الشاعر المصري محمود خيرالله: الشاعرُ هو رحلتُه الأولى
تنشر قنّاص في هذا الملف المتسلسل سيرة مكان يسرد فيها كُتّابنا الأعزاء رحلتهم، مقتفيين أثَرَ الانعطافات في الروح والزمن …
إنها الرحلة أين؛ حيث نلتقي.
الرحلة أين مع الشاعر المصري محمود خيرالله؛ يكتب عن أجمل رحلة قام بها.. إنها «أهمّ وأصعبَ رحلاتِ حياتي»، حين تتوالد رحلاتٌ كثيرةٌ من رحمِ رحلةٍ واحدةٍ أولى ومُلهمة، أول رحلة، أول قفزة إلى المجهول، أول خطوة في الفراغ، رحلة واحدة فقط هي التي تعلمك فيها كيف تكونُ غريباً في بلاد الآخرين.
***
قررتُ الكتابة عن «أجمل رحلة قمتُ بها»، ليس فقط لأن رسالتكم وصلتني بينما كنتُ أمضي أسبوعاً ممتعاً ـ لأول مرة ـ في «دولة الكويت»، للمشاركة في أعمال الدورة الثلاثين لـ «مهرجان القرين الثقافي»، بل أيضاً لأنني حين قرأتها شعرتُ أنها جاءت في وقتٍ ملائم، فقد كان كل شيء يلمع بشكل براقٍ ومُخادع في مطعم فندق سانت ريجيس الكويتي الفاخر، وسط ثرثرات الآكلين من جنسيات مختلفة، حيث شعرتُ أنني أستطيع أن أحكي حكايةً لأقول من خلالها إن الرحلات قد تورَّث أحياناً مثل الأموال والعقارات والأراضي، وأننا قد نتوارث رحلاتٍ لم يقم بها آباؤنا وأجدادنا، وقد تتوالد رحلاتٌ كثيرةٌ من رحمِ رحلةٍ واحدةٍ أولى ومُلهمة، وأن المرء قد يولد وعلى جبينه خطوط تشي بكل ما سيخوضُه من بحار وأنهار، مثلما تعتقد شهرزاد في «ألف ليلة وليلة».
ووسط زحام المطعم الفاخر، وفيما تتناثر الكلمات والضحكات وتنساب الموسيقى في الخلفية كجزء من اللحن، تذكرتُ أهمّ وأصعبَ رحلاتِ حياتي، قلت إنني لم أروها من قبل علانيةً ويجب أن تُسمع وسط كل هذا الضجيج، عرفاناً واعترافاً بفضلها فقد كانت الرحلة «الأم» في حياتي، أقصد طبعاً رحلتي مع الأسرة عائدين عبر طريق بري طويل إلى «مصر» من «ليبيا»، حيث يمر في منطقتي «الجبل الأخضر» و«السلوم»، داخل سيارة «بيجو 504»، وربما بسبب هذه الرحلة المبكرة من حياتي، أصبحتُ مؤمناً بأن الشاعر ـ وإلى حدٍ كبير ـ هو في المقام الأولِ رحلتُه الأولى.
أول رحلة، أول قفزة إلى المجهول، أول خطوة في الفراغ، ومن بين كل الرحلات التي تخوضها في حياتك المليئة بالعثرات ثمة رحلة واحدة فقط هي التي تعلمتَ فيها كيف تكونُ غريباً في بلاد الآخرين كيف تعودُ إلى البيت كل يوم سالماً من أعراض التيه وعلامات الضياع، أتذكر أبي ـ الذي كان معاراً لتدريس اللغة العربية ـ وهو يدرّبني على المشي في شوارع ليبيا الصحراوية الجافة والصعود فوق سلالمها الحجرية الناتئة، أبي الذي رحل قبل ثلاثين عاماً علمني الكثير ونحن نمشي بمفردنا في الشوارع الخالية، وسط البيوت الصفراء، كنتُ أشعر معه ـ لأول مرة ـ بالغربة والحنين إلى بلدٍ بعيد، وهو بدوره كان يختفي من أمامي خلف أحدِ البيوت، لأبحثَ لنفسي عن مخرج وأتعلمَ العودةَ إلى البيت.
أبي ترك لي كنزاً من الكتب التي لم يقرأها والرحلات التي لم يقم بها والخطوات التي لم يمشها، كأنني مفوض من العناية الإلهية كلما أخفقَ في شيء كان عليّ أن أنجحَ فيه، ولأنه كان من أصولٍ سودانية، فقد كان يحلم دائماً بزيارة السودان والعمل فيها، والذي لا شك فيه أنني ورثتُ منه هذا الحلم وحققته نيابة عنه، في العام 2010 أي بعد رحيله عن دنيانا بأربعة عشر عاماً.
أظنه كان أمراً شاقاً على طفل رضيع أن يجلس بجوار أبيه في مدينة «الخُمس» الليبية لساعات، بينما يحاول الأب التقاط بث «إذاعي مصري» ليعرف أخبار حرب أكتوبر 1973، كان شاقاً أن يفهم طفل تلك اللهفة على الأهل والأصحاب والبلد الذي يحارب، لكنه كان ولاشك يحلم بالعودة ظافراً إلى بلد منتصر، وهو ما حدث بالفعل.
لم يكن سهلاً أن ترى بلدك أمامك وهي تسيل من زجاج شفاف عارضة خلفيتها الصحراوية الموحشة ككتلة صفراء من الرمال. قد يكون من المؤسف أن يتفتح وعيي على صور كهذه في بلد “نهر النيل”، كأنني مجلوبٌ إلى بلدي من خارجه، وقد كانت رحلتي الأولى صعبة على أي حال لأنها رحلة عودة لم تسبقها ـ لسبب ما ـ رحلة خروج، ما يسبب خللاً وظيفياً في عمل الهوية، خصوصاً في سن الطفولة، فلقد ولدت في مصر وخرجت رضيعاً لعامين لأعود واعياً محاولاً فهمَها، وأظنني لا أزال أتعثر في ذلك إلى اليوم، فقد بقيت عمري كله في بلدي ولم أغادرها سوى في ثلاث رحلات إلى السودان وفرنسا والكويت، وهي جميعاً لم تستغرق مني سوى 30 يوماً في الخارج، بينما بقيت هنا أكثر من نصف قرن من دون أي تذمّر، ربما خوفاً من طعم الاغتراب الذي ذقتُ مرارته صغيراً وظلت عالقةً في لساني إلى اليوم.
خاص قنّاص – الرحلة أين
طالع المزيد لمحمود خيرالله
«بشرٌ بأحجامٍ دقيقة يكبرون في تجاعيدي» ديوان جديد لمحمود خيرالله في معرض القاهرة للكتاب
مهرجان القرين الثقافي: قصيدة النثر.. ثورة شعرية تخلفَ نَقدُها عنها