إيمان أسامة: من محاكاة الواقع إلى الأسئلة الوجودية
بقلم: د. إنجي عبد المنعم
يمثل مشهد الفن التشكيلي المعاصر اليوم ساحة مفتوحة لإعادة قراءة المفاهيم الكلاسيكية وصياغتها في إطار التجارب الإنسانية الراهنة. وفي هذا السياق، يأتي معرض الفنانة التشكيلية المصرية إيمان أسامة، الحامل عنواناً يجمع بين الشاعرية والعمق: «درس تشريح – لو أن أحداً يلاحظ»، والمقام في قاعة «بيكاسو إيست»؛ ليمثل تحولاً فلسفياً وبصرياً لافتاً ينقل الخطاب الفني من حدود التقليد والمحاكاة إلى آفاق التفكيك والأسئلة الوجودية. ويتأسس المضمون الفكري العام لهذا المعرض على محاولة جادة وجريئة لاستكشاف أعماق الجسد الإنساني بوصفه عاملاً حيوياً للذاكرة ومستودعاً للألم، والاغتراب، والضعف الذاتي في مواجهة عالم مفرط في قسوته وتجاهله. ومن خلال استخدام أسلوب التفكيك السريالي أداةً للنقد والتحليل البصري، تعمد إيمان أسامة إلى تفكيك عناصر الواقع المألوفة وإعادة تركيبها في بيئة تشبه الحلم، تزدحم بالرموز والدلالات النفسية؛ باحثةً عن خيط رابط يجمع بين فكرة العنوان، ومجموعة الألوان المستخدمة، والرموز الهندسية والعضوية، محققةً في الوقت ذاته تقاطعاً معرفياً وتاريخياً مدهشاً مع مدارس وفنانين من تاريخ الفن الغربي الكلاسيكي والمعاصر.
تظهر عتبة المعرض، والمتمثلة في العنوان، كصراع درامي صامت يتكون من شقين متوازيين ومتناقضين في آن واحد؛ فالشق الأول «درس تشريح» يوجه وعي المتلقي مباشرة إلى طبيعة الفعل الاستكشافي العقلاني الكاشف، المتطلب اختراق الغلاف الخارجي للوصول إلى الحقيقة المتخفية في الداخل، وهو فعل ينطوي على رغبة قوية في الفهم واستيعاب الذات المعذبة. أما الشق الثاني «لو أن أحداً يلاحظ»، فيتدخل فجأة ليزيح الثقل من التفسير العلمي الجاف إلى أبعاد نفسية تفيض بالوحدة المفرطة والرجاء المكتوم، وكأن هذا الجسد الذي يقف مستسلماً تحت وطأة الفحص البصري والنفسي يصرخ بصمت تام، متمنياً أن يلتفت إليه عابر أو يشعر بانكساره أحد. هذا التمازج بين الرغبة في الكشف والتوق الشديد للاهتمام والتعاطف يشكل النواة الرمزية التي تدور حولها الأعمال المعروضة، محولاً قاعة العرض إلى قاعة تشريح كبرى تفيض بالمعاني والمشاعر والاعترافات السرية المكتومة.
ثنائية الضحية والشاهد

ويتضح هذا التوجه في الرؤية العامة لأعمال المعرض وصياغتها للوجوه والأجساد؛ حيث تطالعنا الشخصيات بملامح تنتمي إلى عوالم الأحلام والرمزية المطلقة، متمثلةً في نساء ذوات عيون سوداء واسعة خالية من المآقي التقليدية أو الحدقات المتحركة، لتتحول العيون إلى فتحات عميقة تنظر نحو الداخل النفسي بدلاً من استكشاف العالم الخارجي. وفي المقابل، تتجاور الوجوه والأجساد مع عناصر بيئية قاسية ونباتات شائكة كالصبار الكثيف والمزهر في آن واحد، لتعبر الفنانة إيمان أسامة من خلال هذا التباين عن ثنائية الضحية والشاهد. إن هذه الكائنات الأنثوية الشاخصة في فضاء اللوحات تدعونا، بوقفتها الثابتة ونظرتها العميقة، للمشاركة في درس التشريح الخاص بها، موجهةً سؤالاً بليغاً للمتلقي حول قدرته على ملاحظة الألم الإنساني الكامن والشرخ النفسي المستتر خلف الثياب المنسقة والتفاصيل الخارجية الأنيقة، التي تحاول بها الذات مداواة جراحها وتجميل اغترابها.
ومن أغنى المساحات النقدية في هذا المعرض ذلك التقاطع الفني مع تاريخ الفن العالمي، الذي تظهر فيه قدرة إيمان أسامة على تفكيك الموروث الكلاسيكي بجرأة لافتة؛ إذ لا يمكن للمشاهد الواعي بصرياً أن يمر على عبارة «درس تشريح» دون أن تستدعي ذاكرته فوراً شاهكار* الفنان الهولندي الشهير رمبرانت «درس التشريح مع الدكتور نيكولاس تيلب» المنجَزة في القرن السابع عشر. في تلك اللوحة الكلاسيكية، نرى جسداً مستلقياً تحيط به عيون الفضول العلمي البارد وسطوة المعرفة الطبية التي تتفحص الأوتار المكشوفة، لكن إيمان أسامة تقوم بقلب الطاولة تماماً على هذا المشهد التاريخي لتصيغ رؤية سريالية معاصرة تنحاز للداخل لا للخارج. ففي أعمال المعرض، يختفي الجسد المادي المستلقي ويتحول المشاهدون والأطباء إلى كائنات رمزية غامضة، يرتدون أقنعة بيضاء تحاكي الياقات التاريخية المستديرة القديمة، في حين يتحول فعل التشريح نفسه من تقطيع اللحم والعظم إلى مجرد يد معزولة تتحكم بخيوط واهية تربط كائنات بحرية صامتة كالأصداف، المحتوية في جوفها على لآلئ فضية لامعة مقيدة بحبال وثيقة وأوتاد مدببة. هذا التحول البليغ ينقل عملية الفحص من مستواها الطبي البارد إلى مستوى الكينونة الإنسانية، ليكون التشريح هنا فحصاً للسر المصون، والنقاء الداخلي، والألم المحاصر بالقيود.
سريالية الفن

ويستمر التأثر بمدارس الفن الغربي والسريالية متجلياً في نسقين هندسيين صارمين؛ أولهما: نسق الدوائر المنقطة المستحضر لعوالم اليابانية «يايوي كوساما»، غير أن إيمان أسامة تطوع هذه المفردة لمسار فلسفي مغاير؛ فتحول الدوائر إلى غطاء واقٍ أو دروع نفسية تحمي هشاشة الجسد من قسوة العالم الخارجي. أما النسق الثاني، فهو نمط مربعات الشطرنج الممتد من تقاليد السريالي البلجيكي «رينيه ماغريت»؛ حيث تكتسي الأجساد والفساتين بهذا النسيج الهندسي الرمادي والأبيض، المتشابك مع عناصر متناقضة كفرشاة شعر بسيطة، أو هالات من السلك الشائك تطوق الرؤوس كتيجان مقدسة معذبة، ليعلن النسيج تحول الجسد إلى مساحة للعبة ذهنية خاضعة لقواعد السيطرة الخارجية.
وتكتمل هذه البنية بحركة لونيّة مدروسة نفسياً؛ تتحرك بين مستويين يخدمان ثنائية الخفاء والعلن. فمن جهة، تسيطر ألوان حلمية أثيرية من مشتقات الأزرق السماوي، والأخضر الصباري، والباستيل، لتمنح العمل غطاءً شاعرياً يعبر عن فضاء الحلم وعمق الصمت، فيبدو العمل من الخارج ناعماً ومضللاً. وفي المقابل، تقتحم هذا الهدوء ومضات لونية صادمة كالأحمر الدامي، والأسود الحالك، والأزرق النيلي؛ لتعبر عن الجرح الحقيقي وفعل التشريح المستتر، متجسدة في خطوط رأسية حادة وشرائط عريضة تعقد فوق الأجساد المحاصرة بالغيوم، معلنة فجيعة تحويل الجسد البشري الهش إلى مجرد طرد مغلق معروض للفحص تحت سماء الغموض الوجودي.
ثنائية الخياطة والنزيف

وينسحب هذا الثراء الرمزي على تحويل المفردات البصرية من ثنائية الأبعاد على سطح اللوحة إلى أبعاد ثلاثية في المنحوتات. ويظهر هذا الانتقال عبر استخدام تقنيات التبطين والقماش لإنشاء مجسمات ملفوفة بأربطة أفقية تجعل الجسد كالمومياء أو كالأطراف المضمَّدة بعناية بعد جراحة كبرى، مغطاة بأزرار ورموز حلمية كالفراشات والتحولات القمرية. وتصل هذه الصياغة ذروتها الفلسفية حين تعيد الفنانة ترتيب البنية التشريحية للإنسان؛ فترفع القلب البشري المصنوع من الطين لتضعه فوق الرأس بدلاً من الصدر، في إشارة بالغة العمق تعلن صدارة العاطفة والألم على العقل، ليصبح القلب هو التاج والمحرك الأساسي للوعي.
وهنا، يتوج هذا الأسلوب التفكيكي عبر ثنائية الخياطة والنزيف الرمزي المهيمنة على البناء الهيكلي؛ إذ تبرز خطوط رأسية حمراء كثيفة من خيوط مشدودة بغرز متقاطعة تحاكي خياطة الجروح العميقة، لتقف على قممها فراشات صغيرة تمثل الانعتاق النابت من رحم المعاناة. وتختصر هذه المفردة معادلة المعرض في أن التشريح النفسي يترك ندوباً لا تُمحى، لكنه يظل السبيل لولادة الوعي الجديد؛ تماماً كتقنيات ترميم الخزف المكسور بالذهب في الثقافات القديمة، حيث تتحول الشقوق الناتجة عن التمزق الداخلي إلى مساحات جديدة للتزهير، والنماء، والجمال المنسوج بالحياة من جديد، مُحولةً المعرض في مجمله إلى مكاشفة نفسية تنحاز للذات الإنسانية، وتطلق صرخة دافئة تحثنا على تجاوز بريق المظاهر الخارجية لنبصر القلوب المشرَّحة، على أمل أن يلاحظ هذا الألم أحد.
- شاهكار: كلمة فارسية تعني التحفة أو العمل الفني العظيم
د.إنجي عبد المنعم؛ فنانة تشكيلية وناقدة فنية مصرية
