفع الدم في عروقك

افتح الطريق لجرحك!

اُكتُبه.

***

عزاء

لن تُعيدَهُ الكتابة

ولا الوقوف طويلاً عند المفارق

لا الأغاني، مهما سمعت،

لا،

ولا النُّواح بحَنجرةٍ وسع العالم

الصّمتُ قديم والشّكوى نفدت..

إنّه عزاءٌ لا يقدّر

إدراكُ أن ما أضعناه لن يعود

وأننا، جميعاً، في حلٍ من الرّجاء.

أحمد ضياء

أحمد ضياء

شاعر وناقد مسرحي وممثل ومخرج، حاصل على الدكتوراة في الفنون المسرحية. صدر له: “شعراء داخل حقول الألغام”، و”مملكة العظام” ، و”الحرب دموعها خشنة” ، و”سكرة الإحسان تمارين ابتكار لعبة الوجود”.

في طوارئ مدينة الطب

البارحة كنت قاطناً هناك

وبينما تفحصُ الطبيبة ضغطي

كانت الأيام تمرُّ مثل الجداول في رأسي

سكن الألم

رحت صوب كل الأماكن

أتفحصُ الالتفاتة

وابتسامة عباد الشمس

أجد كمية الحب

في الطريق.

يا طريقُ تسمعُ آنين أنفاسي

ومواجعي وصمتي الثقيل

كما تسمع هذا الكبت لكل المشاعر

ولا تفيق

يا طريق سجل جهلي لكل شيء

إلَّا هي…

*الشِعر العراقي الراهن.. حقيقة الكتابة وسيلان النص

خاص قنّاص – ملفات

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى