Site icon منصة قنّاص الثقافية

الرحلة أين.. البيرو حيث الصعود إلى الغيم | خليل النعيمي

خليل النعيمي

الروائي السوري خليل النعيمي في جبال الأنديز

خليل النعيمي: البيرو حيث الصعود إلى الغيم

إعداد عماد الدين موسى

تنشر قنّاص في هذا الملف المتسلسل سيرة مكان يسرد فيها كُتّابنا الأعزاء رحلتهم، مُقتفين أثَرَ الانعطافات في الروح والزمن. إنها الرحلة أين؛ هناك حيث سنلتقي.

الرحلة أين مع الروائي السوري خليل النعيمي؛ يصعد بنا إلى جبال الأنديز «نقطة نقطة»، إلى «ماتشو بيكشو»، حيث الفجر مهيب. مملوء بالتوجّس والانتظار والرغبة في الاكتشاف. وفَرادة الأحجار تثير العجب، إن لم يكن الإدهاش.

***

في الرابعة صباحاً نخرج ملْهوفين من الفندق الصغير الواقع في قلب «أغوا كالْيَنْتيْسْ»، المدينة الاصطناعية التي أقيمت خصوصاً من أجل أن تكون المحطة الأخيرة للزائرين القادمين من شتى أصقاع الأرض، قبل أن يحجّوا إلى «ماتشو بيكشو». وهي تعتبر مثل درْع جغرافي لحماية هذ الأثر الذي لا يُضاهى. الزائرون يدخلون إليه «نقطة نقطة»، أو بالقَطّارة، إذا شئنا. ولذا فمن لا يدخل اليوم سينتظر حتى يستطيع التسابق من جديد غداً. كان طول صف المنتظرين عند الساعة الرابعة فجراً أكثر من كيلومترين. زائر لصق آخر. الكل يرتجف من برد الفجر في الأنديز. الكل ينتظر الخلاص عندما يضع مؤخرته فوق مقعد إحدى الباصات العملاقة التي لا تكف عن الذهاب والإياب ساحبة البشر كالفئران المأزومة في أجوافها الدافئة نحو الغيم الأعلى من جديد، حيث الاكتشاف الأكثر إذهالاً من كل ما عُرِف من آثار الهنود إلى الآن. إنه يعادل اكتشاف الأهرامات في مصر، كما يقولون. 

الأُخوّة الإنسانية تتَجلّى في أعلى درجاتها أمام الإبداع. بشر يتخالطون بعقوبة وودّ في برد ذلك الفجر المجلّل بالنَدى. بشر من كل الأصقاع، والمذاهب، والديانات، والثقافات، يجتمعون كأخوة في انتظار اكتشاف آثار مَنْ سبقوهم من الهنود الأوائل. الإبداع هو الذي يوَحِّد العالمين، في الحقيقة. هكذا كنت أفكِّر هنا، كما كنتُ أفعل وأنا أقف ساعات أمام الاهرامات الأسطورية في صحراء مصر، مسحوراً. لا دوغْما، ولا تَلْقين، ولا دعوة. لا ترْهيب، ولا ترغيب. كلنا جئنا بمحض إرادتنا. نريد أن نرى، وأن نعود إلى ديارنا. ولكننا لن نعود كما جئنا، منذ أن نشاهد الروعة الإنسانية في حالتها الأكثر إدهاشا.

أخرج وحدي من طابور الانتظار الطويل الطويل. وأروح أمشي نحو جدول النهر الصغير، لأقترب أكثر ما يمكن من صفحة الماء. وأرى عن كثب كيف تتكسّر المياه على صخور الجبال الملقاة بأناقة فوق الأرض. هكذا أواجه الجبال العظمى التي كانت قبل قليل ملتحمة بالسماء. وأجدني أصرخ في صمت الفجر البارد: أيتها الجبال! أيتها… ولم أكمل لأن الواقفين بالقرب مني صاروا يتهامسون، وقد سمعوا صراخي. وأكتفي بالنظر. والنظر، أحياناً يحكي. فجر الأنديز مهيب. مملوء بالتوجّس والانتظار والرغبة في الاكتشاف. وبالخصوص بحافز المعرفة. معرفة آثار هذا الكون الذي لا معنى له من دونها. لنسافر أكثر، وأبعد، علّنا نكتشف بعضها. هنا نحن تحت الغيم بقليل.

أخيراً، نحن فوق الغيم، في قلب الموقع الأثري الفائق الروعة: «ماتْشو بيكْشو». الدليل الهندي المتبَتِّل يشرح لنا بصوت خافت، وكأنه يكلّم آلهته القديمة، يشرح لنا عن «باشا ماما» الأرض الأم التي يقدسها الهنود. وهي أصل الحياة عندهم. فلسفتها، كما يقول، تقوم على الحب والسلام واحترام الكائنات التي تتعايش فوقها، لا الأحياء فقط، ولكن حتى الأحجار والأشجار والماء، والرياح، تستحق الحب والسلام. ونستمع إليه مذهولين من أناقة الجدران البيض التي تتسلّق الجبال، وكأنها أفاعٍ عملاقة. فوق القمة، حجر القرابين المقدس. وهذه البقعة، يتابع الشرح، كانت النقطة المركزية في كون الهنود الأنكا. حولها تدور الأماكن، كلها. ومنها تتفرّق الجهات. ولكن ماذا كان يملك الأنكا، يومذاك؟ كانوا يملكون كل شيء، يقول الهندي الفتى. يملكون الجبال والصخور والغابات وسيول الماء والغيم الذي ترونه الآن تحتنا. وحول هذه العناصر الجوهرية صاغوا فلسفة حياتهم العظيمة.

«ماتشو بيكشو» هائلة الروعة. جبل ـ مدينة من حجر وشجر وماء. مساطبها مزروعة خضراء. وقنواتها المائية شديدة التعقيد هندسياً. شوارعها ضيقة تختفي بين القمرات. وساحاتها تداوير صغيرة تطل على الغيم، مباشرة. أحجارها بيض عملاقة، ومنحوتة بشكل هندسي آسر. لا يمكن لحجر أن يأخذ مكان حجر آخر. فَرادة الأحجار تثير العجب، إن لم يكن الإدهاش. فيها، صرت متأكداً أن لا أحد يَدَّخر الزمن كالحجر. الحجر يحفظ التاريخ، ونحن نبذِّره. مشاهدها خارقة، مع أنها تبدو طبيعية. لا شيء يمكن أن يعادل هذه الروعة في الوجود. كنت أحلم بأن أرى بالخلود، ذات يوم، وإذْ به يتجلّى أمامي الآن بأبهى صوره. حتى أن الإنسانية، نفسها، تبدو جزءاً هامشياً من هذه الروعة التي تكاد أن  تدفعني إلى الشك بوجودي.

*****

اقرأ أيضا في قنّاص:

إضاءة على رواية «زهر القطن» للأديب خليل النعيمي | وداد سلوم

خاص قنّاص – سير ورحلات

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات