عين قناصفوتو تشكيل

جبران طرزي: التشكيلي والهندسي بين الوظائفي والجمالي | عاصم عبد الأمير

تحويل بنيوية التخاطب إلى شفرات تجريدية تتكامل بشروط التشكيل، دون أن نخسر معها هوية الرسام الذي يوغل عميقاً فيما تفترض الهندسية من حقائق جمالية كلية

جبران طرزي … التشكيلي والهندسي بين الوظائفي والجمالي

د. عاصم عبد الأمير يحاور تجربة الفنّان الراحل جبران طرزي: هو رسام يزاوج بين روح التراث ونزعة الحداثة، ويسمح لكليهما تبادل الأدوار لإحراز نجاحات بصرية تلعب فيها الروح الهندسية دوراً في استكمال عوالم الخلق الجمالي.

الصورة: الفنّان اللبناني الراحل جبران طرزي (الأرشيف العائلي)

1. تجانسات وتعارضات جبران طرزي

إذا كان قد قيل أن الجمال سمة بنيوية يتعذر عزلها عن الكينونة بافتراض أن ميزة كل خطاب ابداعي يتحدد في وظائفية الفن والخلق الجمالي دون المضاهاة، تبدو تجارب (جبران طرزي 1944 – 2010)، أنموذج في معنى إحراز نجاحات في ملاحقة أهداف البحث الرسومي متبوعاً بأثره الجمالي المستمد قواه البنائية من لغة محررة من شيئيتها، ما يهب الخطاب روحاً سرية تدمدم في الفضاء البصري وتلقي بحمولتها الغنائية على النسيج البنائي.

مبدع من طراز خاص إن شئت، ولديه المقدرة في تحويل بنيوية التخاطب إلى شفرات تجريدية تتكامل بشروط التشكيل، دون أن نخسر معها هوية الرسام الذي يوغل عميقاً فيما تفترض الهندسية من حقائق جمالية كلية، يبدو الجمال معها أكثر اكتمالاً مما تقوله العواطف المجردة، كان افلاطون من قبل قد تفاخر بالمهندسين وهم يهرعون لأكاديميته لأنهم لوحدوهم يدركوا مغزى حقائق الجمال.

رسوم جبران طرزي أنموذج فريد لمعنى التوازن الذاتي في رحاب عوالم التجريد الهندسي، وليست مصفوفاته التجريدية إلا تنويعاً على سيرورة الجمالي في ذروة تخطيه لما هو شيئي لمصالح نزعة محررة من مادتها لإشهار جوهر فعل الجمال حين يكون أمثولة تتقاذفها الوشائج السرية التي تؤديها ببراعة فرشاة رسام يعرف بالضبط ما الوجهة التي ينبغي السير باتجاهها.

هو رسام يزاوج بين روح التراث ونزعة الحداثة، ويسمح لكليهما تبادل الأدوار لإحراز نجاحات بصرية لا تعترضها حوائل، ما دام الأفق مفتوحاً على مصراعيه لأحلام فردية تلعب الروح الهندسية دوراً في استكمال عوالم الخلق الجمالي ، فهو ليس معنياً بمجاراة ما يرى ، وكل ما يعنيه أن يحذو حذو مزاجه الثقافي الذي يبقيه في رحاب الروح المشرقية من خلال سلسلة كشوفاته فيما يعرف بـ(القائم – النائم) واللعب المحاذي على الوحدات الهندسية ومنها المستطيل والمربع ، وقد أمضى عقد ونصف من الهيام والحرفية المقادة بروح رسام تشرب بحساسية الانتماء لما هو مشرقي ممثلاً بالشبكة الزخرفية ، والأرابسك المقاد بمهارة عارف يدير الأشكال الهندسية ببراعة لافتة ، فيما تستجيب الخامات المتاحة كالكارتون والخشب والمعادن والقماش … الخ لمنطقية التراكيب التي تسهم في تكريس مفاتن الصنيع الجمالي وتنوعاته الأخاذة.

كثيراً ما يهم الراحل جبران طرزي استعادة جوهر الجمال ، حين يصبح الخطاب البصري أكثر تمثلاً من لما هو غير متعين ، وإن العقلانية في التراكيب الزخرفية ليست أكثر من فرصة لتجريد المعقولات الجزئية ، والذهاب بها لعوالم قابلة على التمدد خارج الزمان والمكان ، هناك حين نتماهى بلا عوائق مع الجمال السامي الذي بمقدور الرسم التجريدي التلويح به بوصفه هدفاً يزيدنا تشبثاً بعالم صوري لا مادي ، ويبقى جذوة الجمال تفعل فعلها في ثنايا المصفوفات الزخرفية التي تخلق لوحدها جدلها الداخلي الخاص ، هي سمة تنفرد بها مشغولات الفنان بلا استثناء، سواء كانت ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد ، كما في صناديقه التراثية ، أو خزائنه التي تضج بجمال نسيجها الزخرفي ، واحتدام المتجاورات اللونية ، والايقاعات الزخرفية ، التي تشد بعضها البعض ضمن سياق الحفاظ على النسقية الأسلوبية وتماسكها الداخلي.

في سياق اللعبة البنائية يأخذ التسطيح حضوره البصري في نفي الحجومية ونشر الوحدات البصرية على مهاد السطح التصويري بكفاءة أدائية، وتضايف، وأناة ، فيما يلعب التكرار دوره في تكثيف الترابط البصري ، سواء أكان ذلك من خلال الاستثمار الأمثل للتكرار المتناوب ، أو المتغاير ، أو المتشابه .

وهو ما يخلف دمدمة وتوليدات بصرية مثيرة للناظر دع عنك استمرارية الجدل الداخلي الذي يكشف عن براعة استثمار التباينات اللونية، أو الهارموني مما يولد عصفاً بنيوياً متلاحقاً.

جبران طرزي في مرسمه بقرية بلونة اللبنانية (الأرشيف العائلي)

2. الوظائفي والجمالي عند جبران طزري

جبران طزري المصنف من الجيل الرابع من الحرفيين وتجار الآثار، لم يدع سانحة تمر دون أن يترك معها أثراً في إحداث تبادلية مثيرة بين ما هو حرفي وبين ما هو جمالي، فالحرفية في العادة ، ديدنها ميكانيكية الأداء الذي يحافظ على الاحترافية في نسقها التداولي دون الحاجة لما يخلفه الإتقان من تحديث يخرق ضرورات العادة، لكن شيء من هذا لا يرضي جبران طرزي المهووس في خلق تصاهر فيما بين المعنيين ، بحيث تضيف الحرفة ما يلزم لنزعة الفن، فيما يكون للفن شأن في تكثيف لحظة الشعور بالتماهي مع الحرفة، وعنده لا يمكن التفريق بين الفن والعمل الحرفي عندما ترسخ الحاجة للخروج عن الدروب الجاهزة، وحسب قوله أيضا : في النهاية فإن الحرفي المبدع افضل من الفنان الناسخ.

إن عقد وفاق فيما بين الحرفية والفن أمراً يبدو مثيراً لوحده سيما وأن مشروع الفن يفترض على الدوام العلو على الحرفة، أو لأقل تهذيبها لمصلحة حاجة الذات الملهمة المتطلعة لإحداث فارق على ما هو تقليدي ومتوقع، فالفن كبيئة تخيلية تجذب معه طاقة الأحاسيس والحدوس الغامضة ، وهي التي تهب العمل الجميل قيمته الرمزية بعيداً عن الوظائفية التي تعد شرطاً ملزماً لكل ما هو حرفي ويصب في الذوق السائد.

جبران طرزي، أنموذج لمعنى التصاهر بين الآليتين ، لاسيما وأن هدفه الأساس الحفاظ على النسيج الثقافي الذي تتركه بصماته المبدعة ، من خلال الترديدات البصرية والطاقة الحركية التي يودعها في وحداته الزخرفية وهي تكمل وجهتها البنائية بتظافر المجاورات الهندسية التي تخلف ورائها حقلاً من الشد البصري ، وقوة التجاذب ، مع تمدد الطاقة الداخلية  للأشكال المتوالدة التي يتآزر بعضها مع البعض الآخر في متواليات هندسية شديدة التجاذب.

وإذا ما عرفنا أن للفنون حاجات أساسية منها: الحاجة الرمزية والوظائفية والجمالية ، فإن قيمة الرسالة الجمالية تحددها الطبيعة البنيوية للمنجز الابداعي الذي يرجح هذه الحاجة أو تلك تبعاً ، للشاغل الثقافي ، والجذر التراثي والحضاري ، والمزاج الابداعي الذي يقرر الوجهة التي يراد للخطاب أن يتجه نحوها بلا يقينيات ، أو وثوقيات لا معنى لها.

والحرفية يلزمها وظائفية من نوع ما ، وهي التي تحقق المراد في الانجاز الفني ولكي لا يقيد العمل الفني بها ، يحدث أن تتخالط مع نزعة الاحساس الداخلي وضرورات التجديد ، مما يجعلها أكثر أهلية في التعريف بهوية المنجز مع صدقية اطلاقه في فضاء الاشهار ، وهذا ما يتضح جلياً في رسوم الفنان جبران طرزي الموصوفة بغزارة الانتاج ، ومسارها التجريدي التوليدي الذي يسمح بالمناورة العالية على الوحدات البصرية بمعونة الوسائط التقنية التي تدعم شروط التشكيل والسيرورة الجمالية ، والحوار المشترك بين الفنان والفضاءات البصرية المتاحة .

ثمة ما يقال بشأن أحداث موازنة حساسة بين ما هو ثقافي – وتراثي، وبين النزعة الذاتية المحافظة على الجذور المشرقية المتوازية من جهة، وبين الرغبة في احداث أنساق زخرفية تعتمد الإزاحة لما هو متداول من الوحدات الهندسية، التي دخلت في المناخ الجمالي العام للفنون الزخرفية، فهو كمبدع يهمه كثيراً الحفاظ على أصالة المنجز الذي تتلمذ على أفانينه في مشغل العائلة مسؤولاً عن التلوين للأثاث المشرقي التي تصنع من الخشب المزخرف للجدران والسقوف للديوان الدمشقي.

أن جبران طرزي وفي لجة مشاغله فيما بين الأدب والآثار والحرفيات، عالم الانتيكا … وصناعة الصناديق والمرايا، لم يضحِ بهويته الشخصية، وكشفت نتاجاته مجتمعة عن هوس فنان يعبر عن انتمائه لميراث عائلي أحبه، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من كيانه الفردي.

للفنان جبران طرزي صولات وجولات في دنيا التجريد، ومنها يوازن بين كيانه المحلي بالعالمي في مهمة شاقة ، لكنها الأكثر إغواءً في الظفر بأفانين الهندسة التي تعرض جمالياتها بمزيد من السخاء ، وسط تداعيات الموروث الثقافي المشرقي الذي تتراجع معه الميول نحو التجسيد، وتترفع وحداته الزخرفية عما هو مرئي ، والانغمار عميقاً في خفايا اللامرئي .

هناك حيث تتجلى الحقائق الكلية والجزئية، حيث يأخذ المربع بوصفه أباً للأشكال الهندسية وحين ينفخ من الداخل، يتخذ شكل دائرة ، ومنها تشتق الأشكال الهندسية الأخرى ، في إطار خلق عوالم محررة من شيئيتها ، أو عوالمها ثلاثية الأبعاد ، وسيكون لكاندنسكي وموندريان ، وماليفتش الأثر في تزعم تيار التجريدية الهندسية في سياق نزعة مثالية يستحيل الجمال معها إلى اللاغائية حسب وصف (إيمانوئيل كانت).

والوظائفية عند بران طرزي تؤمن مشروع الهوية، التي كافح طويلاً لأجل الحفاظ على مرتسماتها عبر الروح الحية التي تكشف لنا تلك النزعة التجريدية ، وهي تبث مفاتنها عن طريق الترديدات الشكلية التي تلاحق بعضها البعض في طراد جمالي لا يهدأ ، وتسهم في خلق مسافات جمالية تؤمن ما يكفي من أسباب الاندهاش.

إن شغف جبران طرزي بالتجريد يوفر لحظات اشراق لمتلقي فنه، وتصعيد لجماليات البيئة المشرقية والمدعمة بمرجعيات تراثية ودينية ، تجعل منها واحدة من أهم مظاهر الشخصية الحضارية التي تجهد لإيجاد وشائج حية بين الشرق والغرب ، من هنا ، نكتشف صدق وثراء الجهد الابداعي لهذا الفنان الذي يهمه الإقامة في الكينونة الوجودية لفنان مشرقي يدفع باتجاه زيادة مساحة الجمال والجدل مع ذات تتوافق مع فضاءها الثقافي ، وتؤمن ما يكفي من المتعة الأسلوبية بحيث تجعل من فنه متبوعاً لا تابعاً. 

***

جبران طرزي … التشكيلي والهندسي بين الوظائفي والجمالي، بقلم د. عاصم عبد الأمير

اقرأ أيضا: الوعي المغربي في أدب الكاتب والفنان المشرقي جبران طرزي؛ بقلم د. ديما حمدان

خاص قناص – فوتو تشكيل

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى