الفنون الشعبية في عُمان: قيمةٌ عبر الزمن | خالد الضنكي

الصورة: فن الميدان

إن الخوض في عملية أَشكال الفنون الشعبية، يجرنا إلى تساؤل آخر، في اللحظة التي يتكون  فيها فعل التعبير، حول مدى أَهمية الفنون في الحياة؟بالعودة إلى مُدَّخَرات هُوِيَّة الفنون، في هذه المسأَلة فقط، ودون التفاصيل، تشير بوضوح، بأَن الفنون بأَشكالها المختلفة، وخصائصها المتنوعة، وسماتها الجمالية، تشكل قيمةَ أَساسية، ذات أَهمية في الحياة، عبر العصور، في الدور الذي تلعبه لتحرير المشاعر والأَحاسيس المكبوتة، التي إن طال زمن كبتها تُسبب الكثير من الحالات والعقد النفسية، وبدورها هذا تقودنا الفنون إلى الاستقرار النفسي، فتعمل على إقامة التوازن بين المشاعر الروحية الداخلية للإنسان، مع الجوانب المادية في الحياة، وهي تجعل الفنانين يعبّرون عن مشاعرهم تجاه مجتمعهم والطبيعة وما تظهره الحياة لهم من خلال استخدام وسائل فنية، وفي نهاية المطاف وبصورة عامة، الفنون دعوة للتغيير والتجدد، بل هي ضرورة وجود وتقدم ورقي، لأَنها تُعلي من شأن قيمتين أَساسيتين لا غنى عنهما في تقدم الأُمم  والحضارات، وهما “الإتقان” و”الابتكار”.

​تتميز المدن العمانية بتعدد الفنون الشعبية، بمختلفة أنواعها، وأشكالها الجمالية، خاصة الفنون البحرية، وذلك يعود إلى تاريخ عُمان البحري الضارب في القِدَم، بفضل قُوَى الإنتاج، وأدواتها الفنية، والطبيعية، وتطور علاقات العمل، فيما مضى عبر مواسم الإبحار إلى الهند وسواحل القارة الأفريقية، وما ترتَّب على ذلك من أحداث تاريخية، وعمليات تجارية، ونتيجة لتبادل وتلاقح الثقافات في مرحلة انتقالية معينة، ظهرت في عُمان أعمال فنية شعبية جديدة بأشكال وأدوات مختلفة، نذكر من هذه الفنون المتنوعة بعضاً منها، على سبيل المثال لا الحصر، “المديمى“، الطَّمبُورة، الشَّرَح، وسَعْدهْ.

​هناك الكثير من الفنون الشعبية في عمان منها الترفيهية مثل، تَشَحْ شَحْ، أُم بُمْ، وبو الزَّلَفْ، والروحية الترفيهية بطقوسها المرتبطة بالقرابين كالميدان، الزَّار، الشَّرحْ، والقتالية كفن الرَّزْحَة، والعازي، والبحرية ومنها “النّهَّام” ذلك الصوت الغنائي القوي، الساحر، الذي يقود البحَّارة في أثناء العمل،  ينضاف إلى ذلك “الشُّوباني“، الفن الذي تتنوع إيقاعاته بتنوع الحالة، وتتصاعد وفقاً لطبيعة العمل.

​سُئِل ذات يوم في برنامَج إذاعي قديم الدكتور الكويتي يُوسُف دوخي، اختصاصي الفنون الشعبية (شقيق المغني الكويتي الشهير عوض دوخي)، عن ماهية الإيقاع الذي كان يستخدم في السفن الكويتية خلال عملية رفع الشراع؟ فأجاب بلا تردد: الإيقاع الصوري العُماني، ثم عادت المذيعة وقتئذ لتسأله بغرابة، لماذا؟ وكان رده: لأنه الأسرع.

العمل برفع الشّراع يتطلب سرعة قصوى في التنفيذ، لو حدث تباطؤ فقد تنقلب السفينة، ثم أن انفلات حبل (الدّيمان) الذي يتحكم في الطرف الخلفي للشراع قد يتسبب في مشكلة أخرى، وربما تباغتهم عاصفة قد تؤدي إلى كسر (الفرمال) العارضة التي تحمل الشّراع.


images (2)_edited.jpg
فن التَشَحْ شَحْ  sm3ha.net

يأخذنا هذا السياق إلى “فن الميدان” الذي يحضر بقوة، لدرجة تجعل من الصعب تجاوزه؛ فهو الأكثر إثارة، والأشد جاذبية، معتمداً بذلك على لغة شعرية رمزية قد لا يطالها المرء ما لم يستأنس بها، ويكون قد خبر أسرارها وخباياها، لغة جعلت الميدان متميزاً عن بقية الفنون الشعبية الأخرى، وحافظ في ذات الوقت على آلية وجوده على مَرِّ الزمان، بشكل يكاد أنّ الكل يردد شيئاً من قصائد الميدان في عُمان بمن فيهم الأطفال، في حين تبدو جماليات إقاعاته بطبل مسيندو الأفريقي الأصل المتناغم مع صوت الشاعر، والرقصة الأخَّاذة التي تبدو بمنزلة علاقة الشكل بالمعنى.

​يعد الميدان، فنّاً ترفيهياً وروحانياً في ذات الوقت بامتياز، ما ميَّزه عن بقية الفنون الأخرى، لغتة الشعرية ذات المعنى والمغنى، لغة مفعمة بالمفردات المبهمة، مشفرة، محببة، دائماً ما تتأتي بالرموز، فلكل رمز دوره لإعطاء دلالات متعلقة بالحالة، انعكاس لتجربة واشتباكات مع تفاصيل الحياة، وقضايا الإنسان، والوطن، لغة بديعة في استعاراتها وتنويعاتها عبر اللجوء إلى إبدلات وتنقيلات المعنى، ومنها التنسيق الذي يسمح باعطاء الرسالة امتدادَ تَحولٍ لا متناهي في القصيدة، مثل قول الشاعر الذي أجهل إسمه: ( كَيلْ السَّدسْ مالكنَّه يَمَامْ/ بنتي حَرمْتي وخَتْ بنتي أخطبوها ونا بُوها/ المعرسْ أنا ومالكني يَمَامْ)، يرينا الشاعر في هذه الأبيات القصيرة الذي يشبه (الهايكو) الياباني الذي يكتب عادة في ثلاثة أسطر أو أكثر بقليل، ولكن الميدان يختلف من حيث الرموز والصور المبهمة، بينما ألفاظ الهايكو بسيطة تعبّر عن مشاعر جياشة أو أحاسيس عميقة. إذن يرينا شاعرنا هذا كيف أصبح حال إبنته عويصا، فهو لا يستطيع تزويجها بعد أن جاء من يخبطبها منه، كونه خاضع لسلطة سيده، وكذلك إبنته التي تعمل خادمة في بيته، ولأنه لا يستطيع البوح بشكل مباشر خشية من غضب سيده، فلجأ إلى تشفير اللغة لعرض الحالة المتأزمة.

فن الميدان noof-albriki@

ثمة فنون أخرى أنقرضت كفن “بن عبادي” الذي كان يُحيا في مناسبتين؛ في عيد الفطر، وعيد الأضحى. وكان فنّاً ذو قيمة إجتماعية عالية، فكانت النساء تحييه خصيصاً للعذارى، ما يسمح للشاب باختيار شريكة حياته من خلال التقدم لحلقة الرقص لطرح النقود والإطلاع على الفتاة عن قرب لبرهة أثناء أداء رقصتها المهيبة المتزنة، بينما يبقى الآخرون على مسافة بعيدة نسبيا. ظهر هذا الفن لاحقاً بمصاحبة الأغاني الخليجية، إذ تمسك الفتاة بطرفي ثوبها فتتمايل مع الأنغام، وتسير ببطئ على طول المسرح.

خالد الضنكي؛ أديب وتشكيلي عُماني

خاص مجلة قنآص

لوحة القناص خالد الضنكي_edited.jpg

لوحة القنّاص لـ خالد الضنكي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى