Site icon منصة قنّاص الثقافية

رواية كان ينبغي إخفاء كل شيء لـ جيروم كيكيريه 

جيروم كيكيريه

دار الريس للنشر، 2026

كان ينبغي إخفاء كل شيء لـ جيروم كيكيريه 

ترجمة عاطف الحاج سعيد

صدرت رواية «كان ينبغي إخفاء كلي شيء» للكاتب جيروم كيكيريه عن دار الريس للنشر في مايو 2026م، بترجمة الدكتور عاطف الحاج سعيد، حازت هذه الرواية على أرفع جائزة أدبية في لوكسمبورج في العام 2023م «جائزة سيرفاي». فيما يلي ترجمة لمقالين أدرجا ضمن الطبعة السادسة للرواية، يقدمان إضاءات حول أهمية هذه النص أدبيا وتاريخيا.

لا يولد المرء بريئاً | هنري فيهنكل – مؤرخ

جيروم كيكيريه وروايته كان ينبغي إخفاء كل شيء

لا أحد يعرف لماذا قرر جيروم كيكيريه، في أحد أيام يوليو 2003، أن يغادر مسقط رأسه في اللورين ويتوجه إلى الدوقية الكبرى. هل كان ذلك بدافع حبّ المغامرة؟ أم رغبة في اكتشاف العالم؟ أم مجرد بحث عن عمل؟ كان يمكنه أن يسلك طريق الجنوب، نحو ليون أو مرسيليا، أو أن يعبر جبال الفوج نحو ستراسبورج وألمانيا العميقة.

لكن كيكيريه توقّف في إيش-سور-أليزيت، ثاني أكبر مدن البلاد، مدينة حدودية ومدينة صناعية سابقة، مدينة بلا معالم، نشأت من العدم قبل ما يزيد قليلًا على قرن. كاتدرائياتها هي الأفران العالية المنطفئة، ولون بيوتها الرمادي يذكّر بماضيها المجيد. بُنيت المدينة على ضفاف نهر الألزيت، الذي غُطّي بصفائح من الإسمنت وحُوّل إلى مجرى للصرف الصحي. أجمل النزهات تتم عبر الأراضي الصناعية المهجورة، والمناجم المنهارة، وأكوام الخبث.

في إيش-سور-أليزيت اكتشف جيروم كيكيريه مهنته: الصحافة. عمل صحافيًا في الصحافة الفرنكوفونية ثم في ثاني أكبر صحيفة في البلاد، وهي جريدة كانت اشتراكية في الأصل، تميل اليوم على نحو غامض إلى اليسار. كان متخصصًا في الثقافة وأيضا في أخبار الجرائم والحوادث.

عند نهاية رحلته، جلس كيكيريه وسأل نفسه: أين أنا؟ من أنا؟ لا شيء أخطر من ملل أيام الأحد في عاصمة إقليمية. كان لا بدّ من ألّا يكرر خطأ كريستوفر كولومبوس، الذي ظنّ السكّان الأصليين كائنات مختلفة لا تشترك معنا في القيم، رجل لم يفهم شيئًا ودمّر كل شيء. كان عليه أن يبدأ حياة جديدة، وأن يفهم ما لا يمكن فهمه. مرّ أمام واجهات بيوت نوافذها مغلقة وأبوابها موصدة، وسط حشود صامتة. من تكون هذه الظلال الخاطفة التي تعبر طريق الغريب؟ ماذا يفعل كي ينفذ إلى هذا العالم، ليكشف معناه دون أن يفرض عليه حقيقته هو، أو عنفه؟

استغرق كيكيريه عشر سنوات ليُنجز كتابه. هل هو رواية؟ أم كتاب تاريخ؟ العنوان – «كان ينبغي إخفاء كل شيء» – يوحي بحكاية حلم. أمّا العنوان الفرعي – «قصة حقيقية عن جريمة قتل مزدوجة ارتُكبت في إيش-سور-أليزيت في نهاية صيف 1910» – فيوحي برواية بوليسية. لقد كانت هناك جريمة، وتحقيق، وتم العثور على قاتل. لكن التحقيق كان متخبّطًا، طويلًا، ورديئًا. وإذا كان الكتاب يشدّنا، فليس بدقة التحقيق، بل بالسياق وبالجوّ العام.

فلماذا يُصرّ كيكيريه إذًا على القول إن ما بين أيدينا قصة حقيقية، أي قابلة للتصديق؟ حقيقية إلى حدّ ما؟ ليست حقيقية تمامًا؟ لماذا هذا الهوس بـالحقيقة الحقيقية؟ هذا التطرّف في التمسك بالواقع وبالدليل التاريخي؟ لماذا هذا العمل الشاقّ الذي استغرق عشر سنوات لنبش الأرشيفات وجمع التفاصيل؟ ألم يكن أَولى به أن يستلقي تحت شجرة وينتظر الإلهام؟ أليس من حق المؤرّخ أن يحلم، أن يخترع، أن يتخيّل ما كان يمكن أن يكون، أن يملأ صمت الأرشيفات، ثغراتها وفجواتها؟ ألن تقوده رحلته إلى بلد متخيَّل، بلد حُلُميّ بشخصيات شبحيّة، بحثًا عن الزوايا المظلمة والكائنات الهامشية، وعن تجارب غير متوقعة؟

قد يكون سوء الفهم ناجمًا عن الرأي الذي ظلّ سائدًا طويلًا في لوكسمبورغ، والقائل إن التاريخ هو قبل كل شيء هو التاريخ الوطني، تاريخنا نحن أنفسنا. أليست أول مجلة تاريخية في البلاد قد حملت اسم (Ons Hémecht)، أي «وطننا»؟

كان لا بدّ من أن يُعطى هذا البلد تاريخًا، وأن يُمنح هذا الشعب روحًا. وكان ينبغي، إن لم تكن هذه القصة موجودة، أن تُختلَق، وأن تُدفع إلى أقصى أعماق الماضي كي يُبرهَن على أننا، نحن اللوكسمبورغيين، أبديّون، فريدون، غير قابلين للاستبدال، مختلفون عن سائر البلدان وسائر الشعوب، وأن لنا حقّ الوجود الجماعي وواجب صدّ كل من يريد أن ينتزع منا هذا الوجود المشترك ليحوّلنا إلى شيء آخر على صورته.

مثل هذا الهوس القومي الإطار الذي تُصاغ داخله كل ميادين الإنتاج التاريخي: من أنساب الدوقات الكبار، ورجال الدولة، والصناعيين والمصرفيين، إلى الكتيّبات التذكارية التي تُعدّ للنقابات وأرباب العمل والجمعيات والهيئات التجارية. وهذه النظرة التراثية إلى الماضي لها خاصية مشئومة: فهي تُضيّق أفق البحث ليقتصر على أفعال القادة وحدود المؤسسات. إنها رؤية هوياتية، هرمية، سلطوية، متمركزة إثنيًا، منغلقة على كل نشاز واختلاف. إنها تعيد إلى الجمهور صورةً عن نفسه، صورة مألوفة ومطمئنة، تعود به دائمًا إلى آلهة المدينة والقبيلة.

يتحدث كيكيريه عن الواقع نفسه، لكنه يقلب زاوية النظر. ينطلق من الميدان، من أسفل السلم، من مستوى الأرض، ويهتمّ بالوجوه التي يصادفها: زوجين مسنين من أصحاب الريع، صبيّ جزّار إيطالي، صاحب المقهى في الزاوية، درك الحي، أبناء الإخوة، المجرمين الصغار. تظهر شخصيات عامة قليلة هنا وهناك مصادفةً: المفوض ريس، الخياط شاّك–فيرت، المدعي العام ليش، الدكتور يورغ، مطوّر عقاري بلجيكي. يظهرون، يدورون دورة قصيرة في الحلبة، ثم يختفون. إنهم مجرد عناصر من الديكور.

كل هذا يبدو غير واقعي، غريبًا، شاذًا. نحن ندخل عالمًا آخر. إنها غطسة، انغماس في سرد بلا بداية ولا نهاية، حيث تسير كل الأشياء في طريقها الخاص، غير مبالية بالطريق الذي نودّ لها أن تسلكه. هذا الاغتراب، هذا الفقدان للمعالم، هذا التراخي في القبضة، أمر مقلق، ينذر بمصيبة. الأمكنة المألوفة تُرى من الخارج، والشخصيات المعروفة تتحول إلى ظلال، إلى أشباح. إنها ذاتية الموضوعي وموضوعية الذاتي. نرى النتائج: تعفّن الجهاز الشرطي، شبكات الدعارة، دوائر معلومات عالم الجريمة، الفوهة الهائلة لمصنع بيلفال قيد البناء، مسار الحدود لإيش-لا-موفاز عبر أودان-لو-تيش وفيلروب الفرنسية، الإكليروس بوصفه منتجًا للمخاوف والأوهام. إنه واحد من تلك الكوابيس التي يصعب الاستيقاظ منها، مع لحظات قصيرة من النشوة، مثل حفلات الغابة، والـشاريفاري، وهذه السرابات.

يعرف كيكيريه أن الظلال والأشباح والإشاعات جزء من الواقع، أن لها تاريخًا، وأنها تخيف وتدفع إلى الفرار. ويعرف أن على المؤرخ أن يُدخل في نظرة واحدة كل الممكنات، حتى تلك التي لم تتحقق. وأن عليه أن يتخلّى عن كل قصدية، عن كل غاية مسبقة، أن يفكك السرديات الجاهزة، أن يكون ضد القومية أو عابرًا للقوميات، وأن يستعيد الغموض والبراءة.

قرّر كيكيريه أن يفعل نقيض الصحافة تمامًا: ألّا يستجوب أحدًا، وألّا يثق إلا في الأرشيف، وأن يصبح صيّادًا وقنّاصًا، يترصّد الحيوان البري، ويتبع آثاره بخطوات مخملية.

لا يولد المرء بريئًا. يولد في مكان ما، محروسًا بأهله ومسنودًا بتوقعاتهم. تُنتزع البراءة عبر جهد منهجي من الاغتراب، والابتعاد، والتشكيك. لا وجود لـحقيقة حقّة إن لم نُهزّ الوثائق ليتساقط عنها الغبار، وإن لم نستجوب الشهود، ونخترق النيات واستراتيجياتها وأكاذيبها، وإن لم نسر عكس تيار التوقعات والأعراف والبديهيات. نحن على طريق خطِر، زَلِق، قاسٍ.

كان هناك زمنٌ كانت للأرشيف أبواب متعددة للدخول. كان بالإمكان الاطلاع على السوابق القضائية، وبطاقات الضرائب، وتصريحات أضرار الحرب. ثم جاءت حقبة الإصلاحات الكبرى الهادفة إلى منع إساءة استعمال الحرية، وانتهاك الحياة الخاصة لمواطنينا، والإضرار بسمعة العائلات وبسرّية الشركات. تراكمت العوائق، وطالت المهل. صار لزامًا طلب كل أنواع الإذن من الأبناء والأحفاد وأبناء العم وسائر ذوي الحقوق، وسُوِّدت الأسماء، وكان ينبغي التصريح مسبقًا عمّا نريد العثور عليه والتعهد بعدم ذكر الأسماء. صار المؤرخ عدوًا، وصارت الأرشيفات قلعة لا يجوز أن يخرج منها شيء.

لكن تقييد الوصول إلى الأرشيف أتى بنتيجة معاكسة للغاية المرجوّة. اندفع المؤرخون إلى البحث عن مصادر أخرى، وإشكالات أخرى، ومناهج أخرى. ودّعوا التاريخ القديم. ومدرّسو التاريخ، في مواجهة صفوف تزداد اختلاطًا يومًا بعد يوم، عاشوا منذ زمن بعيد، في الميدان، أفول السرديات الكبرى. اختبرنا فقدانها لقيمتها. كان لا بدّ من إيجاد لغة جديدة، لغة مشتركة، وتجارب غير مسبوقة، وذاكرة جماعية متجددة.

لم يكن المطلوب إضافة تواريخ وطنية أخرى إلى تاريخنا، بل مقاربة الواقع التاريخي من الطرف الآخر للمنظار: كتابة تاريخ للشعوب المتحركة، تاريخ للهجرات والامتزاجات، تاريخ عالمي للوكسمبورغ. كانت المصادر البديلة موجودة — وقد أثبت كيكيريه ذلك — إن لم نكتفِ بالملفات المربوطة والمصنّفة لدى الإدارات. كان ينبغي تعقّب أرشيفات الشخصيات العامة الخاصة، والنزول في السلم الوظيفي، والتنقيب في أدراج المرؤوسين، واقتحام الأقبية والعلّيات، وكشف ألبومات الصور ودفاتر البطاقات البريدية، والعثور على المراسلين، والأعداء، والخونة. ألّا نصدّق أحدًا على كلامه، وأن نلتفّ على الأبطال ونبغض العظماء.

على المؤرخين أن يتعلّموا من جديد العصيان. لقد آن الأوان أن نخرج من فقاعتنا ونستعيد العالم. حين طرق كيكيريه بابنا كنّا ننتظره. جاء في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب. أرانا طريقًا. ونحن ننتظر كتابه المقبل لنعرف إلى أين سيقودنا بعد.

ما الجريمة؟ | فيليب ارتيير

فيليب ارتيير: باحث في التاريخ (المركز الوطني للبحث العلمي، باريس)

يلاحق هذا السؤال العقول منذ القرن الثامن عشر، ويستنهض عدداً كبيراً من العلماء ومعارف شتى، بعضها بالغ الجدية وبعضها بالغ الغرابة أيضاً. فمن نظريات فلاسفة الفراسة (الفِرِنولوجيا) الذين يقرؤون على الجماجم خطورة هذا الفرد أو ذاك، إلى انثروبولوجيي الجريمة الذين يرون في مرتكبي أبشع جرائم القتل أشكالاً من الارتداد الوراثي، ومن الأطباء الشرعيين الذين يجمعون مجموعات من الوشوم والكتابات الجدارية لإختراق عوالم القاع، إلى عملاء الشرطة العلمية شديدي الجدية الذين يرفعون البصمات والبقع، مروراً بخبراء الطب النفسي الذين يراقبون القتلة ويستجوبونهم — كثيرون هم الذين يحاولون قول الحقيقة عن الفعل الإجرامي وعن فاعله.

أما جيروم كيكيريه، فيحاول أن يضيء الجريمة بالكلمات، عبر السرد، جريمة بعينها تحمل كل سمات اللغز: مقتل زوجين، كايزر–باولوس، في إيش-سور-اليزيت، عاصمة الاقليم المنجمي في دوقية لوكسمبورغ الكبرى، في 14 سبتمبر 1910. الكتاب الذي سيقرأ كان يمكن أن يكون كتاب مؤرخ ينطوي على سرد يمتنع عن إعادة النظر في القضية أو اصدار حكم جديد، ويجمع بأقصى عناية أدق القرائن، وجميع الآثار والأرشيف. فإذا كان بعض المؤرخين يرون أن مهمتهم هي «تشييء» الوقائع — أي تدوين ما حدث — فإن آخرين يرون في هذه الرواسب من الذاكرة وسيلة لفهم لماذا وكيف إرتكب هذا الفعل، وعلى يد من، وبأي منطق صُنِّف جريمة. وقد تكشف الجريمة أيضاً تاريخاً لمتخيلات اجتماعية — متخيل باريس بين الحربين كما حللته آن-ايمانويل ديمارتيني، أو جنيف ثمانينيات القرن التاسع عشر كما درسها ميشيل بورّيه. وكان في وسع جيروم كيكيريه أن يسلك هذا المسار، فيما يخص دوقية لوكسمبورغ الكبرى مطلع القرن العشرين، وأن ينجز تاريخاً حساساً لتلك الجماعة انطلاقاً من الجريمة التي شكلت مسرحها. لقد أجرى تحقيقاً بالغ العمق في الإرشيف، من دون أن يهمل أي تفصيل، ملقياً في الوقت نفسه نظرة نقدية على الوثائق، التي يدرج نسخ كثير منها في الكتاب. وكان يمكنه أيضاً أن يتحول إلى محقق، بأن يعيد فتح الملف على طريقة الصحافة الاستقصائية، ومن ثم  تركيب كل مراحل التحقيق، وعرضها في سرد موحد يميز بين ماهو صحيح وزائف. وكان يمكنه أن يعتمد تلك الكتابة التي تفرض سلطتها.

لكن مؤلف «كان ينبغي إخفاء كل شيء» يستخدم كلمات أخرى، أشد قلقاً من كلمات المؤرخ والصحافي. أنه يبتكر شكلاً هشاً، لا لصنع أدب، بل سعياً الى الإحاطة بما يتبدى سريعاً بوصفه حدثاً اجتماعياً كبيراً. يدخل جيروم كيكيريه إلى الكتابة كما يدخل المرء نفقاً. تصبح قضية كايزر–باولوس هاجسه. ومع تقدم الكتاب، وكأنها تطرأ في اللحظة نفسها على المؤلف والقارئ، تبدأ المشاهد في الظهور. ولا شك أن هذا الإيقاع الفريد الذي يبتكره كيكيريه في رواية القضية هو ما يمنح سرده تلك النبرة الخاصة جداً. يمكن أن نتخيل في مكتبته كتاب «بدم بارد» لترومان كابوتي، وأنه تأثر بــ «الخصم» لايمانويل كارير، كما أنه تابع، في وقت قريب، فلورنس أوبينا وهي تبحث عن «مجهول البريد».

لقد إختار أن يكتب في شذرات قصيرة — أو هل إختار فعلاً؟ ففي الحقيقة، المؤلف، والبطل، ذلك الذي يقول «أنا» في مطلع هذا الكتاب، قد اختطفته الحكاية: جرفته، حرفياً. لذلك تبدأ الصفحات التالية بلغة متماسكة تحب السرد والحكي، ثم، عند الشذرة الخامسة، مع ظهور الصور الفوتوغرافية لضحايا الجريمة، ينقلب السرد. يندفع بعنف. تمر أمام أعيننا، كما في شاشة سينما عريضة، صالة عرض لوجوه المشتبه فيهم… وسرعان ما تتلاحق الشذرات في مونتاج حقيقي يجرف القارئ معه. نركض في الشوارع، ندخل مؤسسة، نسمع شخصية عامة، نقرأ مقالاً في الصحيفة المحلية. وأحياناً يُهَدئ جيروم كيكيريه الإيقاع بفتح باب مجاور، مانحاً استراحة.
ثم تطل صورة جديدة، فوتوغرافية؛ لا تزين ولا تشرح، بل تشارك في بناء السرد نفسه. يرتب المؤلف الشظايا المختلفة، ولا يتوحد السرد، بل يظل مفخخاً بانقلابات درامية، كان جيروم كيكيريه أدرك أن ما يلي جريمة قتل — مثلما يحدث مع الزلازل — هو دائماً سلسلة من الهزات الارتدادية. هنا في البلدية، وهناك داخل المجموعات الاشتراكية، وقليلاً قبل أو بعد ذلك لدى الكاثوليك… من شذرة إلى أخرى، تحدث الجريمة أثراً، تنتج، تقسم، تعارض، وقبل كل شيء تكشف. إذ تضع كل المجتمع اللوكسمبورغي على المحك. تجتاح الدوقية الكبرى موجة من كراهية الأجانب. لا بد أن يكون القاتل أجنبياً: أليست مناجم الحديد تجذب عدداً كبيراً من العمال الوافدين؟ عاملان نمساويان يصبحان المشتبه فيهما الرئيسيين.

وإذا كانت الكتابة بالشذرات بالغة الصواب، فلأن التحقيق نفسه لا يكف عن التأتأة والبحث عن كلماته: بعد ستة أشهر من جريمة القتل المزدوجة، لا يبقى أي خيط جدي. ينفتح التحقيق، يعبر حدود لوكسمبورغ ليصل إلى الجزائر الاستعمارية، ثم يعود إلى الراينلاند وويستفاليا المجاورتين. وبعد ذلك يتدخل التاريخ الكبير لتزيد الطين بلة: تجتاح الجيوش الألمانية الدوقية الكبرى وتحتلها، فتهمش قضية كايزر–باولوس من جديد.

لكن جيروم كيكيريه يصر دائماً. يلتف، ويفرض على نفسه محطات توقف ليعيد بأفضل ما يمكن صورة الحياة في وادي الإلزيت في السنوات الأولى من الحرب الكبرى. يتقدم المؤلف رغم كل العوائق. يظهر مشتبه به جديد، وليس بالهين… ولن نقول أكثر، لأن قضية إيش تكشف، مرة أخرى، المجتمع اللوكسمبورغي على حقيقته. بعزم لا يلين، ومن دون إغفال إي عنصر، ترسم الصفحات التالية لوحة كاملة ومفتنة لهذا المجتمع وللنزاعات التي تعبره. وباستخدام هذه الرؤية الكاليدوسكوبية، يبرهن سرد جيروم كيكيريه أن فهم هذا القتل الغامض لزوجين من التجار، أبعد من إعترافات مرتكب الجريمة، يقتضي فحص جميع أبعاد هذه الجماعة، حاضرها وماضيها — اي، في النهاية، تاريخها وذاكرتها.

*****

الروائي والمترجم السوداني د. عاطف الحاج سعيد

جيروم كيكيريه

خاص قنّاص – أحبار الترجمان

طالع التالي

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات