ملامح في الشعر العربي: سيف الرحبي ورأس المسافر | إسماعيل السالمي

الصورة: الشاعر العُماني سيف الرحبي، رئيس تحرير مجلة نزوى الثقافية الفصلية

تنشر مجلة قنآص هذا المقال بالاتفاق مع المؤلف، وهو الأول من سلسلة مقالات سوف ننشرها تباعاً، والتي جاءت ضمن كتاب “ملامح في الشعر العربي”، لمؤلفه د. إسماعيل بن حمد السالمي، الصادر في مسقط ١٩٨٩؛ طبعة خاصة ومحدودة.

المقال الأول من هذه السلسلة؛ قراءة تفاعلية خلاقة في قصائد المجموعة الشعرية الشهيرة “رأس المسافر” لـ سيف الرحبي، والصادرة في ١٩٨٦:

“أن تُغادر حطام الواقع اليومي، وتغوص في الأعمق. في الوجه المطموس للحياة الحقيقية.. أن تكون منعزلاً وعارياً أمام عالَم سديمي يتشكل ليبني نفْسه”

هذا هو عالم سيف الرحبي… العالم الشعري الذي قدِم منه. العالم الداخلي الذي ينفصل ذاتياً ليرسم الصورة بواقعية فردية. يُوجِد نفسه، يُخرجُ الوعْيَ من عالمه اليومي، ليذوب في بوتقة الابداع الخلّاق الكاشف عن لحظة ما…

فهل رأس المسافر هو المسافة التي قطعها سيف الرحبي في متاهات البحث والسفر والترحال! إنه الثمن؛ لا بدّ أن يدفعه، فقدّم رأسه قُربانا.

ثمان وعشرون قصيدة تَسْتنطِق الغربة، وربما استراحة محارب. لكن (هل ثمّة فرصة للهرب)، أم هي (ديار الأحبة)، أو (القَدم النرجسية)!

إنه البحث عن شيء مفقود… حنين إلى ديار الأحبة، بعيداً عن الأهل والأرض الأولى. ومهما كانت سيمفونية الرقص (كل هذا العمر) البعيد لا بد وأن يستريح (بخطوة الغيب):

ثمّة ما يُؤْذن بانفجار اللحظة

ثمّة في الشارع امرأة تقطع القلب

بخطوة الغيب.

………

………

طوفان الشكوك يجثم على الصدر

وفي الليلة نفسها

الليلة الملعونة هذه

يفتح الرأس أبوابه

مثل نور يدفع عاصفة نحو هجرتها الأبدية.

مَشهدُ لحظةٍ من زاوية خاصة، ذاتية… في قارعة طريق بمرأى العين، عين بصيرة مدركة. مشهد الذات وانعكاساتها: طوفان الشكوك يجثم على الصدر. إنها رحلة الإنسان ذاته القادم الخائف من لحظة ما، ربما الموت، لكن ليس هناك ما يخيف في الموت. أو ربما المجهول، المجهول الجاثم فوق صدر البشرية، لتهرب منه إلى سرير النوم… لكنك حين:

“تستيقظ آخر الليل

تُلقي نظرة على الشارع الخالي إلا

من أنفاس متقطعة تَعْبره

بين الحين والآخر

وحده النوم يمشي متنزهاً بين

قبائله البربرية

……….

……….

الجِمال تقطع الصحراء باحثة

عن خيام العشيرة

القطارات تحلم بالمسافرين.”

الحلم بالسفر… إنها الديمومة التي اتَّبَعها، الانتقال في الأنحاء، الخروج من هذا المضيق إلى عالم أوسع، ليس بالمساحة، فهذه المساحة مليئة بالقبائل البربرية، ليس غير النوم وحده يمشي بينها ملكاً متوجاً، يحمل رأسه لينحدر إلى ذلك القفر.

إنه ذلك الساهر، الفاتح نافذة بيته ليستطلع العالم في منتصف الليل، وحده النوم القادر على تهدئة الثائر، ذلك النوم لحظة أبدية. وفي الخارج ليس غير كلب حراسة ليلي، أو متسكّع لا بد له من أقراص منوّمة!

المنام على شطآن الأرض هو أيضاً من جملة المسافرين تحملهم القطارات إلى استكانة خاذلة… أو إلى الخلود.

قطار آخر يسافر عبر الطريق الممتد من طنجة أو شارع الشهداء في الحي التاسع، والسان ميشيل، هذا القطار لا بد وأن يحمل (قصيدة حُب إلى مطرح) … مطرح الذكريات الأولى التي تشبه القلب النابض بالمنارات، إنها حياة لا يمكن أن تنزح عن الذاكرة:

“وحين تمددت لأول مرة على شاطئك

الذي يشبه قلباً ما نبضاته منارات

ترعى قطعانها في جبالك الممتدة

عبر البحر.

أُطْلقُ بين مقلتيك منجنيق طفولتي

وأصطاد نورساً تائهاً في زعيق

السفن.”

أيها البلد الخالد بذاكرته، بوجدانه أعماق بحر وسفن ترحال. مشاهد تبقى في الذاكرة رغم (ثلاثون عاماً… كل هذا العمر الذي حوشته من دهاليز الأجداد). ومطرح الذكريات:

“القرويون أتوك من قراهم

حاملين معهم صيفاً من الذكريات

مطرح الأعياد القزحية البسيطة

والأمنيات المخمرة في الجرار

الدنيا ذهبت بنا بعيدا.”

هكذا تبقى الذكريات، من ذلك الزمن القديم الحامل أياماً من التاريخ الذي سُجّل على جدران القلاع وبوابات التاريخ الحصينة. لكن هل هي (صباحات يطويها النسيان سريعا):

“هذه القلاع بقيت هكذا تحاور

أشباحاً في مخيلة طفل، حيث

بنات حواء يتجولن جريحات

بين ظلالها كموت محتمل.”

الشعور بالموت، بذلك الجبل الأسود المحيط من ثلاث جهات وبحر… رغم ذلك، فإن رأس المسافر لم يزل إلى يومنا هذا يحمل بحراً حقيقياً:

لم أنسك بعد كل رحلاتي اللعينة

لم أنس صياديك وبرصاك النائمين

بين الأشجار.

حين تمددت لأول مرة

كان البحر يشبه أيقونة

في كف عفريت

لأنه كان بحراً حقيقياً يُسَرّحُ زبده.

إسماعيل بن حمد السالمي؛ شاعر عُماني، دكتوراه في الآداب والفنون المتوسطية. مارس تدريس اللغة العربية لأكثر من عقدين. صدر له: جمعوه وناس آخرين؛ مجموعة قصصية، عبر متاهات الصحراء؛ مجموعة شعرية، خطب إسماعيل؛ شعر. وفي الدراسات والبحوث: جمع وإعداد ديوان كعب بن معدان الأشقري، جمع وإعداد شعر السميسر الأسبيري، جمع وتحقيق أشعار الكافي أبزون، جمع وتحقيق أشعار أبي حميد السالمي، المذكرة في الأدب العُماني، النخلة في الأدب العماني والعربي، بخور من حانوت عطّار، وغيرها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى