عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

وجوه ومرايا | سامر أبو هواش

الوجهُ، في المساء، صوتٌ.

دمعةٌ تنفجر بفعل العناصر.

سياراتُ إسعاف تهرع إلى موقع الحادثة.

حشراتٌ تندلع في الجدران. ساعات نهمة. لا شيء يكبح جماح العقارب.

الغبار، هو الآخر، صوتٌ. شيء يتهدّم من الداخل. الوقت يحمل معوله الصغير ويتقدّم عارياً بين الخرائب؛ يوم يومض من بعيد.

وجهكِ على السرير، في ألفة مكيّف الهواء. في حلم هيروغليفيّ آخر.

وجهي على حافة النافذة، يعوي بصمت.

الغرفة محطة قطارات ليلية؛ السرير رصيف. النافذة رصيف آخر. أقدام كثيرة تسعى. صوتي لا يصل أبعد.

وجهي في جدار أثريّ، في مدينة قديمة.

أبي، في رحلاته الليلية، بين البيت وغابة السرو، يتوقف من حين لآخر، وينفض عن ملابسه الغبار.

صوتٌ ندبةٌ. الضحكة، هي الأخرى، نقشٌ. لا أحد ينتبه إلى أنّ غياباً فادحاً قد سقط، مثلما يسقط كلّ شيء، مثلما تسقط حبّة رمل في جدار، مثلما ينوس وجه في العتمة.

مرآة بحجم سماء. وجوه تدخل وتخرج. وجوه تختفي. وجوه لا تختفي؛ لا تُرى. وجوه تظلّ عالقة في حجرات سريّة. وجوه تواصل زحفها تحت المطر، في دروب مقفرة، خلف أبواب.

والعيون الجائعة، في أماكنها الكثيرة، تظلّ تنظر، بعد أن تختفي كل الوجوه، بعد أن يذوب العالم في كوب، في همسة، في تنهيدة.

***

الحافة

يحدث أنني كلما وصلت إلى حافة، وجدت حافة أخرى.

قلْ حافة، قلْ هواء

قلْ غفلتك البديهية عن العالم؛

حيّز تكاد تحسبه حقيقياً كهلوسات قبل النوم

كالصرخات المكتومة في حنجرة صوفيّ قرّر في لحظة تجلّ، أن يبصر ما تحت جلد الكلمات

ما أكثر العالم وما أقلّه. غالباً ما يكون هذا فحسب:

كدمة في رأس فكرة تراودني فأطفو إلى لا شيء،

أو لعلني أطفو “نحو” لا شيء

وكلّ شيء يلمع في وجهي دفعة واحدة

ثم أجدني، في سيارة أجرة، وبجواري غريب يصف لي الحنان الذي يستبدّ به إذ يحتضن في الظلام كفّ زوجته

من بعيد كأنه يحلم

من قريب كأنه يموت

ثم نصبح في مشهد سينمائي بالأبيض والأسود.

الغريب يسدل قبعته فوق وجهه ويقول:

مرحباً بك في العالم الحقيقي.

*** 

ماذا تعلّمتُ أخيراً

المحبة نسبية/ متقلبة/ غامضة.

الكراهية دقيقة /ثابتة/ واضحة.

الثلج دائماً حيث لا تكون؛ وإلا فما الحاجة إلى ذكره. ككلّ شيء آخر.

كلّ حديث بين سائق العربة والراكب الوحيد في المقعد الخلفي، هو نتيجة التحديق الليلي في السقف، والخوف المستمر من الموت، كأنّ شيئاً سيقفز من نافذة، من مصباح منطفئ، من غبار.

لا أحد ينجو من حادث طائرة

حوادث الطيران كالخيانة أو كفلسطين؛ لا أحد يحبّ الحديث مطولاً عنها.

لا نعرف يقيناً ماذا تسمّي الأسماك أو الدببة حوادث الطيران.

النافذة المنخفضة دعوة ملتبسة؛ جدار مخاتل بين عالمين.

النافذة العالية مرآة صوفية، وجهة نظر، انتحار مؤجل.

بين النافذة المنخفضة والنافذة العالية مصعد يشبه بقعة شمس على مقعد حافلة تمضي.

الصورة قضت تماماً على العلاقة المربكة أصلاً بين الزمان والمكان؛ هكذا اختفى الفارق بين الطاولة التي تراها في هذه اللحظات ويفصلك عنها متران، والسيارة الرمادية موديل 1995 التي رأيتها أمس من النافذة على بعد شارع منك، وكيم كارداشيان التي تريك عبر الهاتف 87 % من نهديها.

ماذا لو قرّرت إجراء محادثة حميمة مع الطاولة؟ هل تحبل وتلد طاولات صغيرة كما يحدث في قصائد راسل إدسن؟ أم تظهر فجأة على النافذة حمامة حزينة تنقذ الموقف أو تفاقمه كما في قصائد أبي فراس؟

شارع، شخص يمشي في الشارع، شخص آخر يحمل سكيناً قنبلة مسدساً، شاحنة تخترق الشارع، طائرة تسقط أو لوحة إعلانية؛ أحدهم يموت على أية حال: أين المصادفة في ذلك كله؟ كل شيء يمكن أن يحدث في ثانية: عيناي تلامسان الأرض قبل عجلات الطائرة؛ رجل يقف على حافة النافذة ويقرّر القفز من الطابق الأول إلى الطابق السادس؛ امرأة تعتقد أن ما تراه في المرآة ليس وجهها حقاً؛ ابن زيدون يلتقي ابن عربي في مصعد برج شاهق؛ يتبادلان النظرات، ثم ينظران إلى الغيوم في الخارج. لا أحد يعرف ماذا يحدث بعد ذلك.

***

سامر أبو هواش: 

شاعر وكاتب وصحفي فلسطيني، ولدَ في لبنان عام 1972، عملَ طويلاً في الصحافة الثقافية وترأس تحرير ملاحق ثقافية عديدة، كما عملَ مديرَ تحرير موقع الإمارات 24، (2012 – 2017). لهُ مجموعة كبيرة من المؤلفات تجاوزت 30 عنواناً في كل من الرواية والشعر والتراجم. منها: “سوف أقتلك أيها الموت”. “سيلفي أخيرة مع عالم يحتضر”، “السعادة أو سلسلة انفجارات هزت العاصمة”، “ليس هكذا تصنع البيتزا”، “أطلال”. حصل على مجموعة من التكريمات وجوائز التقدير، منها تكريم وزارة الإعلام اللبنانية عام 2000.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى