فوتوتشكيلمرآة الضوء

المفارقة الجمالية في نحت سيدة خليل.. مدخل إلى الهوية التكنو-عضوية المعاصرة

راقصة البالية.. عمل فني يتجاوز التجسيد الشكلي ليصبح تأملاً في العلاقة بين القوة والنعومة، وبين التقييد والانطلاق، ليُعلن أن الأنوثة قوة واتزان وليست مجرد رقة

المفارقة الجمالية في نحت سيدة خليل

بقلم: د.إنجي عبد المنعم

تُمثّل أعمال الفنانة سيدة خليل، خاصة في مجموعتها «ورد البنات»، نقطة ارتكاز نقدية تُشرع الأبواب أمام حوار فلسفي عميق حول «أنطولوجيا المادة» في خضم العصر الحديث. فمشغل خليل يتسامى عن كونه حيزاً ميكانيكياً ليغدو «فضاءً فلسفياً» بامتياز، حيث يغدو المعدن، بصلابته الأبدية وخامته الصناعية، لغة بصرية تتبنى رموزاً عضوية تتسم بالهشاشة والديناميكية، مؤسسة بذلك تيار «الجمالية التكنو-عضوية» الذي يعمل على نحت وصياغة جديدة لمفاهيم الحرية والهوية في ظل هيمنة التكنولوجيا.

سيدة خليل
الفراشة.. لـ سيدة خليل

يتمحور الجوهر النقدي لتجربة خليل حول الجدلية المادية التي تخلقها من خلال التناقض البائن بين طبيعة الخامة وبين الشكل المتجسد؛ فالمعدن، الذي جرت العادة على استخدامه للإيحاء بالصرامة الهندسية، ينصهر في أعمالها ليتحول إلى كائنات حية، كالفراشة وراقصة الباليه. فالأولى، التي هي رمز التحوّل المتصل، تُصاغ من المعدن لتستعير صفة «الصلابة والديمومة»، مانحةً فكرة التغيير ثباتاً وجودياً وإنجازاً مادياً؛ وينبثق من هذا التناقض البصري بين أجنحة المعدن الشفيفة بفتحاتها الشبكية وثقل المادة الصناعية، رؤية فلسفية حول تفاعل الإنسان مع منظومة التكنولوجيا والطبيعة، حيث تُفهم الفراشة كتمثيل لعلاقة الذات بالتطور المادي مع ضرورة التناغم البيئي، فتحيل بذلك الهشاشة البيولوجية إلى قوة معدنية، لتصبح تأملاً في قدرة الوجود الإنساني على الصمود والتكيف أمام تحولات العصر. وبشكل موازٍ، يجسد تمثال الراقصة، وهي في ذروة وضعية «الأرابيسك»، قمة هذا التناقض الجمالي؛ فالرقص يرمز للرشاقة والخفة، بينما المعدن يُشير إلى القوة والصلابة، ليتمحور التكوين حول لحظة توازن دقيق بين الجهد المتطلب والجمال المنشود، حيث تساهم الخطوط الهندسية الصارمة والمجسمات المنحنية في التنورة التي تخترقها الفراغات في إحداث إحساس بالتحرر من قيود المادة، مؤكداً أن العمل الفني يتجاوز التجسيد الشكلي ليصبح تأملاً في العلاقة بين القوة والنعومة، وبين التقييد والانطلاق، ليُعلن أن الأنوثة قوة واتزان وليست مجرد رقة.

يتأكد هذا الاتجاه بانتماء أعمالها إلى المدرسة التجريدية التعبيرية التي تسخّر الخامات الصناعية لخدمة المفاهيم الرمزية، إذ يغدو استخدام خليل للأشكال المجردة والألوان الأحادية (كالأسود والأحمر) محفزاً للتأويل، ويتجلى ذلك بشكل خاص في العمل الذي يدمج الشكل الإنساني بـ «الهندسة المعمارية». إن هذا الدمج يُسقط العمل مباشرة في قلب نقاشات ما بعد الحداثة المتعلقة بصراع الإنسان أمام الحداثة، فالقفص الهندسي الذي يلتف حول جسد الراقصة الحمراء يرمز إلى الحدود الاجتماعية والنفسية التي تفرضها الحياة العصرية، ليتحول العمل إلى رمز للصراع الجوهري بين الحرية والقيود، دافعاً المشاهد للتساؤل عن دور النظام والهيكل في صياغة الهوية الإنسانية في العصر التكنولوجي، فتصبح هذه المنحوتات دعوة للتأمل في سبل مواجهة القيود الواقعية، وتحويل المادة الجامدة إلى تجربة جمالية وفلسفية عميقة تُحفز الخيال.

نحت.. سيدة خليل

ولا ينفصل مسار خليل الإبداعي عن الأصداء العالمية لرواد التعبيرية المعدنية، ففلسفتها تندرج ضمن تيار عالمي رائد تطور في استغلال المواد الصناعية للتعبير عن المفاهيم الوجودية؛ فمن النحات ديفيد سميث الذي استخدم اللحام المباشر للمعادن لإنشاء منحوتات عضوية تُحول المادة الصناعية إلى تعبير حركي معقد، إلى هنري مور الذي اهتم بالتجريد العضوي واستخدام الفراغات داخل الكتلة لإحداث حوار فلسفي بين الكتلة والفراغ، وصولاً إلى المعاصر مات ويلسون الذي يمثل امتداداً حديثاً للاتجاه التكنو-عضوي، مستخدماً أدوات مائدة معدنية مسترجعة لإنشاء أشكال حية، مما يؤكد على موضوع العلاقة بين الإنسان والبيئة والحفاظ على الموارد.

تُثبت سيدة خليل، بكونها أستاذة للنحت في كلية التربية الفنية، أن الريادة الفنية تكمن في تجاوز حدود الخامة والتقنية. فهي لم تكتفِ بتوظيف المعدن في نحت يتسامى على القواعد الكلاسيكية ليحتضن الجوانب الإنسانية بعيداً عن الأفكار النمطية فحسب، بل إنها امتدت بمسيرتها إلى أفق «الجمالية التكنو-عضوية» عبر استخدامها الرائد لضوء الليزر في فنونها منذ مطلع الألفية، لتكون بذلك أول من قدم تجربة مصرية في فن التصوير ثلاثي الأبعاد المعروف بـ«الهيلوجرافي». إن هذا الجمع بين التمكّن من النحت المادي والاحتفاء بالتقنيات البصرية الحديثة، يجعل من فنها فعلاً فلسفياً متكاملاً يمزج بين قوة المادة وصلابتها وبين الانطلاق والحرية الروحية في العصر الحديث، مؤكداً أن الفن هو الأداة الفاعلة لإعادة تشكيل فهمنا للحقيقة والجمال.

*****

د.إنجي عبد المنعم؛ فنانة تشكيلية وناقدة فنية مصرية

خاص قنّاص – فوتوتشكيل

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى