حياة متوسطية و عندما تكون في بلاد ماركيز | أنور محمد

أمجد ناصر بين آلهة الرعب وعبيد السعادة

من مفهوم الإحساس بالجمال، وعظمة الفنون والآداب في تجسيدها لحياة الإنسان وتناقضاتها، يسرد الشاعر أمجد ناصر 1955- 2019، في كتابه “حياة متوسطية… وعندما تكون في بلاد ماركيز” الصادر عن وزارة الثقافة الأردنية 2019، والذي كان قد صدرَ عن مطبوعات مجلة دبي الثقافية عام 2012 المحتجبة، سيرةَ رحلاتٍ وأسفارٍ قام بها إلى بعض دول حوض البحر الأبيض المتوسط، وبلدان أمريكا الجنوبية، وخاصة بلد غابرييل غارثيا ماركيز أبو “مائة عام من العزلة”. إذ يبدأ رحلته من إيطاليا ومن مدينة “أمالفي” حتى يصل إلى كولومبيا ويختمها في بلدة ” بابلو أسكوبار”.

أمجد ناصر يكتب عن رحلاته التي قام فيها بنشاطات ثقافية دُعي إليها في هذه البلدان، كمن يكتشفُ- يكشفُ عن التاريخ الروحي للناس، بوصفهم مخلوقاتٍ عقلانية وليس مخلوقاتٍ بدائية، تتحكَّمُ غرائزهم في سير أعمالهم. فها هم من إيطاليا إلى كولومبيا قد عمَّروا، أشادوا عمارةً وضعوا فيها أفكارهم، ومبادئهم، ورغباتهم المادية والروحية. طبعاً أمجد في رحلاته لا يصوِّر الجوانب المرعبة من الحياة؛ حياة الناس، مصائب ورزايا وبلايا. بل يصوِّر شهوتهم إلى الحياة، وبعضاً من صراع الإنسان مع مصيره. بالتأكيد لا يكتب عن ما هو خارق، بل عن العادي من تصرفات الناس وطباعهم. هو لا يكتب مسرحية، ولكنَّها أحداث، سلوكيات، صورٌ لمشاهداته، لإقامة الناس في (الوجود). طُرق معاشهم وكيف يتعاملون مع الحاضر؛ ما يسقط وما يظل، وكيف يجري إلى المستقبل.

أمجد ناصر يتلمَّس الفعل الإنساني كانَ نزاعاً أو صراعاً، يتلمَّس في كتاب رحلاته نشاطاتٍ لم تكتمل، فكلُّ الأفعال تعود وتتكرَّر، ليبدأ من جديدٍ الهروب ُ والغيابُ والاحتجاب، ثمَّ يتمُّ القبض والتحكُّمُ في الأفعال. فنكتشفُ توحده الإنساني، فتراه في حالة نشوة، في غبطة، في حقيقة؛ في شوقٍ يلغي المسافة بينه وبين الآخر. فنرى الفكر- أفكاره وقد صارت شعراً. أمجد وهو يكتب عن رحلاته؛ عن الأمكنة والناس يفصلُ ويصلُ بين زمنين ورؤيتين، قبل أَنْ وبعد أَنْ. فالصورة التي يراها في كينونتها الآن هي (المعنى) الذي كان يثير شوقه ليصل إليه. هو المجهول الذي صار عِلْماً. فالحياة تَنْوَجِد بفضل وجود ذاك الفعل، ذاك المدى الروحي، فيتحدَّث عنها كيف تَبْسطُ قوَّتها التي هي من قوَّة روح الإنسان وإرادته، وكيف نُنْفِقُ طاقتها ونحن نُبذِّرُها، أو ونحنُ نقومُ بممارسة تلك النشاطات الجمالية فنبني ونشيدُ عوالمنا المدنية، مندفعين ومتدفقين كينابيع تنشر الخير والفرح والسعادة؛ وبتلك الروح، بذاك الجدل النقضي للولادة والاستمرار، فاللحظة التي يكتب عنها أمجد هي اللحظة الوجودية سواءً السلبية أو الإيجابية.

ربَّما لم يتحدَّث عن ذاك التفاصل الجذري بين العلم والفلسفة عند الناس في مشاهداته، ولكنَّه كان يروي عن حضور المسألة الإنسانية بين المعرفتين العلمية والفلسفية؛ وبعفوية الشاعر. لم يتحدَّث عن الأديان ولا عن السياسة والاجتماع والاقتصاد والتاريخ. بل تحدَّث عن عقلٍ وسلوكٍ جمعي للبشر، وبشيءٍ من حَذَرْ، وبوعيٍ سؤالي واستفهامي. فهو كالمكتشف والمستكشف، يبحث في مشروع المعرفة الإنسانية، فالحياة من أجل الإنسان، وبأنا وجودية؛ إِنْ مَسكَتْ بالحجر فليسَ لتضربَ أو ترمي بها عابراً أو عصفوراً أو ثمرةً. بل لتصنعَ، تنحتَ منها جَمَلاً، شمساً، قمراً. فتخلق منها شيئاً يُثيرُ وينشرُ الفرح والجمال، وليس الحزن والقباحة.

أمجد ناصر في “حياة متوسطية…وعندما تكون في بلاد ماركيز” يفتِّشُ عن حيوية، عن رشاقة الناس في المُدن التي زارها، رشاقتهم الجسدية والعقلية، فنشوف بعض التراجيديا فيما يصفُ ويُنشئُ، شاعراً وناقداً، لأنَّه في جانبٍ ممَّا يرويه يتحدَّث عن الشقاء، شقاء الإنسان في مكابداته الحياتية، وشيئاً عن الانقلابات التي تسبِّب له الألم، ولكن وهو مُعجبٌ بقوَّة وشجاعة الإنسان الذي يتمسَّك بالأمل. بذاك الجسر العلائقي بين (الأنا) والحياة حتى لانذبل؛ تذبلَ روحنا، فنستسلم للألم والموت. فالناس الطيبون والرائعون كما يصفهم ويمرُّ عليهم أمجد في البلدان التي زارها هُمُ قلَّةٌ؛ قليلون، وهو يتحدَّث عن غابرييل ماركيز- هذا العالي، هذا الذي كتبَ تراجيديا فيها غنى الطِباع وغنى الأفعال عند البشر قويِّهم وضعيفهم، وبتخطيطٍ هندسي شرَّحَ وشَرَحَ فيه كيف أنَّ الأشرار هُم مَنْ يُسيِّرون الناس وليس يمتلكونهم، وأنَّ معاناتهم العظيمة في الدفاع عن الجمال/ الخير هي مصدرُ ونبعُ الحريَّة. فالتأثير الجمالي لماركيز هو أنَّه أثار انفعالاتنا وأفكارنا ومن (كيسنا)، من أساطيرنا وعوالمنا التي لا تنام إلاَّ على وقائع القتل والاختفاء والتصفية.

ليس مُترحلاً، ولا مبثوثاً، ولا منتثراً. بل شاعر يكتب عن اليومي الذي أثار خياله وأفكاره، فيرسم مساحاتٍ من الوعي بالمكان الذي يحلُّ فيه، مكانٌ ينبسط أمامه أديماً أرضياً، فيتأمَّل في المواضِع التي تقيمُ فيها هذه الكائنات الإنسانية، فتراه يرى ما رآه في بلاده العربية؛ كأنَّ المكان هاجرَ من مكانٍ إلى مكان، وبتنسيقٍ مُتعدِّد وربَّما مُتكرِّر: غادرَ وهاجرَ ورحلَ، ولا ثباتَ ولا استقرار. هل تُهاجرُ الأراضي؟

هل تهاجرُ الدوائرُ والمستطيلات والمربَّعات، هل تهاجر الخطوط المستقيمة والحلزونية والمتوازية والمنحنية. المُنحنية؟ أمجد ناصر وقد فَارَقَنَا، ونكتبُ عن ما تركه من أثرٍ فينا إنْ في شعره ونثره، وبغضِّ النظر عن اختلاف واتفاق وُجْهات النظر والآراء معه، فهو كان يسمو إلى مستوى الأفكار والأفعال الأزلية؛ فالحريَّة ثمَّ الحريَّة للإنسان مهما كان الصراعُ محتدماً بين الجسد والروح، بين الأعصاب الباردة والمشاعر الملتهبة، بين آلهة الرعب وعبيد السعادة، فهو ليس مع الملك “لير” حين أساء الظنَّ بابنته، وليس مع “عطيل” حين اتخذَّ من ياغو نديماً له، وليس مع “قيصر” حين يُحبُّ ويُحبُّ ويثقُ ب (بروتس) الذي يقتله؛ الذي قتله.

خاص مجلة قَنّآص

أنور محمد؛ ناقد سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى