الفن الفوتوغرافي العراقي: الصورة والوقائع الحياتية | خضير الزيدي

الصورة: عدسة عبد الرزاق نعمة

تطبيقات في الفن الفوتوغرافي

(كل مشهد لا يريك الكثرة في العين الواحدة لا يعول عليه).. ابن عربي

لم تكن مقولة رولان بارت (نحن نحيا حياة الصورة) بعيدة عن إشارتها الثقافية والاجتماعية التي تظهر حقائق الحياة بواقع تبتعد فيه الألفة وتسوده الغرابة ولم تجلب معها قواعد التأويل وسعة الخيال إنما انطوت مقولته على بساطة في الكلام وتعريف لحقيقة الصورة والاتصال الذي تنهض به مع أهميتها السيميائية وتأثيرها في النفس الإنسانية ومن يتابع الفن الفوتوغرافي العراقي يعاين اهتماماً واسعاً بطابع الحكاية الشعبية والتراثية، وإذا توسعنا أكثر في فرز قيمة هذا الفن سنجد أنفسنا أمام تمثيل انثربولوجي معتمداً على الحكايات والروي، وستثري الصورة  في أنفسنا حنيناً لافتاً لندرك أهمية بقائها معلقة في الحائط او الوجدان معاً. فهل ثمة  تخطيط  للفن الفوتوغرافي في البقاء طويلاً بعد أن صعدت مواقع التواصل الاجتماعي  وتقنيات الاتصال الحديثة من حركتنا وأبعدتنا عن تأمل الطبيعة وهل ثمة رهان لأنه يستعيد لنا موضوعة الحكايات ومؤثرات الزمن وسلطة المكان أم ستتحول الصورة لشفرة تكثف الحقائق وحينها علينا أن نشخص الغرائب منها على وجه الدقة. صارت الصورة خلاصة الحكاية فهي تعرفنا بعلاقة الإنسان بمحيطه لكنها وجه آخر للرفاهية حينما تسجل وقائع البرجوازيين وتغرينا بالعاطفة وهي تدون وقائع الفقراء. من هنا علينا مكاشفتها وإخضاعها للتساؤل لماذا تدون النقائض والغرائب وتخضعنا كمتلقين لمرافقتها وتوثيقها؛ هل هي المعاينة الموغلة الراصد لحركتنا أم هي التعريف بالآخر لأدراك مشتركاتنا.

واقعية التعبير… في كاميرا عبد الرزاق نعمة

الفنان عبد الرزاق نعمة.. ابن ناحية الكفل المدينة العذبة الغافية على نهر الفرات جنوب محافظة بابل

في كتاب سوازن  سونتاغ ، (حول الفوتوغراف)، تستوقفنا الكثير من الآراء النقدية، والطروحات المعرفية، حيال عالم الفن الفوتوغرافي. واحدة من بين تلك الإيماءات التي بقيت في ذاكرتي تلك الإشارة التي وجدتها في متن الكتاب (تمنح الصور الفوتوغرافية استحواذاً متخيلاً لماض هو غير واقعي). قد يصح الكثير من التأكيد في مثل هذه المقولة على ما يبديه الفنان العراقي عبد الرزاق نعمة وهو يلتقط أدق تفاصيل الحياة المحلية وغالباً ما تحمل إشاراته الصورية مكامن المأساة واليوميات التي تعيد لأذهاننا قيم واقع مليء بالتناقض والغرائبية فمع الفقر ثمة نقيض له يكمن في الرفاهية ومع الجمال هناك واقع من القبح  المؤلم. وجراء هذه الثنائية الضدية ترصد كاميرا الفنان عبد الرزاق نعمة أشكالاً يومية بصياغة تعبيرية أقرب للوجدان الإنساني وكأنه يعطي الحركة أفضلية على التشكيل الصوري وينمي من تأثيرات الصورة وحساسيتها لتكون تسجيلاً وحدثاً قبل أن تصير توثيقاً لمجتمع أو عائلة أو بيئة محلية، فما الذي يود إبرازه لنا كمتذوقين لهذا الفن العريق؟ ما يميز خصائص هذا الفن أنه واقعي بحت لا توجد فيه ميول خارج إطار اليوميات لهذا تحتفظ الصورة بزمانها ووقائعها وعليه لا يمكن  لخيال المتلقي أن يتشتت ليراقب تعبير العمل الفني إنما يمنحه التأثير الذي يوفر له قيماً تضاف لأسس وجمال هذا الفن وعناصره المرئية. الفنان يرصد حركات مثالية اقرب للحفر في الذاكرة وهي ليست فضائح أو علامات من القبح بقدر ما هي استثمار وانفعال وجداني قوي ليؤكد بان موضوعاته ينبغي أن تكون صادقة في مدلولها التعبيري، وعليه يعمد لتنويع حالات الطفولة فنجد في صوره أطفال القرية بملابسهم الرثة وطريقة عملهم البدائية وكيفية معيشتهم وطبعاً هذا الإرث والتمسك به عائد لأن الفنان هو ابن ناحية الكفل المدينة العذبة الغافية على نهر الفرات جنوب محافظة بابل بـ 30 كم والتي استلهم كل تفاصيلها التاريخية والمعاصرة ولأن يسعى لإعلاء الصدق التعبيري في رسم ملامح فن جاد اكتسبه من أستاذه الأول مراد الداغستاني، فقد أهلته تلك العقلية النيرة التي يحملها والتعبير الجاد لأن يكتسب المكانة الأولى في مسابقات دولية للفن الفوتوغرافي مثلما حدث في مسابقة بارادايم السويد، مدينة مالمو (قتل فرداً فأحيى أمة) 2015 عن واحدة من أعماله الفوتوغرافية الجميلة، وأيضاً حصوله على الجائزة الذهبية في المعرض الحر الشامل للصورة الفوتوغرافية 2004 والجائزة الأولى في مسابقة التصوير الفوتوغرافي ضمن مهرجان حليف القرآن الرابع  2015، فكيف تحقق ذلك التمييز الجمالي والقدرة الإبداعية؟

تلتقط عدسة عبد الرزاق نعمة أدق تفاصيل الحياة المحلية وغالباً ما تحمل إشاراته الصورية مكامن المأساة واليوميات التي تعيد لأذهاننا قيم واقع مليء بالتناقض والغرائبية..

نشوة التصوير وحقائق الفن

لقد تدربت عينا الفنان على كيفية التقاط الصورة الحية وكلما اقتربتُ منه لأتساءل عن كيفية مهارته راح يذكرني بما  قاله الروائي الأمريكي إرنست همنغواي: من أن (الإنسان قد يتحطم ولكن لن ينهزم) لهذا السبب بقيت أجواء الحرمان والكبت والفقر أكثر حضوراً في أعماله، فلا نستغرب إذا رأينا صوره توثق طفلة ريفية تحمل أواني فوق رأسها وأخرى تنظر من وراء أسلاك بعين تملؤها الدهشة أو طفل يسحب عربة عليها أدغال وحشائش من بقايا ارض زراعية. إن شعورنا إزاء تلك الأعمال يفرض علينا أن نمعن النظر طويلاً في تركاتها الوجودية وملامحها اليومية فهي تملي علينا خيالاً بقبضة شديدة لا أحسبها من السهولة أن تخرج من ذاكرتنا لأنها شديدة الوثوق بالبيئة، تمتلك مكاناً ما عاد رمزياً ولا مُشبَّهاً إنما أصبح كياناً عالقاً في الشعور الذي يمت لواقعنا بصلة أكثر حفاظاً من عمل التصوير نفسه. لهذا تتركب الصورة عنده من مستويات وخاصية تختلف عن أقرانه الفوتوغرافيين، فغالباً ما يترك كاميرته لوقت طويل بانتظار لقطة رسَمَ لها في المخيلة ليصطادها في الواقع ولطالما أكد لي أن حساسيته التعبيرية لا تريد التشخيص الزاخر بالألوان أو الحركات العشوائية، إنما كيف تملي عليه الحالة الصورية الإحاطة بلقطة تثري الموضوع المراد توظيفه. لقد كان بوسعه أن يمضي طويلاً في إنتاج عشرات الأعمال الفنية ولكنه آثر أن يعطي عملاً ناضجاً من بيئته يجعلنا نتحسس إزاءه بمراقبة ذواتنا وواقعنا المؤلم.

عدسة حسين المليجي: إيحاء الصورة اليومية وطاقتها التعبيرية

عدسة حسين المليجي وثقت الاحتلال الأمريكي وطبيعة تحركاتهم وما خلفوه..

لا يقتصر حديثنا عن فنان واحد ثمة أسماء راسخة في مشهد الفن الفوتوغرافي حققت عبر منجزها مجالاً رحباً في التأثير واستمدت مقومات نجاحها من صدق التقاط الصور، واحد من بين أولئك المصورين الفنان حسين المليجي؛ إذ تتصف أغلب الأعمال التصويرية له بأنها استباقية، ويعود مرد استباقها لسببين أولهما أنها (لحظوية)، وثانيهما إنها تركز على لقطة من شأنها أن تذكرنا بوقائع مصيرية وحياة مشتركة، ومن بين الأعمال التي استهوتنا ما عمد لتوثيقه في زمن الاحتلال الأمريكي وطبيعة تحركاتهم وما خلفوه. ولعل احتفاءنا بهذا الفنان يأخذ مجاله من زوايا عدة، منها أن عدسته لم تزل تراقب المشهد الحياتي حتى في أوج لحظة يأسنا من وجودنا فماذا يريد من كل هذه المتاعب؟ تبدو حرفة التصوير عند هذا الفنان وكأنها وظيفة تكميلية يريد بها اكتساب هويته كانسان لا يكفيه من الوقت إلا التركيز على لحظة يترتب عليها العدم من الوجود وغالباً ما ترافقه لحظات للزمن مراهنة على الغاية وتأكيد النجاح لينتهي كل من يرى أعماله الفوتوغرافية بنظرة فاتنة مبيناً الوجود الحياتي  وانكسارات ملتقطة من العدم. وبإنجازه هذا يكون  المليجي قد أسس لصورة مفتوحة على بعدين اختارهما وهو مسكون بمساحة واسعة من التأمل وقدم لنا مواضيع ذات طابع غرائبي بعض الشيء، وهذا ما يجعل المتلقي يتقبل منجزه كرسالة إنسانية وجمالية لكن يبقى سؤالنا مطروحا: ما الغاية من كل هذه المصاعب؟

تركز عدسة المليجي على لقطة من شأنها أن تذكرنا بوقائع مصيرية وحياة مشتركة..

يكشف سياق الصورة الفنية والفوتوغرافية للفنان عن قدرة واسعة من سعة المغايرة والرؤية فهو يحاول جاهداً أن يترك لمسة تعبيرية لها مرجعيتها التاريخية في ذاكرة المكان والزمان وبنفس الوقت تمتلك دلالة إيحائية كونه يعالج وضمن رؤية واقعية حياة يومية تختلف عن المتخيل وباختلاف هذه الرؤية التصويرية تكون أعماله ذات جنس تذكيري وليس تمثيلي، وفي مثل هذه الحالة تنمو الصورة كأية أعشاب سريعة النمو تطفو على اليابسة حتى أن رؤية الجثة في واحدة من أعماله التصويرية تبدو وكأنها لا شيء مطروحة على الأرض وكأنها محض صدفة لموت مجاني يتخبطنا جميعاً دون معرفة العناوين ومدى استجابة قدرتنا لضمه إيانا. ما أعتقده أن قَدْراً واسعاً من التأمل في اليومي لطالما رافق هذا الفنان وتطويع الصورة حلم يراوده. أما عن مخيلته فيصعب الإحاطة بها لانفتاحها على سعة استدلال وقدرة لاستحضار المعنى المسبق لهذا تبقى عدسته عصية على التعريف أو الإمساك بأسرارها ووحداتها التعبيرية.

خاص مجلة قنآص

خضير الزيدي؛ باحث وناقد فني من العراق، صدر له كتاب “السائر في رؤياه.. حوارات مع ضياء العزاوي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى