هكذا إلى ما لا نهاية | فتحية الصقري

الصورة: الشاعرة العُمانية فتحية الصقري

قبلَ أنْ تُطفِئ الضَّوْء

قبلَ أنْ تمتدَّ يدُكَ لِتُغلقَ الباب

قبلَ أنْ تُغيِّرَ نغمةَ الهاتف

وقبلَ أنْ يغلبَ النعاسُ عينيكَ الجميلتين.

دعْني أخبركَ شيئًا

ربما قدْ يصمتُ الربيعُ، وقدْ يطولُ صمتُه

لسببٍ نجهلُه

لكنَّهُ أبدًا

لنْ يغادرَ صورتَه

لن يخلعَ عنهُ طبيعتَه

لنْ يغيِّرَ ملامحَ وجهِه

لن يتخلَّى عنْ ألوانِه

ولن يصبحَ مع النِّسيانِ صيفًا.

مباركٌ بالبهاءِ والرقَّة

بالتجليَّاتِ الحرَّة

بالتدفُّقِ الساحرِ في الليالي المجنونة.

ميقاتُ روحِهِ الموسيقا

وحيثما كانت الأغاني كان.

أعرفُ أنَّ بجانبِكَ الآنَ علبتي بيرةٍ فارغتين، على الأقلّ

ومنفضةٌ مليئةٌ ببقايا السَّجائر

لكن أعرفُ أيضًا

أنَّ اسمَ ذلكَ الربيع

لا يزالُ عالقًا بين شفتيك

وطعمُهُ الحلوُ في فمِك

تعضُّ حروفَهُ ببطء

كما كنتَ تفعل

ببطءٍ ولذَّةٍ، واحدًا تِلوَ الآخَر

وتُلْمِسُهُ لسانَك.

نادِهِ باسمِهِ الآن

الآنَ، وغدًا

بنبرةِ صوتِكَ المتشظِّي أبدًا

بشمسِهِ الريفيَّةِ الدافئة

نادِهِ باسمِه

وإنْ تبدَّلتْ الأشياءُ، وضاعت الأماني

كما تنادي صديقًا مُغادرًا، أو حبيبًا غائبًا.

نادي الربيعَ باسمِه

في كلِّ الأوقات

غائبًا

متأخِّرًا

مهجورًا

قريبًا

نائيًا

مُتجاهَلًا

أو مَنْسِيًّا

نادي الربيعَ باسمِه

في كلِّ الأوقات

في الهَدْأة

في الغضب

في الصَّحْو

في العاصفة

في الجوِّ الغائمِ والمتقلِّب.

نادي الربيعَ باسمِه

في كلِّ الأوقات

في الصباح

في المساء

وعندَ الظهيرة

ستَخْرًجُ كلُّ الصور

كالراقصات، من غرفةِ الحُب.

لا تفعلْ شيئًا

انظرْ فقط

انظرْ من بعيد

يمكنُكَ أنْ تبتسمَ، إن شئت

يمكنُكَ أنْ تنسى، أو تتجاهلَ ما ستؤولُ إليه

يمكنُكَ أيضًا خَدْشَ بهجتِها بكلمةٍ غيرِ مقصودة

يمكنُكَ تمزيقُها بسكِّينٍ حادّ

يمكنُكَ أنْ تُطلِق عليها أسماءً، وصفاتٍ لا تشبهُها

ويمكنُكَ أنْ ترقصَ معها متماهيًا مع صورةِ العاشق،

صورتِكَ الأولى

الوسيمِ، اللطيفِ، الهادئِ، الودودِ، العَطُوفِ، كثيرِ التبسُّمِ، حلوِ اللسان.

ربما سيخفُّ لمعانُها قليلًا

لكنَّها لنْ تتجزَّأ

لن تغيبَ، ولن تتمزَّق

لن تتلاشى كفَقَّاعة

لن تموتَ من الوَحْشة

ولن تطفوَ على السطحِ كقطعةِ فَلِّين

ستتحوَّلُ مع الوقت

إلى فراشات

يمكنُنا مشاهدةُ تحليقِها الحُرّ

في السهولِ الخضراءِ الممتدَّة،

بينَ حينٍ وآخَر؛ لكن لا يمكنُنا التقاطُها، أو لَمْسُها مرَّةً أخرى.

ستصبحُ طَيْفًا

طيفًا خفيفًا ملوَّنًا

يتفتَّحُ في الأوقاتِ الداكنة

مثلَ قلْبٍ حالمٍ يَشِعُّ بينَ الغيوم.

ستتقاطر، كسِرْبٍ من الطيور، وسْطَ الزُّرْقةِ الهائلة

ستمرُّ مختالةً ببهائِها في الذاكرة

متَّقدةً، محفوفةً بالمَسَرَّات

كحبَّاتِ المطرِ العالقةِ في ذرَّات الهواء

كالنسائمِ الباردةِ التي تهبُّ في النهاراتِ الحارقة

كلونِ البحرِ الشفَّافِ في الصباحِ الباكر

كمذاقِ النبيذِ المُعَتَّقِ في السهراتِ الصاخبة.

هكذا إلى ما لا نهاية

ربَّما قدْ يصمتُ الربيعُ،وقد يطولُ صمتُه

لكنَّهُ أبدًا

لنْ يغادرَ صورتَه

لن يخلعَ عنهُ طبيعتَه

لن يغيَّرَ ملامحَ وجهِه

لن يتخلَّى عن ألوانِه

ولن يصبحَ معَ النِّسيانِ صيفًا.

خاص قنآص

فتحية الصقري: شاعرة عُمانية؛ صدر لها: «جمهور الضحك» 2016، «أعيادي السرية» 2014، «قلب لا يصلح للحرب» 2014، و«نجمة في الظل» 2011.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى