ملامح في الشعر العربي: علي الشرقاوي أو مذبحة صبرا وشاتيلا | إسماعيل السالمي

للعناصر شهادتها أيضاً أو المذبحة

تنشر مجلة قنآص هذا المقال بالاتفاق مع المؤلف، وهو جزء من سلسلة مقالات سوف ننشرها تباعاً، والتي جاءت ضمن كتاب “ملامح في الشعر العربي”، لمؤلفه د. إسماعيل بن حمد السالمي، الصادر في مسقط ١٩٨٩؛ طبعة خاصة ومحدودة:

“للعناصر شهادتها أيضاً أو المذبحة” هي الرؤيا/الكاميرا التي حلّق بها علي الشرقاوي في ديوانه الصادر في البحرين ١٩٨٦.

حلق بها في دنيا بيروت، ليلتقط لنا صوراً من دروبها، ومن خيام صبرا وشاتيلا بعد المجزرة…

إنه الحرف، إنها اللغة تلك الكاميرا، لكن هل هي خَرْساء!

“لغةٌ

كيف لا تتكلمْ

حرفٌ

لماذا يظل جباناً

ولا يكسرُ الشفتين”

إذا كان الواقع هو الدم العربي، والمذبحة فلسطين، فلماذا الصمتُ إذاً؟ لماذا يظل الصمت سيد المكان؟ هل هي بيروت، أم هو الخَرَسُ العربي؟ والجواب كان هذا الواقع:

“هذي عواصمنا

مفتوحة

كالسيف للرقبة

ونحن بين الرصد والرصيد

أيامنا خشبة

تَمتصُّ ما يُداس في العَتبَة

هذي عواصمنا

مذبوحة

بالردع…

أو بالصدع

أو بالمنع

في زنزانة رَطْبة

أحلامنا خشبة”.

= =

هكذا يذهب بنا إلى صورة مُدهشة… مشهد الشؤم يَتلَبّسُ المدى في انطلاقته، والشارع في رقصة شهوانية كما المَمْسوس، رغم فداحة هذا اليوم.

مَقطع مُكثّف، صورة تلتقط ظلال الحرَكَة، ثم تُجمّدْها! انطلاقة الغراب، ورقصة الشارع، وهذا اليوم. وبعد مُعالجة نيجاتيف الصورة، يسقط الضوء وينعكسُ الشارع العربي على جسد الشاعر، هذا الوَدَج، العِرْق الناتئ من الرقبة وقد تمزق:

“الأفق غراب مُنطلق… والشارع شهوة رقصته

يعلو فوق عظام اليوم

وأنا

هذا الودج الناتئ بابٌ مكسور في لُحْمته”.

وبعد عدة مقاطع، يُدهشكَ بصورة مناقضة: يَجمعُ ضلع حرف الميم بتخوم حرف الدال، والنتيجة تساوي مَدّ. إنه مَدٌّ من الأمل والفرح، وهذا اليوم في مَدّه، اليوم القادم، تُشير إليه بوصلة الشاعر:

“أسمع أجيالاً تَشْهقُ خارجة من ضِلع الميم

أرى الضحكة أوسعُ من آفاق تخوم الدال

أتحسّسُ يوماً يحمل…”.

= =

لكنه يعود بنا إلى دَبْكة الدم، إلى بيروت، إلى هذا الشرق العربي في سخرية سوداء:

“اشربْ…

فغداً ستكون يسارك شمس النيل

تُنادي الغرب مثل كلبة يتبعها

والمشرق يأتينا معها

بالقطن

البط

الجبن

الرهط

وكل فساتين المتوسط نلبسها في العيد”.

……

……

قفزة مزة

بيروت هي الأخرى مزة

فأشِرْ بها صِرفاً يا صاحْ

وتلذذ باليوم الآتْ”.

= =

هل هو: يشرب في نخب الموتى؟

الموت؛ لا… بل الحياة. في قصيدة شاتيلا تُغنى، وعندما أراد لها الشاعر أن تُغني، في ساحة المجزرة التي يَسْتخفُّ بها الأبطال، في استدعاء للعاصفة:

“يا موجنا

يا موجنا

الخوف لُعْبة طِفْلنا

والجوع وجبتنا الغنية

بالقنابل

والمقاصل

والمحاور

والذبح هذا المستدير على الغدير هواءنا”.

الكاميرا تُعيد لنا شريط الفيلم، مجزرة صبرا وشاتيلا، بتفاصيل أدوات القتل ومحاورها السياسية. هذه لقطة من زاوية تتوسَّعُ فيها العدسة فتسقط على جسد الدهر الذي نعيشه. لكن؛ ومن زاوية ضيقة، خاصة بعين الشاعر، تتحول المجزرة إلى شيء آخر غير الهزيمة الجماعية أو النكوص التاريخي، تتحول إلى أغنية يُنشدها ذلك الشيخ، حيث: الطريق المُحدَّب عُكَّازه/ في طريقه إلى عكّا/ وعكّا بعيدة!

تتحول إلى كفن لمن باع الوطن بحفنة دولارات، غنّى للمجزرة، ثم صلّى على الموتى:

“كنتُ صَفْوَ الريح، أحنو

أتحنَّى بالشظايا

وأحِنُّ

فتعلمتُ الزنازين

تقاسمتُ عراجين الحزن

لم تكن مذبحة

هزماً جماعياً

رجوعاً

“إنما كانت كَفَن”

للذي غنّى طويلاَ

ثم صلّى

بعد أن أهدى الوطن”.

إسماعيل بن حمد السالمي؛ شاعر عُماني، دكتوراه في الآداب والفنون المتوسطية. مارس تدريس اللغة العربية لأكثر من عقدين. صدر له: جمعوه وناس آخرين؛ مجموعة قصصية، عبر متاهات الصحراء؛ مجموعة شعرية، خطب إسماعيل؛ شعر. وفي الدراسات والبحوث: جمع وإعداد ديوان كعب بن معدان الأشقري، جمع وإعداد شعر السميسر الأسبيري، جمع وتحقيق أشعار الكافي أبزون، جمع وتحقيق أشعار أبي حميد السالمي، المذكرة في الأدب العُماني، النخلة في الأدب العماني والعربي، بخور من حانوت عطّار، وغيرها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى