حُرّاً راكضاً بالكرة | زاهر السالمي

الصورة: لوحة الفنان التشكيلي العُماني محمد نظام

حتى السادسة من عمري لم أستمتع بها، ولم أفهم لماذا الكل يُحبّها، وإن لم يكن الكل، فمعظم الذين عرفتهم تُمثل لهم شغفاً ما، وإن اختلفت حِدّته.

أبي لم يلعبها، ولم يتابع كأس العالم ولا غيره، لكنه يهتم بمعرفة النتيجة عندما يلعب المنتخب العُماني في كأس الخليج. وقد فاجأنا يوما، أنا وأخي كعب عندما سأل عن موعد مباراة نادي فنجا العماني في نهائي كأس الأندية الخليجية مع المحرق البحريني في 1989. تغاضى يومها عن صراخنا فرحاً بهدف فنجا الذي أعطاه كأس البطولة. لم تسْتهويه، لكنه لم يمنعنا من لعبها.

في الظاهر حوش البيت القديم كبير. أجلس في العصر على أحد المصاطب لأشاهد أعمامي يتبادلون الكرة في حوار ممتع ومهاري. بعدها يذهبون إلى ملعب القرية. وفي مرّات كثيرة، يُحَدّدون مَرْمى بحجرين، ويوكِلوني حراستة، بينما يتنافسون على الكرة لتسجيل هدف. كنت صغيراً، يتلاعبون بالكرة وبسهولة يأتي ذلك الهدف. أحنق للأهداف التي تدخل مَرْماي في أول اللعب، ثم أستسلم.

في مسقط، أذهب معهم إلى ملعب فريقهم. ملعبهم ترابي، يقع في وادي «روي». كانت مهمتي الشيقة سَحْب الكرة وهي في شبكتها من البيت إلى الملعب، وعودة مثلها. أجلس فوق مرتفع على حافّة الملعب، وأتابع المباراة. إذا كان أعمامي في فريق واحد، فأنا أشجّع فريقهم. وإذا في فريقين متنافسين، فأكون محايدا، منتظراً من فريقه سيفوز. أقرر بعدها من كان الأبرع في مباراة اليوم!

وعندما يأتي موسم الكؤوس، كأس الخليج، كأس العالم، أرافقهم في المساء إلى مقهى قريب في شارع «هوندا»، حيث التلفزيون ملون وكبير نسبيا. أذكر أني شاهدت المباراة النهائية لكأس العالم صيف 1978، بين الأرجنتين وهولندا، بينما أشرب شاياً بالحليب طافحاً بالسكر على الطريقة الهندية.

في «الوَلْجة»، وحين نتجمع عدد من الصبية، أقاربنا الذين يزوروننا لأسبوع وأكثر، نذهب إلى ملعب كرة سداسي، مُعشّب صناعيا، ليس بعيداً عن بيتنا، وننقسم إلى فريقين.

لاحقا؛ بعقد من الزمان، وفي صباحات صيف مسقط المتعفنة حرارة ورطوبة لزجة، أمشي وكعب إلى متجر لأفلام الفيديو خلف منزلنا في «الخوض». نستأجر فيلماً لمارادونا، أهدافه، تدريباته، ولقطات تظهر مهاراته التي كانت تسحرنا. وبعد أن شاهدنا كل أفلام ذي الشعر الكثيف المتوفرة في ذلك المتجر، انتقلنا إلى الجوهرة السمراء، بيليه. في العصر؛ وقبل أن نلتقي برفاق اللعب بساعة، رغم قسوة الشمس، نكون في الملعب، نتدرب على الحركات المهارية الممكنة، التي شاهدناها صباحا!

مرة كنا نتدرب على تسجيل هدف من كرة ثابتة منحرفة كقوس إلى الزاوية. كان دور كعب حراسة المرمى، فصدّ الكرة بقبضتة، إنّما بتقنية خاطئة. أصيب في معصمه الأيمن. لم يكن كسْرا، لكنه ظل أسبوعين لا يلعب، يرافقني ليشاهد اللعبة مع جماهيرنا.

كما أخبرتكم؛ لم أكن أستمتع بها في تلك المرحلة، وربما لعبتها لأن الجميع يلعبها!

في تنزانيا بدأ شغفي الحقيقي وتعلقي، رغم أن الكرة ليست أصلية، مصنوعة يدوياً من الأكياس ومطّاط الاطارات. كونت فريقي السداسي الخاص، نتنقل من مباريات المدرسة إلى ملاعب الحارات. ومعاً كنا نذهب إلى مباريات دوري المحترفين عندما يلعب نادي «سمباوانجا» على ملعبه.

في المدينة البحرية لعبت كرة القدم رفقة صديقي على الشاطيء. هناك كان اللعب عنيفا، وكان علينا أن نطور مهارات المراوغة لتجنب الضرب المباشر في الساق، وأحياناً نضطر إلى التخلي عن الكرة عندما لا فرار!

هنا جرّبتَ متعة أن تراوغَ أكثر من لاعب والكرة بين قدميك. التصفيق والتهليل من الرفاق ومن الجمهور القليل لحركة مراوغة كان جزءً من المتعة التي بدأنا نكتشفها.

ما زلتَ تذكر الريح تصافح فخذيك حُرّاً راكضاً بالكرة.. إلى أين أيتها الغابة!

*مقطع من عمل سردي قيد الطبع بعنوان (منازل طلعة الشمس: مشاهد من ذاكرة طفل)

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى