جسدُ السردنصوص

أربع قصص قصيرة | فراس سليمان

قصص من مجموعة (حياة طارئة) الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط في ميلانو

أربع قصص من مجموعة (حياة طارئة) لـِ فراس سليمان الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط في ميلانو

لمبة

العجوز على الشرفة يذوب رويداً رويداً في كرسيّه الهزاز، يتذكر أشياء كثيرة، والأهم أنه يجب أن يغيّر لمبة الحمّام المحروقة منذ أسبوع، فاليوم سيصل ابنه.
يتجه إلى الحمّام، يضع كرسياً، يقف عليه، يتزحلق، يسقط، يتهشم رأسه على طرف المغسلة. يموت.
مساءً. يصل الابن، و كي يحمل جثة أبيه خارجاً، كان من الضروري أن يغيّر اللمبة.

باب مفتوح

سمعت صوتاً يندهني، هه بني:

بيتي ليس بعيداَ. هل تساعدني في حمل  هذه الأكياس. أجبتُ :طبعاً. أعنته في حملها،  بعد أن وصلنا طلب مني أن أدخلها إلى المطبخ.

-اسمع بني، يبدو أنك شاب طيب. أنا مرهق ووحيد ومريض وضجر، ليس لدي الشجاعة لأنهي حياتي، حاولت مرات كثيرة ولم أستطع، أحتاج إلى مساعدة أحد ما. كل شيء مرتب، وصيتي موقّعة مع شرح واف لمسؤوليتي. هنا مسدس كاتم للصوت ومبلغ في الظرف لقاءَ خدمتك. إن وافقت ستكون قد قدّمت لي خدمة عظيمة .

فكرت بأن أقول له كم من العبث الإقدام على فعل كهذا. ولكن بينما أنا أستمع إلى ما يقوله بصوت بطيء مرتجف، خطر لي أنه من الأفضل أن أستجيب بطريقة مختلفة. ألقيت بجسدي على الكنبة وأخذت نفساً عميقاً. بدأ العجوز  يفقد صبره، قال بني  لستَ مجبراً، أجب بنعم أو لا. قلت: انظرْ أيها السيد، أفهمك تماماً، وليس لدي مشكلة في إنقاذك برصاصة واحدة. لكن قبل أن أقوم بذلك. أود سؤالك إذا كان لديك مسدس آخر. مندهشاً أجاب العجوز: نعم ،أظن أن لدي واحداً آخر، لكن لماذا؟ قلتُ: لدي فكرة. ببساطة أنا أقتلك وأنت تقتلني في نفس اللحظة. حياتي أيضاً خالية من أي معنى، ومنذ وقت طويل وأنا أفكر بإنهاء حياتي لكن لا أعرف كيف. العجوز لم يتردد وعلى الفور. لا لا لا لا… بني. أنت مازلت فتياً والحياة أمامك. قلت: خذ وقتك وفكّر بالعرض، وسأعود لأراك بعد أسبوع تماماً، وفي نفس الوقت ،الثلاثاء القادم. وغادرتُ.

عدتُ بعد أسبوع في الموعد المحدد، طرقتُ الباب مرات ومرات وبقوة، ليس من رد. أدرت أكرة الباب ودخلتُ، عاينتُ البيتَ كله لم أر أحداً، وجدت ورقة على الطاولة مكتوباً عليها بخط كبير ومرتجف: (تركتُ لك الباب مفتوحاً)

 حارس التمثال

طُردَ، وجدَ نفسه في ساحة عامة، يجلس تحت تمثالِ لأسدٍ ضخم. كان متعباً نعساً جائعاً. فجأة ظهر رجل، قال قمْ ياقمامة وانقلعْ من هنا، إنك تلوث قدمي الأسد العظيم. الفتى أشبه بخرقة، بكومة عظام خرجت من تابوت. حاول أن ينهض لم يقوَ، صفعهُ الرجلُ حارسُ التمثال. سقطتْ الكومةُ عظماتٍ متفرقةً في مساحة مترين مربعين. كان يجب تنظيف المكان على وجه السرعة. الحشد خارج  محيط التمثال المسور يتفرج ويصوّر، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب. كنت واحداً منهم. لم أفهم كيف تشجعت وركضتُ قافزاً فوق سلاسل السور لألملم عظام ذاك الكائن. فعلت ذلك بسرعة وسطَ ذهول الجميع وركضتُ. ركضت. وورائي قطيع بكاميرات تلفوناتهم المحمولة يتبعني. سقطتْ أكثر من عظمة في الطريق. كنت حزيناً أكثر مني خائفاً أركض وأفكر كيف لي أن أعيد تشكيل هذه العظام. لكن وبعد دقائق قصيرة طويييييلة بدأ إطلاق الرصاص عليّ. أُصبت وقُتلت. والراوي الذي بدأ في سرد ما حدث منعه الرعب من أن يكمل القصة.

حب

قررت العجوز أن تسمّي الأدوية الكثيرة على الطاولة الصغيرة قرب سريرها بأسماء أقاربها وأصدقائها الذين ماتوا، يومياً تتناول ملعقة من هذا وحبّةً من تلك، أمس حدّقتْ طويلاً بالعلبة التي عليها اسم زوجها. ثم تجرّعتها كلها موقنة أن أحداً لن يستطيع إيقاظها.

***

قصص من مجموعة (حياة طارئة) لـِ فراس سليمان الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط في ميلانو

فراس سليمان: شاعر وكاتب سوري. ولد في طرطوس سوريا 1969 يقيم الآن في نيويورك. صدر له بالعربية: (رصيف) شعر 1992، (هوامش) شعر 1994، (الأشعث والرجل الضئيل قصص) 1996، (نافذة زرقاء) شعر 1999، (على الحافة وفي الخطوة المقلوبة ) 2000 نص مفتوح، (امرأة مرآتها صياد أعزل) شعر 2005، (نسيان) شعر 2007، (نهايات معطلة) 2016 شذرات، (كأن اسمي إشارة خاطئة) 2018 نصوص، (أخيراً وصلوا لكن في توابيت) شعر2019، (أرفع فكرة القبة مترين) 2021 مختارات شعرية، (خادم أشباح) نصوص 2021، (حياة طارئة) قصص 2023.

قنّاص – جسد السرد

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى