Site icon منصة قنّاص الثقافية

مِداد الفجيعة في دهاليز بيت الحكمة | نزار لعرج

بيت الحكمة

بيت الحكمة، بغداد

سكونٌ رصاصيٌّ يغلف رئة بغداد، والقمرُ فوقها عيناه مسمولة ترقبُ سهلاً الورّاق وهو يَنْسلُّ كخيط دخان في دهاليز بيت الحكمة. عند مدخل السرداب المحظورالذي تُحبس فيه الكتب التي لا تجوز قراءتها وتوضع فيها كوابيس الناس التي يقايضونها بكتاب ما، استوقفه الحارس مُقبل، ذاك الشيخ غليظ الرقبة.

سدَّ مقبل الطريق برمحه، وقال بصوته الجهوري الذي يخرج كحت الغبار:

ابتسم سهل ابتسامة باهتة، واقترب من الحارس بخطوات هادئة، ممسكا بيده قارورة فضية صغيرة تنبعث منها رائحة المسك الملكي، وقال:

ارتبك الحارس من فيض الكلمات، فتابع سهل بمكر وهو يفتح القارورة تحت أنف مقبل مباشرة بحجة أنه يُطلعه على عطر أهداه له كبير الحكماء:

كانت القارورة تحتوي على نَفخة المَرْقَد؛ مزيج مقطّر من البنج والشوكران والماندراكورا. لم يكد مقبل يستنشق العبق النفاذ حتى ترنّح، وسقط الرمح من يده مرتطما بالرخام بصلصلة مكتومة، ثم تهاوى جسده جوالا من الخيش، ليدخل في سبات عميق لن يفيق منه إلا ناسيا اليوم برمته، وقد كُتب حينها التاريخُ من جديد.

تجاوز سهل الجسد الهامد، ووقف أمام البوابة العظيمة الموصدة بطلسم من الرصاص في بيت الحكمة. كان هناك تجويفٌ رخاميٌّ غائرٌ يشبه الأذن. كان يعلم الثمن، لكي يفتح معمل الرؤى أبوابه، على الداخل أن يهبه أجمل ذكرى يملكها. أغمض سهل عينيه، واستحضر صورة وجه أمه وهي تغني له عند دجلة منتظرة عودة والده الذي غادر في زورق ثم انقطعت أخباره، ورائحة الخبز، وضحكته الأولى. أحسّ بانتزاعٍ عنيف من أعماقه، كأن يدا غيبية تجتث جذور الفرح من قلبه. وفي لحظة، فُتح الباب، لكن سهل نسي تماما وجه أمه. لقد أصبح وعاءً فارغا جاهزا للامتلاء بالكابوس.

دلف إلى القبو. كانت الجرار تصطف. فتح الجرة الكبرى، غياهب الفقد، فاندلع منها سواد كثيف. غمس ريشته العظمية وبدأ يكتب على رق من جلد غزال مات كَمَدا. الكلمات تشنجات باطنية؛ صور مشوهة لمكتبة عظيمة تحترق، وعشاق يتواصلون عبر مرايا من زجاجٍ مكسور. كان يمزج في قصته بين زمن هارون وزمنٍ آتٍ تكون فيه الأرواح أرقاما. ميتا-سردية تمزقُ الحجاب، يعلم بموجبها الشخصية أنه داخل نص في كتاب؛ فالكلمات تخفق تحت عينه، يرى وجه نوّار يتشكل من المداد، يراها تبتسمُ ابتسامة لا تخلو من خدر وهي تقبلُ به زوجا لشدة ما أذاقها من رعب ممتع.

كل ذلك لأجلها. ٱه من الحب وما يفعل بنا، ها هو سهل يقترف أكبر حماقة في التاريخ لأجل نوّار، ابنة صاحب الزمام، تلك التي لا يثير حواسها المتعبة بيان، ولا يهزّ ركانة قلبها غزل قديم ولا يضيرها وقوف على طلل. هي امرأة جُبلت من طين الرفض، أعلنت أنّ من يملكُ يدها هو من يأتيها بنص يقطرُ وجعا غير مسبوق، نص تتجسد شياطينه بين السطور فتشهق له الأرواح. استمرّ في الكتابة وهو يستحضر صوتها من وراء الحجاب حتى اختلط الحبر بدمه. غدا الورّاق والكابوس والورق ثالوثا واحدا. كلما خطّ جملة، سقطت قطعة من جسده؛ أصابعه بدأت تتلاشى لتتحول إلى ريش، وعروقه أصبحت خطوطا سوداء من مِداد.

في لحظة التمام، أطبق الجفن على الرؤيا. كان النص يرتجف قلبا ذبيحا على المنضدة. التفت سهل ليرى خياله على الجدار قد انفصل عنه، بدأ الخيال يقرأُ النص بصوت جهوري زلزل أركان بيت الحكمة. سهل الورّاق يقترف عملية استئصال تبعا لفلسفته التي تذهب إلى أن الوجود لَبِس رداء من الأوهام اللغوية، وأن الحقيقة تكمن في النقطة التي تسبق البدء، أو في البياض الذي يتلو الفناء. ولكي يمنح نوّار نصا يقطر وجعا، كان عليه أن يستأصل المعنى من عروق المدينة ويودعه في محبرته.

منذ وقوفه أمام معمل الرؤى المحظور وهو يفكك زمنه الشخصي ليُحِلّ محله زمنا كونيا لا يخصه وحده. عندما سقطت صورة وجه أمه من مخيلته، فقد مفهوم الجذر. صار كيانا بلا أصل، فراغا محضا مُعدا لاستقبال تجلي الفجيعة. وما الكلمات التي انهمرت من ريشته غير معادل وجودي للخراب.

وبينما كانت نوّار في شرفتها السامقة اليوم التالي، تفض ختام الرق الأرجواني، كان العالم في الخارج ينصاع لإيقاع السطور. كان زحف هولاكو، ذاك الغريب المتوحش استجابة ميكانيكية لخلخلة المعنى التي أحدثها سهل.

إنَّ فداحة الجمال في النص، استدعت فداحة القبح في الواقع ليتوازن الكون. دخلت خيول المغول بغداد لتغير معناها. كانوا أدوات مَحْو لِعيَّنة جيء بها لمسح الصفحة من التاريخ.

عندما حُملت كنوز بيت الحكمة لتُلقى في اليم، تحول دجلة الذي ابتلع والد الوراق من نهر جغرافي إلى نص سيال. اختلاط المداد بالدماء كان الالتحام النهائي بين الروح والكلمة، وكان الشاهد الكبير على حضارة عظيمة انطلقت من هنالك. صار دجلة هو الرق العظيم الذي كُتب عليه تاريخ الفناء بالمداد. ونوّار، التي كانت تطلب نصا يهز ركانة قلبها، وجدت نفسها تقرأ السطر الأخير.

«إنّ الوجع الذي طلبته يا نوّار، هو فراغ داخلي يُعاش.. وها أنا قد أفرغت بغداد من روحها لأملأ بها سطوري، فاستمتعي بالصمت المميت». – سهل الورّاق

في خضم هذي التحولات المخيفة، انحلّ سهل في الهواء استعارة لغوية انتهت وظيفتها. لقد أثبت الورّاق أن الكلمة هي العلة والخراب الأخير. بقت بغداد منذ ذلك الحين مدينة مسكونة بالحبر، كلما ارتفع منسوب مائها، فاحت رائحة المسك والزعفران.. رائحة سهل الذي أحرق العالم ليُرضي امرأة، ورائحة نوّار التي اكتشفت متأخرة أنّ بعض النصوص لا تُقرأ إلا بالدموع، ولا تُكتب إلا بالفناء الشامل.

*****

القاصّ المغربي نزار لعرج

بيت الحكمة

خاص قنّاص – جسد السرد

طالع المزيد

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات