جدتي التي أحبت من أجلي السنافر
كانت جدتي تراقبني من خلف النافذة، بينما ألهو مع الصغيرات حول حديقة المنزل، بدأت السحب تتجمع مثل كرات من البلور الفضي، والشمس أسدلت ستائرها بهدوء ورحلت، ثم أذنت السماء للثلج بالسقوط، ارتعشت الرفيقات وهربن، ووقفت وحدي أدق الباب بيدي الصغيرة، محاولة الهرب من صرخات البرد، وعيناي تمتلئان بالخوف والانتظار.
سمعتْ جدتي ارتعاش قلبي وقلقه، انتفضت على عجالة أخذتني بين ذراعيها تخبئني من مطاردة الصقيع بقبلات ممزوجة بالحب، أدارت نحوي التلفاز، وتركتني أشاهد مغامرات السنافر الشقية، ثم ذهبت تطهو لي طعاماً، كانت سنفورة، تزين شعرها أمام المرآة، وهي تردد كلمات مضحكة، يثني على جمالها بابا سنفور، فيزيدها جمالاً.
تتسرب رائحة كعك جدتي اللذيذ، إلى روحي، تمتلئ غرفة جلوسها بالسعادة، وتتسجّل في ذاكرتي لحظات لا تستطع قسوة الزمان محوها، صوت سنفور الحكيم، يجعلني أشعر وكأنني أكبر، وأنا أعيش بينهم في قريتهم الساحرة، وبيوتهم الملونة التي لطالما كانت رمزاً للبهجة والسرور، بتصميمها المتناغم وترتيبها المنظم.
تعود جدتي إلى الأريكة، تجلس بجواري وتبدأ تُعيد على مسامعي شرح شقاوة السنافر، تأخذ من حياتهم العبر وتحكيها من جديد، صنعت لي في منزلها مدرسة أخرى للحياة، تستمد من الكائنات الزرقاء اللطيفة حب الآخرين من محبتهم لبعضهم وتعاونهم فيما بينهم، وتكاتفهم في دفع الشر عنهم، وبالمثل تدفعني لمشاركة الجميع في الخير.
تلتف أصابعي بإحكام رقيق حول يديها الناعمة، وهي تحذرني من العبث، كما كان يعبث شرشبيل وقطه هرهور الشرير، تعلمني ألا أكون كسولة مثل سنفور الكسول، وأن أغسل أسناني في الصباح وقبل النوم، وأن أرتب حجرتي، وأضع ألعابي في صندوقها، وأن أساعد الآخرين حتى أصبح قوية مثل سنفور القوي، ومن ثم أستخدم قوتي في مساعدة أمي بالمنزل، كما كان سفنور يحمي قريته بقوته.
كنت أقضي إجازة الصيف من كل عام في منزل الجدة، التي تخصص وقت إذاعة حلقة السنافر لمشاهدتها معي، تترك كل الدنيا، وتبقى جانبي، كانت تتحول طفلة مثلي، وتتفاعل مع كل مغامرة كما أفعل، واستخدمت قصصهم كلما أرادت أن تعلمني حكمة جديدة.
أهدتني الجدة في عيد ميلادي التاسع، لعبة على شكل سنفورة لأنها أجمل من يعيش في القرية الساحرة العجيبة، والجميع يحبونها لنبل أخلاقها، أحببت لعبتي الجديدة ذات الشعر الأصفر اللامع، خصصت لها مكاناً مرموقاً في قلبي واعتنيت بها في صندوق ألعابي، واعتادت الجدة تصفيف شعري كما تصفف سنفورة شعرها، وصنعت لي على يديها فستان أزرق كما فستانها، حتى أصبحتْ سنفورة صديقتي الخيالية.
أحبت جدتي حديقتها، كما يحب السنافر قريتهم، علمتني زراعة الأزهار ورعايتها بالضبط كما كانوا يعتنون بالأشجار، كانت تجمع الصغيرات من أبناء الجيران وتدربنا، وكوسيلة تشجعنا على مداومة الاعتناء بالزراعة، أخبرتنا أن داومنا على رعاية الحديقة ستتحول إلى قرية ساحرة مثل قرية السنافر.
كَبرتُ يا جدتي وعرفت أن الحديقة لن تصبح قرية ساحرة، لكنها بالكاد عامرة بصوتك وتحفظ لمسات أصابعك على جذورها الشائخة التي كانت صبية بالماضي، ومغمورة بالحب، هذا الحب الذي يتحول سحراً ويعيدنا صغاراً في ليلة وضحاها، تخطف روحي موسيقى كرتون السنافر وأتذكر خفقان قلبكِ عندما كنت أودعك للذهاب للمدرسة.
كبرتُ وأصبحتُ أمّا، شامخة كشجرة نخيل صبية، لكنها تعيش بذاكرة طفلة، روحها معلقة في أهداب ذكرياتك، أستعيد الماضي وأنا أشاهد مع طفلتي شقاوة السنافر، أسمع ضحكاتهم وأتذكر ابتسامتك وحنان ذراعيكِ وقبلاتك، أراقب صغيرتي وهي تلعب بعروستي سنفورة التي احتفظت بها حتى هذه اللحظة من أجلك، أرى في وجهها سنوات عمري الأولى حينما كان كل همّي أن يفلت السنافر من حماقة شرشبيل.
لم أعد أخاف يا جدتي من هرهور الشرير، الأمومة صنعت مني امرأة قوية، قادرة على حماية أسرتها وقريتها من ألاعيب الأشرار، سأحكي لصغيرتي مغامرات السنافر، وأعلمها محبة الجميع، أجعلها تسقي الأزهار وتغني للطير والأشجار وتحب الحياة كما منكِ تعلمت.
*****
الكاتبة المصرية شيماء اليوسف
