Site icon منصة قنّاص الثقافية

فصل من رواية «لا قوس قزح في الجنة» لـ نويل نجيكيري | ترجمة عاطف الحاج سعيد

زيتون

دار الريس، الشارقة، 2025

زيتون

زيتون

زيتون: فصل من رواية (لا قوس قزح في الجنة) الصادرة في 2025م عن دار الريس للنشر والتوزيع والترجمة، الشارقة، وستكون متاحة في معرض الرياض القادم للكتاب. وهي الرواية الفائزة بالجائزة الكبرى لأفريقيا جنوب الصحراء في 2022م.

المؤلف: نويل نجيكيري (سويسري- تشادي)، ترجمة عاطف الحاج سعيد

***

في أواخر القرن التاسع عشر الموسوم بحديد العبودية المحمّى، ارتكب فتى حماقة أن يُولد في قلب تبلدية. كان اسمه زيتون. ينتمي إلى أسرة مسلمة من ماسينيا، عاصمة مملكة باقرمي. وكان قد تجاوز لتوّه عتبة الثانية عشرة. وبسبب صحته الهشة التي لم تنفك تعاني من الأمراض المتوطنة في المنطقة، حرص والداه حتى ذلك الحين على تجنيبه الطقوس التقليدية التي تُعدّ المراهقين للانتقال إلى مرحلة البلوغ. غير أن والده، وقد عاد للتو من حجٍّ إلى الأرض المقدسة، رأى أنه قد آن الأوان لإعادة الابن إلى موقعه الطبيعي بين أترابه. فقرر أن يحرره من غلفته ليصير أخيرًا ذكرًا مكتمل الرجولة.

وكان لا بد من التعجيل بهذا الحدث لسبب بالغ الأهمية. فقد أحضر الشيخ، بعد احتياطات لا تُحصى، قنينة صغيرة من ماء زمزم، النبع المقدس الشهير في مكة. ووفقًا لكل الفقهاء الذين استشارهم قبل سفره، فإن قطرة واحدة من هذا السائل الثمين تُسكب على حشفة الصبي النازفة بالدم، كفيلة بأن تضمن له مدى الحياة صحة كصحة شجرة التبلدي، وفحولة كفحولة قرد البابون!

وهكذا كانت المناسبة تعدُ بحفل مزدوج. فإلى جانب الاحتفال بختان زيتون، سيتم كذلك الاحتفاء بمنح والده لقب «الحاج» الذي ناله لتوّه بعد عودته من الأراضي المقدسة. ورغم ما كانت تعانيه المملكة من ندرة وشح في الموارد، لم يتوان الأب عن استنزاف آخر ما يملك لتكون المراسم في مستوى الحدث. وعلى بُعد أربعة أيام من الجمعة المحددة للوليمة، كانت ثلاثة خراف ممتلئة الجسم تتجوّل في حظيرة البيت. وكانت، وكأنها تستشعر نهايتها الوشيكة، تثغو بحرقة تمزق القلوب كلما اقترب منها إنسان. غير أن الجميع سيكتشف قريبًا أن هذه الحيوانات كانت تتنبأ بمصائب أخرى أكثر هولًا.

كان ذلك يوم الخميس الذي سبق الموعد المقرر. في ساعة الندى الملكي، جاء بعض من جنود المبانغ عبد الرحمن جورانج الثاني لاقتناص عائلة زيتون وهم في غفوة النوم. تم تقييد الكبار بإحكام، كما تُربط سحالي الورل المعدّة للبيع في السوق، واقتيدوا بالقوة إلى حظائر العبيد المظلمة. أما الأطفال، فقد سيقوا إلى الساحة الممتدة بلا نهاية أمام القصر الملكي، حيث تم توزيعهم بين مئات من أقرانهم، كثير منهم خُطفوا من قبائل وثنية تعيش إلى الجنوب من باقرمي. وتم تقييد كل واحد منهم على حدة، ثم شُدّ إلى غريب تام بواسطة شِعْبة*.

وبعد أن تخلت الشمس عن تجفيف دموعها، سُيّرت هذه الزمرة من الصغار باتجاه الشرق. فقد كانت مرسلة إلى مملكة ودّاي كتعويض جزئي عن ضريبة الألف ثوب التي كان على مبانغ باقرمي أن يدفعها سنويًا لسيده الأعلى. تأثر جيران عائلة زيتون بالمحنة الظالمة التي حلت بها، فحاولوا إقناع السلطات بأن هذه الأسرة طالما افتخرت بانحدارها من سلالة متجذّرة في الأمة، جماعة المؤمنين، منذ أزمنة سحيقة. فجاءهم الرد بأن الأسرة المسلمة الحقة لا يجوز لها أبدًا أن تحتفظ في وسطها بصبي غير مختون بعد البلوغ، وأن مثل هذه الممارسة تنتمي إلى أكثر أشكال الوثنية فظاعة. وقد تكررت هذه الحجة وأُعيد ترديدها على ألسنة الشيوخ الأكثر احترامًا في المدينة، حتى أُخرس الجميع.

***

كان زيتون ورفاقه في الشقاء، وكان ثلثهم تقريبًا من الفتيات، يسيرون بانتظام، تمسك الشِعَب بأعناقهم، تحت عصا الجنود الذين كان تحريك السياط بأيديهم سهل كسهولة الضغط على الزناد. كان أمامهم مسيرة تقارب دورة قمرية كاملة. كانوا يُوقَظون مع أولى نسائم الفجر حين تبدأ الرطوبة في التسلل إلى الهواء معلنة قرب بزوغ النهار. كانوا يسيرون، ويسيرون، ويسيرون ما دام قرص الشمس لم يبلغ كبد السماء متوهجًا. وحين يحلّ وقت الظهيرة، يتوقفون اضطرارًا تحت وطأة حرارة يكاد لفحها يُزيل الشعر، حرارة تعكسها الكثبان في شكل أبخرة تلد السراب.

وكان أفراد القافلة يغتنمون هذه الاستراحة للتحايل على جوعهم بطرق شتى. فبينما كان الكبار يتناولون ما شاءوا من المؤن الوفيرة المحمولة على ظهور الجمال، لم يكن يُسمح للأطفال إلا بحصة من الماء تُستخرج من القرب الجماعية، وكان عليهم أن يعثروا بأنفسهم على ما يسد رمقهم في الأدغال. ولتحقيق ذلك، كانت تُفك قيود أيديهم مؤقتًا. لكن هذه الحرية الجزئية، الممنوحة لليدين فقط، سرعان ما تفقد معناها أمام التحدي الكبير الذي تمثله صعوبة التكيّف مع صلابة الطوق الذي يربط كل واحد منهم بقرين له كأنه توأم سيامي. وهكذا، يتحول الانحناء أو القرفصة أو النهوض أو الالتفاف إلى تمرين شاق يتطلب تنسيقًا دقيقًا. أما إذا كان هناك فارق كبير في الطول بين أفراد الثنائي، فقد كانت المعاناة تتضاعف، بما لا يُنكره حتى أشد أنواع التواء الرقبة قسوة.

لحسن الحظ، كانت السافانا تزخر بأشجار التيبورا، وهي أشجار يستخدم قشرها المطحون كصابون، ويصلح لبّها للأكل. ومن حين لآخر، تنتصب أشجار التمر هندي المرصّعة بثمار محبوبة جدًا. وأحيانًا، تقع بعض الجرذان أو السحالي أو الأفاعي، المرهقة من وهج الشمس، في الفخ، وبمجرد شيّها بشكل سريع، كانت تكمّل هذا النظام الغذائي الغنيّ بإمكانات التسبب بالإسهال.

رغم ذلك، كان هناك مناسبتان نادرتان تتيحان للمستعبدين تحسين طعامهم. الأولى تحدث حين يشبع الحرّاس. فبدافع التسلية، يتركون الصغار يتنازعون على بقايا الشواء خاصتهم. وكان هذا المشهد يفضي إلى عرض يلتقي فيه الضحك بالبكاء في عبثٍ خالص.

أما الثانية، فكانت تعود إلى أن القافلة التي يقودها الجنود تسلك نفس المسلك الذي تسلكه قوافل الحجيج. وكان هؤلاء الحجاج يعتبرون نظرات الأسرى الصغار المتوسلة بعيون واسعة مرايا قادرة على مضاعفة أي فعل من أفعال الصدقة التي يُلزم بها الإيمان. ولهذا، كانوا يتبارون في رمي حفنات من التمر والفول السوداني، وأحيانًا قطع من اللحم أو السمك المجفف، نحو أولئك المساكين.

وفي الوقت الذي يختاره الجنود، كانوا يطلقون النداء العام. يعيدون عدّ الأسرى وهم يقيّدون أيديهم من جديد. ثم يفرضون القيلولة على الجميع، باستثناء من جاء دوره في الحراسة من رفاقهم. وكان الجنود يحجزون لأنفسهم الظل المنعش تحت أكثر الأغصان كثافة. أما الأطفال، فكان مصيرهم أن يتدبروا أمرهم بأقصى ما يستطيعون وسط نباتات الساحل الملتهبة بشدة. بسبب “الشِعب” التي تربطهم، غالبًا ما يتناوب فردا كل ثنائي على تقاسم ظل شحيح توفره شجيرة، أو مجموعة من الأعشاب الطويلة، أو كثيب رملي. وكان هذا هو الثمن المطلوب لتجنّب الجفاف السريع.

وبمجرد أن تتوقف أشعة الشمس عن تحويل حياة القمل على رؤوسهم إلى جحيم، يُعلن صوت «الأمبايا» عن رفع المعسكر. فتبدأ الأوامر مجددًا في التردد وسط الرياح، وتصفّر السياط في الهواء، وتتحرك القافلة من جديد، تحفّها سحابة من الذباب الصغير المتطاير. وسط جلبة تختلط فيها الصرخات والأنين ونباح الكلاب وصهيل الخيول وخوار الجمال، كانت القافلة تقضم الطريق رويدًا رويدًا حتى أعماق الليل. وحين تقترب الضباع وابن آوى، وقد غرّها الظلام فأوهِمت بشجاعة زائفة، كانت القافلة تتوقف، تلهث منهكة، في فسحة خالية وتُقيم معسكرها.

يُشعلون النيران لطرد الوحوش، وينصبون الخيام التي يتناوب الجنود النوم تحتها. ويتأكدون من أن الأسرى يتمددون على الأرض في صفوف متراصة، حرصًا على تقليص المساحة المطلوب مراقبتها. وبينما كانت البثور المتفجرة في الأقدام والجروح المفتوحة والإسهال القاتل للذباب تفوح برائحة متزايدة من القيح والبول والبراز، يخفت الضجيج تدريجيًا.

لكن النوم، حتى في أوج سلطانه، لم يكن قادرًا على اختزال حياة المخيم في مجرد شخير متقطع بأنين أو هذيان. فبعضهم كان يغرق سريعًا في عالم الأحلام، بينما كان آخرون يعانون كي يغفوا، فيظلون عرضة للبقاء يقظين تحت وطأة الجلبة المتسربة من الخيام المختلفة — جلبة تتنازع فيها شهقات اليأس المثلجة وزئير اللذة الضائعة. وكان مصباح زيت، يشبه يرقة نارية ضخمة تتهادى وحيدة في الظلام، يتنقّل باستمرار بين صفوف الرؤوس الصغيرة المجعدة والمقدّسات الوهمية حيث يتلذذ الجندي براحة جسده. لقد كان هذا المصباح هو الشريك المتلألئ لجندي أعور، مهمته أن يزود الوليمة بجسد طازج. وكان الأولاد والبنات يُختارون للمَشهد بنسب شبه متساوية.

كلما تقدّمت القافلة، أخذت النباتات تقلّ شيئًا فشيئًا، وتلاشى المشهد تدريجيًا كما يتلاشى ثوب ذو زخارف ملونة عندما يحتضن برقة لون الرماد أثناء احتراقه. ومع التقدم البطيء للقبضة القاسية للصحراء، أصبح الموت يحصد المسافرين بوتيرة متزايدة. وكانت الخسائر الأشد إحباطًا تُسجَّل غالبًا عند لحظة رفع المعسكر. إذ إن بعض الأطفال لا يستيقظون ببساطة. وكانت آذانهم تُستعمل مباشرة لتدشين سبحة تُخصص لمسار اليوم. وكان هذا العقد يُستكمل لاحقًا بأولئك الذين ينهارون في الطريق تحت ضربات السياط أو لهيب الشمس. بين حين وآخر، كان منتحر ما يضيف اسمه إلى القائمة: طفل، أنهكته المجاعة أو اليأس أو السراب، يُلقي بنفسه تحت حوافر حصان منطلق بسرعة، فيجر معه رفيقه المكبل إلى العالم الآخر. ولم تكن البنادق غائبة عن المشهد أيضًا: كانت طلقاتها تتولى إسقاط أولئك «الهمجيين» الذين، لا يُعرف كيف، تخلصوا من قيودهم وحاولوا الفرار.

وباختصار، كان العبيد يُحصدون بالجوع، والعطش، واليأس، والسياط، والرصاص. لكن لا يهم بأي وسيلة سقطوا، فلن يُدفن أي منهم. كانت جثثهم تُترك ببساطة حيثما سقطت، ليُوكل أمر دفنها إلى النسور، والضباع، وابن آوى، في قبور لا تكون إلا بطونًا.

***

بعد نصف دورة قمرية تقريبًا على مغادرة ماسينيا، كانت القافلة، التي بات إيقاعها يعكس على نحو متزايد إنهاك جيش مهزوم، تواصل زحفها المتعرج عند تخوم مملكة باقيرمي.

ورغم الإهانات، والجلد، والحرمان، صمد زَيْتُون بثبات. فقد تخلّت عنه الأمراض التي كانت تتناوب على تعذيبه في السابق على نحو غريب. وهكذا اكتشف في نفسه معدن أولئك الذين لا يتفوقون إلا في الشدائد. فكما كانت صحته ضعيفة داخل حضن العائلة، بدا الآن وكأنه يستمد العافية من قسوة الرحلة التي فُرضت عليه. كان يشعر وكأن روحه انفصلت عن جسده، فركّز كل طاقته الذهنية على ابتكار خطط للهروب. سيطر عليه هاجس ألا يرى مجددًا عائلته ومملكته التي نشأ فيها. وفي اللحظات القليلة التي كانت تهدأ فيها هذه الفكرة وتجعله عرضة للإنهاك الجسدي، كان يُدرك بحدة متزايدة مقدار «البركة» التي يمتلكها. نعم، كان يسير إلى جانب فتيات وفتيان في مثل سنه، بعضهم يحتضر وهو يخطو، بينما هو لم يكن ينزف عرقًا، ولا يسعل، ولا يتقيأ بسبب الإسهال. وكان هذا الإدراك وحده يساعده على نسبية مأساته، ويمنحه بعض الصبر على بؤسه.

في تلك الليلة، وفي اللحظة التي صدر فيها الأمر بالتوقف لإقامة المعسكر، انهار الصبي الذي كان زَيْتُون مربوطًا به منذ مغادرة ماسينيا فجأة، وسحبه معه إلى الأرض. وكانت سقطة عنيفة تكفي لكسر عموده الفقري، لكنه نجا منها بأعجوبة خالصة.

اضطر الغوميون إلى تحريره من الطوق البغيض الذي كان يربطه بجثة. أقاموه، وهو مصدوم جسديًا ونفسيًا على حد سواء. لاحظوا أنه ينزف بغزارة من القروح التي كانت تحاصر عنقه. خافوا أن يفقد وعيه من شدة الاختناق. أخذوا وقتهم في التربيت على ظهره، في محاولة لمصالحة رئتيه مع وظيفتهما. وبعد أن استعاد قليلاً من عافيته، فكوا وثاق يديه. وبذلك أمكنهم استخدامه لجر الجثة ورميها في الأدغال بعيدًا عن المخيم.

وما إن انتهى من هذه المهمة البغيضة، حتى ألزموه بأخرى لا تقل كراهية. إذ إنه، بعد فقدان عدد من الأسرى خلال الطريق، سارعوا إلى إعادة تشكيل الأزواج. لكن بما أن القافلة قد فقدت عددًا فرديًا من الأسرى خلال تلك المرحلة، فإن آخر شوكة في سلسلة الموتى لم تجد لها قرينًا. ولعدم وجود بديل، أمروا حارسه بالاحتفاظ به إلى حين. كانوا مقتنعين أن القدر سيتكفل بإعادة التوازن الكامل قبل شروق الشمس.

وبما أن زيتون كان لا يزال ينزف، فقد استُخدم الحزام الجلدي المخصص لتقييد معصميه لتثبيت ضمادة مرتجلة على جرحه الأوسع. وفي النهاية، وجد نفسه بلا قيد. وكان واعيًا أنه لن ينعم بهذه الحرية سوى لليلة واحدة، فاستمتع بها أكثر لمّا علم أنها مؤقتة.

لم يخطر ببال زيتون يومًا أن نهاية ذلك الهزيل المأساوية، والذي لم يعرف منه سوى مؤخرة عنق مكسوة بالقوباء، قد تهزه إلى هذا الحد. وبما أن كل ثنائي كان، ما أمكن، يتألف بحيث لا يضم متحدثين بنفس اللغة، فلم يتبادل مع الراحل سوى بعض الأصوات الغامضة وضحكتين أو ثلاث. أما التطلع في وجه بعضهما البعض، فكان أمرًا مستحيلًا! إذ حرمتهم الشعبة من ذلك. فلم يرَ عيني رفيقه إلا وقد تجمدتا في الغياب الذي لا رجعة فيه، حين أضاءهما لفترة وجيزة وهجُ مصباح جامع الآذان الثمل. وانطبع في حدقتيه ذلك البريق المتكسر كالصوان المشروخ، نقشًا لا يُمحى.

من يفقد شقيقه التوأم، لا شك يشعر بنفس التمزق الذي اجتاح طفل ماسينيا تلك الليلة. أسراب من الأسئلة كانت تدق صدغيه بإصرار مطرقة جرس مسحور: من أين أتى الميت؟ هل كانت له أم، أو أب، أو إخوة أو أخوات لا يزالون أحياء في مكان ما؟ هل بيع، أم خُطف، أم وُلد عبدًا؟ كم كان عمره؟ ما اسمه؟ … الفترة القصيرة من الحياة التي تشاركاها لم تكن مواتية لأي تعريفات تقليدية. بقي كل واحد منهما حبيس حزنه الخاص، ولم يفكر في الآخر إلا من منظور التوافق في الخطى. فعندما يسرّع أحدهما أو يبطئ مشيته، يتعين على الآخر أن يضبط إيقاعه فورًا. وإلا فالنتيجة فقدان توازن، وربما السقوط المرعب. حتى المفردات القليلة التي كانت بينهما عكست تلك الشراكة المؤلمة: «آي»، «أوه»، «إيه»، و«آه». لكن حتى هذه التأوهات كانت سرعان ما تُختصر تحت صفير سوط غاضب.

في تلك الظروف، لم يكلف زيتون نفسه عناء، ولا خاطر بأن يعرف اسم الراحل. ومن هذا التقصير وحده، أدرك إلى أي حد من اللاإنسانية أوصلته القافلة التي كانت تجرّه نحو… نحو أين بالضبط؟ تلك كانت الحيرة الزائدة. وفجأة، اجتاحت صدره موجة من النحيب.

***

كان يبكي بينما اضطر هو ورفاقه إلى الاضطجاع في صفوف متراصة كالزراعة الليلية. وكان لا يزال يبكي حين عادت الليالي الماجنة خلف ستائر الخيام، وعادت اليراعة الكبيرة تتنقل حاملةً لهم اللحم الحي. وكان يبكي كذلك حين هوجم المخيم فجأة، بعد مغيب الهلال، بهجوم شامل. الرصاص ينهمر من كل الجهات. والهواء يهتز بانفجارات صاعقة، وصراخ مذعور، وأوامر صاخبة. كل ذلك مصحوب بهلع عارم يوحي بنهاية العالم.

زيتون، الذي حالفه الحظ تلك الليلة بأن يكون طليق الحركة، قفز على قدميه مع أولى الطلقات. تخطى أو دار حول رفاق سقطوا جماعات، مقيدين بشوكاتهم. نجا من هذا التعرج الخطير في الظلام، وفرّ من المخيم وسط العاصفة، وغاص في الأدغال. ركض أمامه بلا هدف، ركض حتى شعر وكأنه سيتقيأ نارًا. وأخيرًا، توقف يلهث في منخفض من الأرض. لم تعد ضوضاء المعركة سوى أصداء متقطعة مصحوبة برعود بعيدة. وظل وقتًا طويلًا مشتعلًا بمحاولات استرجاع أنفاسه وعقله معًا.

من المهاجمين؟ هل كانوا من مقاتلي المبانغ جورانج الذين تمردوا، أم من البازنقر الرهيبين التابعين لرابح؟ حتى وإن لم يكونوا من أفراد القافلة، فلا شك أنهم جَندوا متواطئين من داخلها. وعلى أي حال، يُرجح أنهم تسللوا إلى المخيم قبل وقت طويل من بدء الأعمال العدائية، إذ إن أولى طلقاتهم استهدفت الخيام التي تحولت إلى معابد للفجور.

لكن لا يهم! ولو خرجوا من الجحيم ذاته، لم يكن زيتون ليأبه لهم أكثر مما يأبه لزكامه الأول. لقد كان حيًا. حيًا وحرًا! لم يبقَ عليه الآن إلا أن يسعى للبقاء. كذلك تمسك بهذا الحلم كما تتشبث نجمة الصبح بالسماء. وغلبه النوم في النهاية، منهكًا من فرط المشاعر والجهد.

في صباح اليوم التالي، أيقظه نسيم الصباح البارد المعلن عن بزوغ الفجر. نهض، وتمطى وتثاءب بثقة فرس نهر ينبذ القيلولة. ثم فرك عينيه. وبحركة غريزية، رفع يده اليمنى إلى عنقه. بدا مشوشًا حين لم يجد الشوكة، بل طوقًا من دم متخثر. رفع بصره إلى السماء كأنه يستشهد بها. حينها لمح في الأفق الشرقي، أمام بؤرة الشمس التي بدأت في التفتح، سربًا من الطيور الكبيرة تحلق في دائرة. ومن خلال هذا الدوران الجوي، استعاد وعيه بحقيقة وضعه. تلك النسور كانت هناك تحوم فوق المخيم الذي فر منه الليلة الماضية. وكان يرى بين حين وآخر طائرًا منها ينقض ويختفي خلف خط قمم الأشجار. ومن ذلك أدرك أنه لم يبق في المكان سوى الجثث. وراودته لوهلة رغبة في العودة إلى هناك. لكن لماذا؟ … وسرعان ما طرد هذه النوبة من الفضول حين تذكر العذابات التي كابدها في اليوم السابق.

قرر مغادرة المنطقة على الفور. كان يخشى أن يقع مجددًا بين أيدي سادة السافانا المظلمين الذين استولوا على القافلة التي كان ينتمي إليها. اتخذ سرب النسور كعلامة، وابتعد عنه بكل حذر حتى تمكن من الوصول إلى طريق الحجاج. لكنه لم يسلكه فعليًا، بل بدأ يسير بمحاذاته في اتجاه العودة نحو ماسينيا، أي عكس اتجاه الشرق. فالحذر لا يضر في طرق سيئة السمعة كهذه.

***

*أداة مكوّنة من شوكتين خشبيتين موصولتين بمقابضهما، تُغلق كل منهما بواسطة حلقة من الحديد أو الخشب أو بواسطة حزام من الجلد. ويُستخدم هذا الجهاز لربط شخصين من العنق.

*****

المترجم والروائي السوداني عاطف الحاج سعيد مع نويل نجيكيري مؤلف رواية «لا قوس قزح في الجنة».

خاص قنّاص – فصل من رواية


 

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات