Site icon مجلة قناص

لعنة سين للروائي العُماني بسام علي | وفاء الحوسني

لعنة سين، راوية العُماني بسّام علي، دار عرب

غلاف رواية لعنة سين لـ بسّام الكلباني (دار عرب)

رواية «لعنة سين» للعُماني بسّام علي الصادرة حديثا عن دار عرب ٢٠٢٣، والمتوفرة حاليا في معرض مسقط الدولي للكتاب:

***

لعنة سين: عمل روائي شيق يمتزج فيه التاريخ بالميثولوجيا والواقع بالمتخيل

في هذا العمل الروائي تمتزج الأسطورة أو ما يدعى بالميثولوجيا بالتاريخ والواقع بالمتخيل، والميثولوجيا هي قرينة التاريخ فلا يخلو عصر من العصور في أي بقعة كانت منهما. والأسطورة منذ القدم يستخدمها الانسان لتعليل الظواهر الكونية لعجزه عن فهمها والتاريخ كان غارقا بهذا النوع من التفسيرات حتى عهد قريب.  وكما وظف الكاتب الأسطورة في عمله كذلك وظف الخيال إذا تجد أن الواقع والخيال في هذا العمل حاضرين جنبًا إلى جنب لا يفترقان.

جعل الكاتب من العمل آلة زمنية تعبر بنا التاريخ تارة أو تعود بنا تارة أخرى إلى الخلف حيث تدور أحداثها في أماكن وأزمنة مختلفة ومتداخلة

ثلاث قصص متوازية قد تظن في البداية أن لا علاقة لأي منها بالأخرى ينسجها الكاتب ببراعة لتلتقي خيوطها في النهاية في مشهد متآلف. يأخذنا الكاتب في القصة الأولى إلى ميناء سبيتهيد في جنوب انجلترا حيث السفينة انفستيجاتور التابعة للأدميرالية البريطانية وطاقمها تتأهب إلى الانطلاق إلى تيرا أوستراليس الأفريقية بهدف اكتشافها والسيطرة عليها قبل القوى المتنافسة الأخرى. الراوي في فصول هذه القصة هو روبرت الأخ الأصغر لجون مساعد القبطان ماثيو فليندرز. وقد تسلل على سطح السفينة خفية بدافع الضجر كما قال أو ربما بدافع الحب كما أسلف. حيث تجرأ وركب هذه الرحلة رغم مخاطرها الكثيرة ليجمع المال ويرتبط بعد ذلك بحبيبته الفرنسية التي كانت من طبقة اجتماعية مغايرة عنه.

كلفه القبطان فليندرز بعد ذلك بالكتابة عن كل ما سيمرون به في الرحلة من الموانئ إلى المؤن، والتاريخ والأيام، البحار والمحيطات واليابسة..

أما القصة الثانية فأحداثها تبدأ في بابل في سنة ١٦٠٠ قبل الميلاد.. حيث هناك مشهد لطوفان يغرق البلاد جميعها شبيه بطوفان نوح، وسفينة ناجية تصارع الموت والجوع والأمواج العاتية تصلي لكي ينحصر الطوفان. على ظهر السفينة رجل مشؤوم يدعى ايشوكو يتمرد هو ورفاقه الاثنان وينزل عن ظهر السفينة لتبدأ قصته المشؤومة مع الضياع والتيه.

باختصار هي قصة رجل يدعى إيشوكو طاف البلاد كلها.. حيث كان يموت ويبعث من جديد في كل مرة ليستيقظ في مكان وزمان آخر.. أطلق إيشوكو على هذا مسمى اللعنة حيث أسماها «لعنة سين» وهو إله كانت تعبده بلاد بابل ويعتقد أن سبب تلك اللعنة هو القربان الذي أكله بعد نجاته من الطوفان الذي كان من المفترض أن يقدمه لإله بابل بدلاً من ذلك.

يموت إيشوكو ويبعث مرارًا في حقب وأماكن مختلفة تحتفي به الناس تارة وتعامله كقديس وتارة أخرى تنفر منه لتعتبره ساحرا مشؤوما وذلك على حسب معتقداتهم وأهوائهم

الأسطورة هنا غالبة على فصول قصة إيشوكو فنرى أن لكل شعب صادفه أسطورة يؤمن بها ويرى العالم، بل وينسجه على غرارها. يلاحظ إيشوكو من خلال تنقلاته الكثيرة أن الآلهة التي تعبدها البلدان على اختلافها واحدة إلا أن لها اسما مختلفا، فآلهة بابل هي ذاتها آلهة مصرو وكميت، باختلاف في الطقوس التي يمارسونها.

يعتقد إيشوكو أن سبب عذاباته هو اللعنة التي أُلقيت عليه. فظلت هذه اللعنة ترافقه طيلة وجوده لا تكاد تفارقه. كان المسكين لا يتعلق بشيء إلا فارقه وتظل ذكرياته باقيه فيه تعذبه وربما هذا هو أسوأ ما في لعنة سين!

القصة الثالثة والأخيرة بدأت من ميناء خور جراما في صور العُمانية. حيث انطلقت سفينة السنبوق وطاقمها إلى بمبا الأفريقية. بهدف التجارة وجلب العبيد! الراوي في فصول هذه القصة هو عبدالله وقد استعان به النوخذه لعلمه بالحساب واللغة السواحلية. تمر السفينة بعدد من الموانئ الأفريقية قبل أن تصل إلى وجهتها. يحدث ويضيع عبدالله في مدينة تانجا بعد أن هاجمه بعض اللصوص محاولين سرقة بضاعته من القطن التي كان سيبيعها في أسواق تانجا ليجد نفسه في قصر القائد توم فون برنس قائد الحامية الألمانية هناك. تقوم الحامية بعد ذلك بتكليفه بمهام ترجمة الخطابات التي يبعثونها لسلطان زنجبار. استقر عبدالله هناك رغم الفرص الكثيرة للعودة حتى أنه مُنح الجنسية الألمانية وغير اسمه إلى طوماس.

في صيف ١٩١٣ نشبت الحرب بين الألمان هناك والبريطانيون وكانت نتائج ذلك أن هزمت الحامية الألمانية مما اضطرها للانسحاب. وهذا ما جعل عبدلله يفكر بالعودة ثانية إلى صور بعد أن فقد ابنيه وكل شيء كان يربطه بالمكان هناك.

ثلاث قصص متوازية يحبكها الراوي ببراعة غير أنها غير منفصلة تماما، فهي تسير في خط متوازٍ لتلتقي خيوطها في النهاية بشكل لا متوقع

في نهاية الرواية تجتمع خيوط القصص الثلاث معًا في مشهد لا يخلو من المفاجأة حيث يجد إيشوكو نفسه في احدى حيواته في جزيرة بعيدة مهجورة فتلتقي خيوط حكايته مع حكاية روبرت الذي وجد نفسه هو الآخر في نفس المكان بعد أن غرقت السفينة وطاقمها في عرض البحر.. فيحكي كل منهما للآخر ما مَرّ به من أحداث ليُدوّن ربورت قصة إيشوكو في أحد المخطوطات لتلتقي الحكاية من جديد فيقع المخطوط في يد عبدالله الذي يظهر أنه في نهاية الرواية كان المترجم الذي يعمل لصالح قائد الحامية الألمانية الذي هو نفسه روبرت الذي نجا من حادث تحطم السفينة انفستيجاتور!

وفاء حمد الحوسني؛ كاتبة عُمانية

خاص قناص

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات