حُلم بينَ الأرض والسماء | هاتف جنابي

حياتي عبارة عن ترحال بين أمكنة لم أختَرْها ولم أستقر فيها طويلا، باستثناء مدينة وارسو ومرحلة النشأة الأولى! ولو طُلب منّي أن أعمل جَرْدا بفترة الإقامة في كل منها لقلتُ: في القرية (11 سنة- الولادة والنشأة الأولى، خمس سنوات في المدرسة الابتدائية)، في النجف (6 سنوات- من السادس ابتدائي حتى نهاية المرحلة الإعدادية مع عودات متفرقة)، في بغداد (أربع سنوات- دراسة جامعية)، في الزبير (تسعة أشهر- خدمة عسكرية)، في كركوك (ثلاث سنوات- في التدريس)، في وودج (تسعة أشهر- تعلّم اللغة البولندية)، وارسو (33 سنة- دراسة وإقامة وعمل أكاديمي)، تيزي- وزو (3 سنوات تقريبا- عمل أكاديمي)، بلومنغتن-إنديانا(سنة واحدة- أستاذ باحث زائر)، والسنوات السبع الأخيرة تتقاسمها كل من وارسو وبرمنغهام. وعليه فإذا قلتُ: إنني لا أنتمي إلى أي مدينة عراقية خارج انتمائي الوطني العراقي الكلي، فلن أكون مبالغا. أما بقية الأماكن فتحضر في شعري عبر نصوص من قبيل سلسلة قصائدي “ملائكة الرحمة” وسواها ويمكن تسميتها بالأميركية، أو قصائد “بالحبر الصيني” التي كتبت أثناء زيارتي لثلاث مدن صينية بدعوة من الجانب الصيني.

الأماكن المذكورة أعلاه حاضرة في شعري كلٌّ بمقدار: القرية تحت عنوان الطفولة – البراءة والطبيعة ومشتقاتها (مثلا في فصل “كتاب العائلة”، رغبة بين غيمتين، بيروت 2009)، والنجف بطقوسها وطبولها وتناقضاتها وموقعها على حافة الصحراء ونفاق الطبقة الثيوقراطية. في قصيدة “وصف أوّلي لمدينة الأضرحة”: ” لن أمرّ بأيواناتها الموشومة بالتنهدات (…)/أشكّ أنني سأمرّ بها حيث الأكفانُ تلعق أضلاعَ البيوت/ والدليل الأخير قد كنسته عاصفة الصحراء/أشكّ أنني سأمرّ عليها/ وإذا ما مررتُ فلِكوني حاملا/مثل شبيهي الشاعر الجاهلي/ وصيتي في يميني”(1992).

هناك فصل في شعري بعنوان: من أوراق المدن، مثلا، كركوك وبرمنغهام، ودمون الأسطورية. في قصيدة “بورتريه”(بثلاثة أجزاء، ديوان: وليمة الأسماك) كتبت في الجزء الثالث: “وُلدتُ في الريف لكني نشأتُ على وقع المواكب والطبول/ بين التشبّث بالغيب والتعلل بالجنون/ كان النهرُ يغسل أدرانَنا، يوقظ الذعرَ أحيانا/ ويُبقي على مجراه فردا/كمحراثٍ يغور عُمقا ليرتدّ إلى ذاته”. صورتان وعالمان- فضاءان مختلفان ومتناقضان.

يوازي فقدان المكان في شعري اندحار وانحدار الثقافة العربية في عالمنا المعاصر: “هزّتْ رِعْشةٌ جسدي/بحثتُ عن السبب/ألفيتُ الشفتينِ مُطبقتين/على وطنٍ ينهشه الموت/في مغيب العرب” (قصيدة: وطن).

ساهم منفاي الأول ومعاناتي في المدينة الأولى من اغتراب وتدهور وضع العائلة المادي، بنشأة إحساس غريب داخلي بالحاجة إلى كتابة الشعر والنثر وأنا في السادسة عشر من عمري. لم تتح لي ظروف القرية فرصة للقراءة التي بدأت فعلاً بعد رحيلي عنها، بيد أنني وجدتها في مكتبات النجف الكثيرة، الحافلة بكتب الدين والتصوف، والشعر والتاريخ والقصص والحكايات. زرعت أمّي في نفسي حبّا للشعر، لأنها كانت تحفظ الكثير من المقطوعات والترنيمات الشعرية الشعبية البليغة. دفعتني معاناة عائلتي في المدينة للبحث عمّا يُسمّى بـ “المعادل الموضوعي” داخل النفس، ليقيني من الانكسار ويمنحني توازناً روحياً لمواجهة الحرمان والكبت وقسوة البيئة واستعلائها، وبمرور الوقت شعرتُ أنني بفضله أصبحت أقوى!  تصوروا أنني لم أجرؤ على القول إلى وقت قريب: إنني ولدت في القرية خوفاً من احتقاري والتقليل من شأني بسبب ولادتي في أرض أبي! كل من ولد خارج المدينة كان يوصف بأنه “معيدي”، “قروي” وهذا يعني أنه ليس منّا أصلا، وفي النتيجة فهو أدنى مستوى ورفعة ممن ولد في مدينة زائفة، قسم من سكانها والمتحكمين فيها غرباء الأصل، يصفهم العامة بـ “العجم”. هجوت هذه المدينة “أم المتناقضات” في قصيدة “وصف أوّلي لمدينة الأضرحة، ديوان فراديس أيائل وعساكر، دمشق 1998).

  كثيرا ما راودتني فكرة التخلي عن قول الشعر (ذكرت ذلك في مقابلة معي لجريدة عراقية مطلع السبعينات). كلما أردت اختلاق الحجج لكي أهجر ممارسة الشعر عاد إليّ بأشكال مختلفة لا طاقة لي على مواجهتها. أصبح الشعرُ متنفساً وملازماً لي في السراء والضرّاء وكأنه مواساة لجراحي ووسيلة للتعبير بالكلمات عن نفسي. نحن اليوم في منافينا، التي لم تعد كلمة المنفى تعبّر عنها كما ينبغي لتآكل وقعها، مسلوبون من سند وملجأ في بلداننا ومؤسساتها، أما الفضاء الآخر الذي نتحرك فيه فهو ليس فضاءنا الموهوب بحكم الولادة والنشأة لكنه بمرور الوقت صار من حيث وقع الاغتراب والانسلاخ موازياً لاغترابنا في أوطاننا الأولى. عند وقوع أي حادثة، أو صراع بين الشرق والغرب وبين متطرفي الأديان، نحن لسنا طرفا فيه، نشعر أن وجودنا مهدد في البيئة المكتسبة الجديدة، حتى لو عشنا فيها عشرات السنين وعبّرنا عن ولائنا للحياة واحترام ثقافة وحرمة المجتمع المضيف. أحياناً كان علينا الاختفاء عن الأنظار خوفاً من النظرات غير الصديقة كما حصل بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001.

للأمكنة وجود روحي- طقسي، مادي ثقافي، ومعرفي، تحضر عادة في حياة وأعمال الشاعر- الكاتب، بقدر أهميتها، وفترة المكوث فيها. ولهذا فليس غريباً أن يُخصّصَ لها الدارسون والشعراء والكتاب مكانة خاصة. هناك أمكنة يُكرَه المرءُ على هجرها فيكون من عواقبها ولادة تعلّقٍ بها وحنين إليها، تنعكس فيما بعد على النتاج الأدبي سلباً أو إيجابا. تتمثل ردة الفعل السلبية على الأرجح بهجاء ذلك المكان ومن يتسبب بفقدانه، أو تذكره بمزيج من الشعور بالألم والمرارة والحسرة والخسران، وربما بجعله مثالاً مفقودا مشوّها. فقدان المكان المُتخَيّل- حاضنة الأحلام يسبب قلقا أزليا، وشعوراً بفقدان الأرضية الموثوقة تحت القدمين، وهو إلى حد ما يشبه فطام الرضيع عن ثدي الأم.

ما معنى العودة للجذور خارج نطاق المعرفة والثقافة؟ لا يمكن التحدث عن العودة إلى الجذور إلا في حالة فقدانها، أو لإثبات الذات في ظرف متقلب يسيطر فيه التوجس وانعدام الثقة بالنفس والمحيط، في ظل حالة من الدفاع الذاتي. وعليه فحضور الطبيعة في شعري بألوانها، وكائناتها وجمادها، إنما بفضل تلك البيئة الأولى، وبفضل جمال الطبيعة في البيئة المكتسبة البولندية- الغربية. ولعي بها جعل حضور الجمادات فيها وكأنها كائنات تتبادل الأدوار مع الكائنات الحية، وهكذا يطير الحجر والشجر ويقوم الطائر بدور آخر متمثلاً بكونه عين من لا جناح لديه.

من خلال ترحالي بشقيه: المفروض، والمعرفي، لاحظت بمحض التجربة أن لمكان الولادة والنشأة الأولى حضوراً يكاد يكون طاغياً في أوساط الشعراء والكتاب والفنانين. كلما كانت هذه الفترة غير ثقيلة، بريئة تحولت إلى أرض موعودة، أو فردوس مفقود وهو ليس بالضرورة كذلك في الواقع! شخصياً أحلم بالعودة إلى قريتي حيث يمر بها رافد من روافد نهر الفرات العظيم، يملأها السكون ويمنحها موقع حصانة من تنمر المدن وزحمة الناس. لكنني لست متأكداً من بقائها على حالها، ولهذا تراني أبحث دائماً عن سكن على أطراف المدن، لأنها تتصف ببعض من خصائص الريف والحياة الهادئة. ولدتُ على أرض والدي بمسافة أربعة أمتار تقريبا من النهر. كانت القرية وديعة وخضراء في كل فصول السنة. أكاد أتذكر كل شاردة وواردة وطريق، كل طائر، حشرة، زهرة، وكافة أنواع الأشجار المثمرة ومستويات اخضرارها، ومتى يغضب النهر ويهدأ، وكيف كان الجيران يعيشون ببساطة تصل حد البدائية أحيانا. هذا العالم المليء بالنجوم والنور والظلام الحقيقي والشمس والماء والنباتات والخرافات يلاحقني روحيا، جغرافياً وطبيعيا، بل أنا من يستدعيه أحياناً حتى أصبحنا نتبادل عملية الكر والفر فيمن هو المبادر في التحرش بالآخر. أصبحت للبيئة الأولى سطوة سحرية-روحية مضاعفة بعد أن أجبرنا من دون ذنب على مغادرة أرضنا سنة 1962 بسبب نزاع دموي بين فلاحي والدي الذي كان غائباً وجيراننا الجشعين ومقتل أحدهم. في تلك الليلة الظلماء أتذكر كيف أن عمّتي قد هرّبتني مع ابن عمي إلى الجيران الذين أخفونا في زريبة الأبقار، خوفاً من القتل العشوائي، ومنها نقلونا قبل الغبش في قارب إلى كراج الناحية. ومنذ ذلك الوقت لم أعد إلى ذلك المنبع الطبيعي وهكذا بدأت حياة جديدة تماما وسمتْ شعري بكل ما هو مناقض لحياة الريف والطبيعة. بعد مرور سنوات، أثناء منفاي الثاني في أوروبا، عرفت أن البيئة الأولى هي بمثابة بداية دائرة يريد البعض أن يكملوها بالعودة إليها وحينئذ تنغلق تلك الدورة الزمنية: هناك بداية ولابد من نهاية تكتمل فيها. هكذا قرأت في كتابات أو حوارات مع شعراء وكتاب غربيين، كجيمس جويس، وسولجنستينن وتشيسواف ميووش، وبرونو شولتز، والكاتب المسرحي البولندي ستانيسواف مروجك، وسواهم، وثمة عرب أيضا، من بينهم على سبيل المثال لا الحصر، أدونيس الذي جهّز بيته في قريته الأولى ولا أدري هل شحن كتبه أم لا للعودة النهائية إليها، لكن أحلامه تبخرت بعد نشوب الحرب الدموية في سوريا مما شكل في داخله خسفاً وجرحاً كبيرين.

هناك ثلاثة أنواع أساسية من الأمكنة في شعري: القرية، المدينة الشرقية التقليدية، ومدينة (مدن) المنفى وما بينها من أماكن عابرة. وهناك ثلاثة أصناف من الطبيعة: الأولى خضراء والثانية صحراوية والثالثة يشكل ثلجها ونوعية أشجارها حضوراً فاعلاً في الحياة اليومية والمخيلة المجتمعية، كان عليّ التعود عليها ثم التأقلم معها. في هذا الإطار كتبت الكثير، ولعل “الطريق الملكي” من بين أبرز قصائدي المركبة الطويلة خصصتُ بها وارسو وكأنها قراءة شعرية لتاريخها الثقافي-الاجتماعي وحتى السياسي. أقتبس منها المقطع التالي:

وحدَهما- الحبُّ والصمتُ- يُصْغِيَان/الظلُّ مرآةُ مَنْ لا يَرَى نَفْسَهُ خارجَ المكانِ/

        أنا الباحث عن حُلمٍ بينَ الأرض والسماء/أتلمّسُ شخصاً يُشْبِهُ ظلّي/

       فأرى زورقًاً تائهًا وانْعِكاسَ نُهَيْرٍ بمَجرى دُموعي/واضْطِرابَ المعابدِ حولَ مرايا خُطاي/

 أنّى التفَتُّ ثمةَ ثلجٌ، زَمْهَريرٌ، مَطرٌ/ غيمٌ يَتباهى بغياب الشمسِ/

 بَشَرٌ تتطلّعُ خلفَ تضاريس أيّامِها/ نظراتٌ تلثم رحيقَ المَحبةِ من كفِّ النجوم”(الطريق الملكي، 2014-2015).

منحني تعدد الأمكنة والاختلاط بالآخرين رؤية عابرة للحدود الإثنية والقومية، فتأثرت بها وأثرت فيها. وأنا أبتغي التقدم إلى أمام لم يكن أمامي مفر سوى الاختلاط بممثلي مختلف الأعراق والثقافات والأديان والقوميات. مزيج من الرؤى وتصارع الأفكار والمعتقدات. وقفت على الهاوية الفاصلة بين نظامين عالميين متصارعين فلاحظتُ ضمور النظام الاشتراكي وسطوة رأس المال. أخذتْ الناس بالتحرر مقابل دفع فواتير عالم جديد جشع لا يرحم. زرت الكنائس والمعابد وشاركت في طقوسها حتى ظن البعض أنني منهم!

هل تتصارع الأمكنة؟ نعم، تتجادل، تضطرم، تحتدم، ثم تغلي حتى وصولها لحظة الانفراج سلماً أو حربا. جميع الحواس وفي مقدمتهم الذاكرة تستدعي وتستحضر المكان بصيغة المفرد أو الجمع. المكان هو ساعة الذاكرة الرملية. يلاحقنا أنّى كنّا أو اختبأنا. كلما ابتعدتُ عن المكان صار شاخصاً أمامي بغض النظر عن حجم هذا الحضور. حلّقْ في السماء وأنت تنظر إلى نقطة الانطلاق وستراها بكاملها لكن تفاصيلها بعد فترة تبدأ بالتلاشي. أما مكان الشاعر والكاتب والفنان فيصعد أعلى وجذره يغور أعمق. المكان بدون ذكرى (ذكريات) لا قيمة له. يتحول إلى حيّز ذي طعم ولون ورائحة ونَفَسٍ ووجود حيّ بفضل الشعراء والكتاب والرسامين وحتى المؤرخين رغم اختلاف طبيعة حضوره لديهم.

برمنغهام في الخامس من نيسان/أبريل 2021

خاص مجلة قناص

هاتف جنابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى