هاتف جنابي: رحلة في حياتي
تنشر قنّاص في هذا الملف المتسلسل سيرة مكان يسرد فيها كُتّابنا الأعزاء رحلتهم، مقتفيين أثَرَ الانعطافات في الروح والزمن …
إنها الرحلة أين؛ حيث نلتقي.
الرحلة أين مع الشاعر والمترجم العراقي هاتف جنابي؛ يكتب رحلة في حياتي، عابرا الأطلسي من القارة العجوز إلى العالم الجديد.. أميريكا، كأستاذ زائر في جامعة إنديانا، حيث كل رحلة لا تشبه الأخرى.
إن ما يميز الرحيل عن سواه هو كونه سِفْرا مفتوحا لا تعرف خاتمته إلا بنهاية الخليقة، حافلا بالمغامرة والمفاجأة والطزاجة، له جمالياته ودروسه الخاصة. الحدود المصطنعة هي الشيء الوحيد الذي يكرهه. الرحيل جزء أساسي غير مصطنع في حياتي منذ الصغر، غير مصطنع. وإذا كان ربع قرن من حياتي عبارة عن سفر بين مدن البلد، فإن الرحيل بعد تلك الفترة خارجي، وبالتالي فهو احتكاك بشعوب وثقافات أخرى وعلى ضوئها لا يمكن اعتبار الفترة الأولى الداخلية سوى تمرين بدائي على الرغم من مصاعبه وما رافقه من قلق وإحساس بالظلم، وهو ترحال داخل بلد محدد ولغة سائدة واحدة تقريبا. أعمالي الأدبية عامرة بعالم الرحيل شعرا وبحثا. لدي إحساس قديم بأننا نعيش وجوديا على حافة عالمين غير متكافئين. أما على الصعيد الشخصي فأشعر بأني في مطار ما إن تنتهي رحلة حتى تبدأ أخرى. أجلس على حقيبة بانتظار ما سيأتي. في قصيدة «مطار» قلت:
دائما عندَ مُفْتَرَقِ الطُرُقِ
كلُّ رِحْلةٍ لا تُشْبِهُ الأخرى
كلُّ مُسَافِرٍ باتّجاهٍ واحدٍ
الرِّحْلَةُ لنْ تَنتهي لأنَّها لم تبتدئ بعدُ
حتّى أنا
لا أُشْبهُ نفسي
في مَطارِ اللغة… (برمنغهام، 2014).
الرحيل يقترن في أغلب الأحيان بالجانب اللغوي، الثقافي والمعرفي. كانت رحلتي إلى الولايات المتحدة الأميركية لمدة عام كامل 1993-1994 من بين أهم الرحلات وأغناها تجربة في حياتي. لقد شذبّتْ كثيرا من رؤاي وقناعاتي، وأثرت بقدر ما على مجرى حياتي لاحقا.
مطار وارسو في 13 أغسطس/آب 1993
زرت القنصلية الأميركية قبل شهرين من الرحلة للحصول على التأشيرة. كانت لدي دعوة مسبقة من جامعة إنديانا في مدينة بلومنغتن كأستاذ زائر بناء على مشروع مقدم قبل أكثر من سنة لدراسة الأدب العربي في المنفى. كان الموظف في القنصلية لطيفا وأسئلته روتينية. طلب مني ترك جواز سفري البولندي واستلامه من جامعة وارسو – مكان عملي وهكذا تم الأمر بحصولي على تأشيرة صالحة لسنة كاملة. دخلت مطار وارسو قبل الرحلة بساعتين وليس كما في أيامنا الراهنة، خصوصا بعد حلول كوفيد. لم تكن لدي تجربة في ركوب الطائرات، فكنت أظن أن ما يعطونك إياه على متن الطائرة هو ملكك! أن تسافر إلى جامعة أميركية محترمة يعني عليك الاعتناء بهندامك. كان يجلس بجانبي في الطائرة رجل أعمال، هكذا بدا لي. لاحظت احترامه لي ربما لأنني كنت أنيقا فظن أنني رجل أعمال مثله أو مسؤول حكومي! قبل مغادرة مكاني بعد هبوط الطائرة وضعت النظارة التي استلمتها في الطائرة في حقيبتي اليدوية فنظر إليّ الرجل بنوع من الاستغراب وربما الازدراء. شعرت أنني ارتكبت خطأ بسبب غفلتي. كان هذا أول درس بسيط. بعد حوالي سبع ساعات هبطت الطائرة في مطار نيوارك الدولي في نيوجيرسي، على بعد حوالي 24 كلم من مانهاتن في نيويورك. كان الطقس حارا مقارنة بوارسو. فكرت بالخروج لرؤية هذه المنطقة الشهيرة، لكنني تذكرت الحقيبة التي كانت الوحيدة الدائرة على الشريط، وقضية الرحلة التالية إلى بيتسبرغ في بنسلفانيا حيث يقيم صديقي وكفيلي د. قحطان المندوي. كان لابد من توفر ضامن لشخص مثلي! تأخرت الطائرة لأكثر من ساعتين، فتعجبت مما حدث، في أميركا وتتأخر المواعيد وتتعقد الأشياء! انفضح جهلي تماما، خاصة بعد أن طلب مني صديقي المندوي أن أستخدم التلفون العام المتوفر في المطار للتكلم معه وهو سيتحمل تكلفة المكالمة. لم أعرف كيفية تدبير الأمر. لنتذكر أنه لم تكن مثل هذه الأجهزة متوفرة في بولندا آنذاك، لا هي ولا الكومبيوترات التي سيصبح تعاملي معها حاجزا في الفترة القصيرة الأولى من إقامتي. كان هذا أول فأل سيء في تقويم الرقم (13) الذي لم أعر له أهمية من قبل. بعد ساعتين ونصف ووصولي المتأخر إلى مطار بيتسبرغ، حدث أمر آخر، تبين لي أن صديقي وزوجته قد تعرضا لاصطدام بالسيارة سبب لهما ألمًا في الرقبة. من الآن فصاعدا أصبح لزاما عليّ توخي الحذر من الرقم 13، خصوصا بعد اتصال الخطوط الجوية الأميركية بي قبل يوم من تاريخ عودتي من نيوجرسي إلى بولندا (يوم 13 آب/أغسطس 1994) والطلب مني تغيير موعد السفر بحجة عدم وجود مكان! رفضت بقوة فاضطروا، للموافقة على إبقاء حجزي. يا لها من فوضى وتلاعب؟! ظننتُ أنني دائما مجلبة للفرح والخير لمن ألتقيهم وها أنا ذا أفعل العكس! على أي حال، كانت بيتسبرغ مدينة جميلة جدا تخترقها الأنهار والقنوات، مدينة آهلة بالأشجار من شتى الأصناف. بعد ثلاثة أيام انطلق بي صاحبي بسيارته إلى مدينة بلومنغتن في إنديانا. كان الطقس حارا وخانقا قبل دخول المدينة. التفت إلى صديقي قائلا: هذا الطريق يمر عبر حقول عامرة بالذرة التي تضيف رائحة وضيقا في التنفس لغير المعتادين عليها. لأول مرة في حياتي رأيت حقولا لا متناهية من الذرة، وليس بعيدا حقولا من نباتات التبغ. حينئذ أخذت أفهم أكثر رواية طريق التبغ (1932) للكاتب إرسكين كالدويل. صحيح أنها عن مزارعي التبغ في ولاية جورجيا إلا أن الحقول والأجواء متشابهة. جو ساخن وفضاء مفتوح. قلت: يا لسعة هذا البلد! قضينا ليلة في ضواحي المدينة لرخص المبيت وانطلقنا في اليوم التالي إلى الجامعة الفارغة تقريبا في مثل هذا الشهر. حرم جامعي واسع في مدينة جامعية تقريبا تفتقر إلى المباني الشاهقة التي تغزو المدن الكبيرة عادة في هذه الإمبراطورية العملاقة. لم أستأجر سكنا قبل المجيء وكان هذا الخطأ الثاني. حدثني جاري (مارتينيز) خريج قسم الحقوق عن صعوبة حصوله على عمل بسبب أصله اللاتيني وهو المولود في تكساس. تحدثت في فترة لاحقة مع أميركية في الدراسات الصينية، وقسيس وهما في طور إعداد أطروحة الدكتوراه، وسألتهما على انفراد عن العمل. فقالا لي: لديهما وعد مؤكد بالعمل، إنه ينتظرهما! سمعت قصة أخرى عن خريج متفوق داكن البشرة بحث طويلا عن عمل ولم يظفر به وفي أحد الأيام سأل أحد الزبائن المتنفذين بالصدفة وهو تحت موسى الحلاقة: هل عندك أطفال؟ فأجابه الحلاق: نعم، ولد وحيد خريج متفوق ولديه مشكلة مع الحصول على عمل. فطلب منه تسليمه أوراق ابنه ولم تمر فترة طويلة حتى حصل على عمل. كان ذلك درس جديد محا سذاجة تصوري بسيادة مبدأ تكافؤ الفرص الذي تعرض في الخمسين سنة الأخيرة كثيرا إلى نكسات على أساس الأصل والعرق واللون.
جامعة إنديانا في بلومنغتن

زرت قسم اللغات والثقافات الشرق أوسطية الذي نسبتُ إليه لتسجيل حضوري وتحدثت مع رئيسته د. فدوى دوغلاس فيما بعد عن إمكانية حضور بعض المحاضرات للتعرف على طبيعة عملهم فتجنبتني وتملصت من الموضوع مختلقة شتى الذرائع! فكان ذلك أول وآخر لقاء لي بها. الشيء الوحيد الذي فعلته هو موافقتها على كوني أستاذا زائرا وقد شكرتها. كان للبروفسور د. صالح جواد الطعمة- رئيس القسم الأسبق دور كبير في مساعدتي واحتضاني من الناحيتين الاجتماعية والجامعية، كنت حينئذ أستاذا زائرا. عرفني هذا الرجل النبيل على أساتذة وساعدني في كيفية الاستفادة من الكومبيوترات ومكتبة الجامعة الهائلة واستضافني في بيته الجميل مرارا. كان الاتصال من التلفونات العامة المنتشرة في المدينة مجانيا. زرت المكتبة برفقته للحصول على هويتها فهالتني الرفوف العامرة بالكتب والمجلات الخاصة بالعراق والمنطقة العربية. قيل لي، إن ما تملكه المكتبة من عناوين يقدر بالملايين، إضافة إلى ما يمكنها أن تجلبه من مصادر للباحثين من الولايات الأخرى! جامعة إنديانا ملتقى لباحثين وطلبة من شتى الأعراق والثقافات والبلدان، وفرت لي فرصة الالتقاء بطلبة ومبعوثين ومقيمين أغنوا حياتي وتجربتي بطيبتهم وطموحهم. هناك مسرح وسط الجامعة وهو ملتقى لفعاليات متنوعة، لاحظت قائمة بأسماء المتبرعين ومن بينهم طبيب عظام جراح عراقي الأصل فهالتني المبالغ! قيل لي إذا لم يحصل قسم الدراسات العربية على الدعم المرجو فسيتعرض للتقليص وربما الغلق، وأن القسم العبري قد نجا من هذا المصير بفضل تبرع مليونير يهودي له بخمسة ملايين دولار! لم يمر يوم بدون حزمة من الإعلانات عن فعاليات أكاديمية وثقافية مثيرة. كان الإعلان مبكرا عن موعد محاضرتين لكل من نعوم تشومسكي، وصاحب كتاب الاستشراق إدوارد سعيد، من بين المفاجئات السارة لي آنذاك، أعددت نفسي لهما على أساس تجربتي البولندية الجامعية ولم أكن أعرف أن الحضور داخل القاعة يتم عبر دفع مبلغ مسبق، كنت أتجنب الدفع غير الاضطراري أنا القادم من بولندا! فتبخر حلمي بإجراء حوار معهما واكتفيت بالاستماع عبر المكبر إلى المحاضرتين خارج قاعة المسرح الكبيرة ولم افهم الكثير لولا خلفيتي الثقافية والأكاديمية. لم أنس لقاءاتي وعلاقتي مع طلاب دكتوراه، وزملاء أساتذة تعاطفوا معي بشهامة، مثل، د. خليل عثمان (أكمل الماجستير آنذاك، والدكتوراه في بريطانيا، دعاني مرارا إلى عائلته وعرفني على والده النبيل الراحل الصحفي فضل مليح عثمان). ربطتني صداقة أيضا مع د. شاكر مصطفى أستاذ الأدب الإنكليزي، ود. حسن النعمي، ود. عبد العزيز السبيل، وعرفني البروفسور صالح الطعمة على البروفسور ويليس بارنستون، ورتب لي لقاء مع الشاعر الشاب خالد مطاوع الذي عرفني بالشاعرة الفلسطينية الأصل نعومي شهاب ناي، والشاعر الأفرو- أميركي يوسف كومونياكا، وشعراء وكتاب شباب آخرين. ويوسف كان يعمل في جامعة إنديانا وقد شارف عقده على الانتهاء وأصبحت حياته مهددة. وفجأة وصلني خبر بأن يوسف كومونياكا فاز بجائزة شعرية قدرها خمسون ألف دولار تمنحها مؤسسة لدعم الإبداع في كاليفورنيا، وفي 1994 فاز بالجائزة الأهم في أميركا وأعني بولتزر التي فتحت أمامه مجالات العمل والشهرة. يا لرحمة الشعر وكرمه عندما يشرح قلبه! أخذت أتساءل، هل من المعقول أن للشعر دورا في دولة صناعية رأسمالية مثل أميركا؟ نعم، هناك أعداد لا تحصى من الشعراء والكتاب والمكتبات والمجلات والمؤسسات والجوائز التي ترفع أسماء مغمورة نحو النجومية! قال لي أكاديمي أميركي ضليع: اسمع، أميركا محكومة من قبل الدولة العميقة التي تعتمد على رجالات الفكر والسياسة في صياغة برامجها لمائة سنة مقبلة. كان هذا البلد متقدما بخمسين سنة على بولندا وأكثر من مائتي سنة على العراق. يا للهول والهوان! كان صديقي الشاعر البولندي- الأميركي اليهودي الأصل الراحل (آدم شيبر) يشكو من التهميش رغم نتاجه الشعري والترجمي، ولما سألته عن السبب، قال: «لأنني عامل، لم أتخرج من جامعة ولا تربطني بأوساطها المؤثرة صلة». كان الرجل إنسانا طيبا ومتسامحا، مات ولم يحظ بالتقدير الذي حلم فيه. علمتني أميركا ألا أحكم على الأمور من خلال مظاهرها. تقدر الثقافة الأميركية الانفتاح في التواصل والبساطة. يقول الأميركي ما يفكر فيه وينتظر منك الشيء نفسه. لا يحترمون النفاق وتعدد أوجه الشخص. يمنحونك الثقة ولا يحكمون عليك إلا بدليل وحينئذ ستكون حياتك الاجتماعية صعبة جدا. أسس عامة متوارثة وبطبيعة الحال لكل قاعدة استثناء.
التعرف على طبيعة المجتمع

بعد مرور أربعة أشهر صار لزاما عليّ الغوص أعمق ليس في تفاصيل الحياة العلمية والثقافية فحسب بل في تفاصيل المجتمع الأميركي وعاداته أيضا. في تلك الأثناء، تعرفت على المستشرقين: د. سوزان ستيتكيفيتش وزوجها د. ياروسلاف ستيتكيفيتتش وكانا لطيفين ومحترمين. وتعرفت على أساتذة بولنديين يقف في مقدمتهم البروفسور كشيشتوف ميخاواك المتخصص في تاريخ أميركا وكان متحدثا بارعا نفعتني معرفته التاريخية كثيرا في فهم طبيعة أميركا التاريخية والسياسية والاجتماعية. أصبحنا فيما بعد صديقين عائليا، لكن للأسف، قد رحل مبكرا بحادث سيارة. ولأنه كان محبا لقيادة السيارة تمكنت بفضله زيارة مدن وأماكن عديدة من بينها شيكاغو. كان معظم الناس متواضعين وهذه ظاهرة غربية وملفتة، لا يسألك أحد عن مقدار أجرك لأن ذلك نوع من المس بالخصوصية. دخلت بيوت الأميركيين وخالطتهم فعرفت كم هم طيبون وكم هم مختلفون عن ساستهم، وعرفت أن العائلة الأميركية محافظة في تقاليدها، وأن المرأة هي الساهرة على البيت وتفاصيله وهي التي تعد المائدة وتقدم الطعام عادة. استوقفني أمر آخر يتمثل في اتباع الأميركي كافة الطرق والأساليب للوصول إلى تحقيق الهدف، فلا يوجد تابو ولا مسلمات! أخذت أفهم أكثر فكرة البطل في السينما الأميركية: الاعتماد على الذات والمبادرة الفردية والاجتهاد للخروج من أي مأزق. حينئذ، تذكرت حجم جهل قادة وطني الذين لم يدرسوا طبيعة وعقلية الأميركي قبل القيام بأي شيء مصيري ذي علاقة بهم.
كان نظام العمل كالآتي: ينهمك الطلاب وأساتذتهم والعاملون في عملهم من يوم الإثنين حتى نهاية يوم الجمعة، بعدها يأخذون قسطا من الراحة في نهاية الأسبوع وهكذا. نظام العمل شرط مهم لا بديل عنه في حياتهم وهذا أحد أسرار النجاح. أتذكر كيف تقدم نحوي المشرف على القاعة بعد انتهاء خمس وأربعين دقيقة منبها بأن الوقت انتهى! قدمت بعض المحاضرات والأمسيات الأدبية في الجامعة وعلى مشارفها. ذات يوم، اقترح عليّ خالد مطاوع أن نزور الشاعر، الناقد والمترجم أستاذ الأدب الإنكليزي ويليس بارنستون في مكتبه بجامعة إنديانا فكان اللقاء مفيدا وجميلا. لقد أحاطت بمكتب بارنستون صور شخصيات عالمية من الكتاب والسياسيين من قبيل فيدل كاسترو، وتشي جيفارا، وخورخي بورخيس وآخرين، ممن التقى بهم وعلى تلك الخلفية التقطنا بعض الصور المشتركة. كان الرجل معجبا بالفترة الأندلسية من حيث الإنتاج الأدبي والفكري وتلاقح الثقافات، إضافة إلى إعجابه الكبير بالأدب الصيني. دعاني إلى إحدى الورشات التي كان يديرها ضمن برنامج الكتابة الإبداعية وطلب من طالبه آنذاك خالد مطاوع الذي شرع بترجمة مختارات شعرية من شعري، أن يكتب إحدى قصائدي التي ترجمها على السبورة وطلب من طلابه ترجمتها أثناء الدرس كل حسب اجتهاده، فكانت أول تجربة مختلفة في الترجمة في حياتي. بعد مرور ثلاث سنوات أدخلني بارنستون في عمله الأنطولوجي الضخم: آداب آسيا، إفريقيا وأميركا اللاتينية، نيويورك، برنتيس هول، 1998، فكان ذلك كرما منه والتفاتة تقديرية. لقد مدد مكتب الهجرة الأميركية إقامتي لسنة أخرى، لكنني قررت الاستغناء عنها. في ربيع 1994 اقترب خالد مطاوع من الانتهاء من ترجمة قصائدي وبعد جملة من الاستفسارات أصبح عمله جاهزا وكان أول ترجمة له في حياته. شجعه الأستاذ صالح الطعمة إلى تقديمه إلى لجنة جائزة جامعة أركنساس الأدبية السنوية في مجال ترجمة الأدب العربي، فجاء جوابها كالآتي: نرجو توسيع حجم القصائد المترجمة وإرسال المخطوطة للمشاركة في مسابقة عام 1995. فرحت لكن قدرا من عدم الاكتراث واليأس خالجني ونسيت الأمر برمته. لم أعرف أي شيء عن الجائزة أكثر من كونها سنوية وفي الترجمة من العربية والأهم بالنسبة لي في ذلك الوقت هو الجانب المادي فيها وقد بلغ حينها خمسة عشر ألف دولار مناصفة! كنت أعاني ماليا، وأعيش في شقة صغيرة تابعة لجامعة وارسو. في أواخر ربيع 1994 وصلني اتصال من خالد مبشرا: لقد فزنا بالجائزة الأولى في الشعر، مبارك وهنيئا بالقوزي! وهي أكلة عراقية دسمة كنت شرحت معناها لخالد. كنت في أمس الحاجة إلى جرعة معنوية ومادية في ذلك الوقت العصيب. استلمنا الجائزة وصدرت الترجمة بغلاف مقوى وآخر عادي وأرسلوا لي حصتي المقررة. هناك التزام بالعقود وحرفية في النشر لم أعرفها في البلدان العربية.
عندما التقيت بعد عودتي رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية صديقي البيروفسور يانوش دانتسكي في حرم جامعة وارسو، استغرب وبادرني بالقول: لقد عدت إلى «القمامة القديمة»! يقال هكذا للمزاح خاصة عندما يترك المرء مكانا أفضل ليعود إلى مكان أسوأ فقط لأنه اعتاد عليه. السفر ذو نوافذ مشرعة وآفاق لا محدودة، مهما تنوعت أشكاله وطبيعته يظل نقيض الروتين والسكينة وبفضله يمكنك أن تصبح أكثر مراسا وتجربة وأقوى شكيمة. في قصيدتي رِحلة (2015) قلت: «أمسِ، ذاتَ يومٍ أو سَنة
أكْمَلتُ دورةَ النهار
كانتْ صُورتهُ تشفُّ
حتى الظلُّ يُمْكنُهُ أنْ يَمْرُقَ دونِ أثر
شفّرتُ اصْفرارَهُ والشفقْ
لكنه لم يتركْ أمامي لفرطِ اكْتنازهِ
سوى فُسْحةٍ نَفَذْتُ عَبْرَها مُرْغَمَا
إلى الضفةِ الأخرى…»
ما يبتغيه الرحيل هو النفاذ إلى الضفة الأخرى.
رحلة في حياتي لـ هاتف جنابي
الشاعر والمترجم العراقي هاتف جنابي
