حوار مع الروائي السعودي هاني النقشبندي | حاوره: ممدوح عبد الستار

الذات المُتمرّدة: نسكن القصور، لكن  عقولنا ساكنة تحت تلك الخيمة ذاتها!

هاني النقشبندي؛ روائي وإعلامي سعودي، حقق وجوده الأدبي بمسايرة ذاته المتمردة، فهو قابع بين العُري والخوف كما يقول، ويتخلص منهما بفعل الكتابة، وتحرره من الموروث الذي يرفضه… ليس كلياً، لكنه في النهاية يكتب نفسه. وحينما يعتقد كاتب ما أنه يكتب لنفسه فقط، ليكون حراً، تجده مختلفاً، لأنه ذاته. هو يكتب فقط، ولا ينشغل بالنقد، بالرغْم أن الدكتور الناقد “صلاح فضل” شبهه بالكاتب المصري إحسان عبد القدوس. أصدر العديد من الروايات منها: رواية نصف مواطن محترم، واختلاس، وسلاّم، وطبطاب الجنة، ورواية الخطيب. التقت به المجلة، ومعه كان هذا الحوار:

في أولى روايتك “اختلاس”، تحدثت عن عقلية الرجل الشرقي التي لا تتغير، ولا تواكب العصر، وتعرضت أيضاً لعلاقة المرأة بالرجل الشرقي -الذي يعيش في الغرب- التي ينظر إليها كما ينظر لها في الشرق. هل هي رواية عن المرأة وإنصافها، أم هي عن عَلاقة الرجل الشرقي بالحضارة الغربية، وعن مفهوم التناقض السلوكي والفكري لدينا؟

هي رواية تتحدث عن الاثنين، عن المرأة التي تأمل الكثير من الرجل الشرقي، خاصة الذي عاش في الغرب فتراه مختلفاً، وأكثر تفهماً لها، كما هي أيضاً تتحدث عن الرجل الشرقي الذي يعجز الغرب أن يغير قناعاته الراسخة بدونية المرأة. أقول دوماً بأني لا أحرّض المرأة للثورة على الرجل الشرقي، لكني أساندها إن فَعلتْ. مشكلة الرجل الشرقي هي صعوبة اندماجه في أي مجتمع يخالفه نظرته للمرأة. نحن نسكن القصور ربما، لكن ما تزال عقولنا ساكنة تحت تلك الخيمة ذاتها. نحن لا ننتمي للقبيلة بالاسم والهوية، بل بالأفكار أيضاً، التي نُصرّ على أنها الأفضل والأمثل، ونقاتل كل من يقول بخلاف ذلك، ولو كنا على خطأ. سيقول بعضنا أن عاداتنا مصدرها الشريعة والدين. لكني أقول بأن قوانين السماء أكثر رأفة بالمرأة من أكثرنا. نحن نختبئ بدثار الدين، لنعطي نظرتنا الدونية للمرأة. وأقولها بصدق، إن قوانين المجتمع تكون أحياناً أقوى من قوانين السماء.

كيف لنا -إذن- أن نخرج كأمة وأفراد من هذا المأزق؟

بالانفتاح على الأخر. سأضيف أيضاً، بالعودة إلى الدين، بالاقتناع، لا بالتعود. الأديان كلها تُكرم الإنسان رجلاً وامرأة. وهي قد منحتْ نسائنا من الحقوق ما يفوق الحقوق التي أعطيناها لها. هناك أيضاً دور يقع على المرأة أكثر مما هو يقع على الرجل. فالمرأة للأسف مستسلمة لضعفها. بل سأزيد بأن بعض النساء يستلذذن هذا الضعف. هي ليست مشكلة الرجل وحده إذاً. كيف تبني امرأة قوية إن كانت هي نفسها لا تريد أن تكون كذلك؟ لا تفكر ببضع أسماء أنثوية ثائرة، بل أنظر إلى الأغلبية.

ما هو نصيبك من رواياتك.. أي حضور السيرة الذاتية في متن وهامش العمل الروائي؟

لا أريد القول بأن الرواية هي سيرة ذاتية، لكن جزءاً كبيراً منها هو أنا. نعم، لقد عشت التجربة، مع بعض الاختلاف في التفاصيل. وإن كان الشيطان يكمن في التفاصيل، فهو يكمن في داخلنا أيضاً.

غلاف رواية اختلاس_edited.jpg
لا أحرّض المرأة على الثورة على الرجل الشرقي، لكني أساندها إن فَعلتْ

غلاف رواية سلام_edited.jpg
عشقنا للأندلس الوهمية يأتي من خيبات واقعنا الحالي. فنهرب إلى الماضي الذي نمجده

في روايتك “سلّام” طرحتَ فكرة مغايرة عن التاريخ الأندلسي، وهو احتلال إسبانيا، وهذه فكرة تخالف المعتقد، والسائد، وتطرح سؤال مهم، هل ما يُكتب تاريخياً يجب أن نستقبله بالرضى دون سؤال؟

في رأيي إن التاريخ ليس هو توثيق ما حدث، بل توثيق ما تمنينا لو أنه حدث. من يقرأ عن الأندلس يعتقد أنها الجنة التي خسرناها على الأرض. في الواقع لم تكن كذلك أبداً، لا في قصة فتحها، أو احتلالها، ولا في الحياة عليها. عشقنا للأندلس الوهمية يأتي من خيبات واقعنا الحالي. فنهرب إلى الماضي الذي نمجده… معتقدين إنه كان عصرنا الذهبي. لا أعتقد أنه كان هناك عصر ذهبي عربي، أقصى ما وصلنا له هو عصر برونزي. فتاريخنا، وربما لا نكون وحدنا، أكثره قتال ومعارك. داحس والغبراء، القصة القديمة التي مضى عليها أكثر من ألف وخمسمائة عام، عندما فازتْ فرس قبيلة على قبيلة فاشتعلت حرب 40 عاماً بينهما، وما تزال مشتعلة. ما تزال هناك داحس وهناك الغبراء، ولكن في أشكال مختلفة. لا، لا يجب أن نستسلم للتاريخ كما يصلنا. من يكتب التاريخ، هو إنسان، يصيب ويخطئ. ما أدرانا أيهما ذاك الذي كتبه؟

هل السؤال ضروري في الرواية، أم الركون إلي إجابة مقنعة يناسب الرواية والقارئ، أفضل للكاتب والقارئ، أم أن السؤال، والقلق ضرورة للجماعة البشرية؟

ليس للرواية قاعدة ثابتة. عدم اتباعك لمدرسة في عالم الرواية، هو مدرسة بحد ذاته. إن دعت الحاجة للسؤال فلم لا يكون؟ القلق وارد وساكن دائم في عقل الروائي. لكن ليس القلق وحده ما يحرضه، بل رفقة القلم، وحب النص، ولذة الحبكة.

العديد من الكُتاب الآن يستلهمون روايتهم من التاريخ، أيوجد ضرورة ملحة للعودة للماضي، أم أن الحاضر لا يكفي لإنتاج نفس الفكرة، أم أن الكاتب قد استنفد خبرته الحياتية، ولا يوجد لديه حياة عصرية يكتب عنها، لأن الكاتب ابن عصره كما يقولون؟

أخالفك الرأي هنا، فليس العديد من الكتاب يستلهمون من التاريخ، بل بعضهم. ولا ضير في ذلك. أكثر الروايات الآن هي ابنة عصرها. ابنة الآن. وهذا جيد. لكن علينا أن ننظر إلى النص، بصرف النظر عن مضمون الرواية. في رأيي وقناعتي، فإن الرواية ما هي إلا قصة بنسبة 10% ونص بنسبة 90%. متعة القراءة ليس في متابعة سرد القصة، بل في الاستمتاع بالأسلوب. كل منا يحمل قصة قد تكون أجمل مما لدى الآخر. لكن العبرة ليست في جمال قصتي عن قصتك أنت، بل في الأسلوب الذي يقدم كل منا قصته. أي العباءة التي تُلبسها هذه القصة، بصرف النظر عن وقائعها. اليوم؛ هناك الكثير من الروايات التي تتطرق إلى هموم الحاضر، ومنه تستلهم مادتها. وذاك ربما يجعلها أقرب إلى نفس المتلقي، خاصة إن تحررت من الخوف وحب الظهور.

لماذا في بعض رواياتك تصدم المجتمع، وتعرّي الواقع؟ وهل هذا مقصود لذاته، وللشهرة، بمعنى: (خالف؛ تُعرف)؟

كل كاتب -وليس أنا وحدي فقط- يجد نفسه ملتصقاً بتهمة خالف تُعرف، لمجرد أنه عرض وجهة نظر مختلفة. أنا ككاتب أرى بعض القصور هنا أو هناك، وأخالف بعض القناعات هنا وهناك، فإن وضعتُ أفكاري هذه في رواية، فهي رؤيتي. هي عيناي التي ترى هذا أحمر وذاك أخضر. قد ترى الأشياء بألوان مختلفة، وهذا حقك، لكن من حقي ككاتب أن أرى الألوان كما أريدها، وأعيد تموضعها في روايتي كما أريدها أنا. لستُ معنياً بما يراه الآخرون، بل بما أراه أنا. أقول وأكرر في مناسبات كثيرة، بأن الكاتب الناجح هو المغالي في أنانيته، بمعنى أن يسعى لإرضاء نفسه فيما يكتب أولاً، ثم الآخرين.

هل أصبح الكاتب -الآن- يملك حرية أكثر، وجرأة في الكتابة، وهل أصبح الجو العام في المملكة السُّعُودية أكثر حرية، ورحابة للكاتب؟

ما تزال الكلمة المطبوعة مخيفة أكثر من الكلمة المسموعة أو المرئية. الرقيب ما يزال هناك. قد يتطور المجتمع، لكن الرقيب يصعب أن يجاري المجتمع في سرعة تطوره. وهذا الرقيب يملك كل الصلاحيات لحجبك. يكفي أن يتهمك في كلمة واحدة جاءت في رواية لك، لكن في المجمل، يجب أن نعترف بأن المجتمع السعودي يسير نحو الأمام، بل هو يثب بشكل جيد. وسيكون من شأن ذلك أن نقف بعد حين أمام سُعُودية شابة وجميلة ومنفتحة على الآخر.

أصبحت الرواية اليوم شديدة التكيّف مع راهن الواقع العربي، ومشتبكة معه في متغيراته التي يعيشها، وتكتسب كل يوم المزيد من التقنيات، والأساليب الجديدة، حتى تؤسس خصوصيتها العربية، كيف ترى ذلك؟

إن كان الأمر كما تقول فهو جيد، لكني لست أراه كذلك. للأسف هناك بعض الكتاب الذين ما يزالون يتعاملون مع الرواية على أنها قصة، لا نص. لذلك تجدهم يستخدمون تقنيات القصة ذاتها المكررة والمملة، دون الارتقاء بالنص نفسه. لا يعني هذا عدم وجود كوكبة شابة راقية النص والجملة. أعتقد أن الشباب اليوم، يملكون مفاتيح وتقنيات سردية أكثر أهمية من بعض كبار الكتاب المخضرمين. لكننا للأسف لا نمنحهم الفرصة الكافية. عندما أكون في مصر؛ حاضنة الأدب العربي، الكل يتحدث عن نجيب محفوظ مثلاً، وكأنه هو القدوة وحده، وكأن مصر ما عادت تنجب أفضل منه. سأقول لك واثقاً، أني قد قرأت بعض الروايات لكتاب شباب في مصر، هم أفضل أسلوباً وتقنية ونصاًً من نجيب محفوظ. هم يحتاجون إلى من يشجعهم فقط. هناك إذاً برعم صغير وواعد ينبت من غصن الشجرة القديم. يجب أن ينل فرصته ليكبر، ويثمر بتقنية جديدة وأساليب جديدة. نحن كما نمجد التاريخ، كما نمجد الأسماء الكبيرة سواء في عالم الرواية أو الصِّحافة، أسماء كانت تكتب وما تزال منذ عشرات السنين. أما آن لها أن ترتاح؟ أما آن لها أن تتنحى لتعطي الفرصة للشباب؟ أي جديد ستأتي به تلك الكائنات الديناصورية المتحجرة؟

غلاف رواية نصف مواطن محترم_edited.jpg
الرواية ما هي إلا قصة بنسبة 10% ونص بنسبة 90%
غلاف ليلة واحدة في دبي_edited.jpg

هل استطاعت الرواية، والقصة أن تلتهم ظاهرة التهميش الاجتماعي، والسياسي، والثقافي داخل بنائها؟ وهل أصبح المتن هامشاً، والهامش متناً، وأصبح لا وجود لمركزية… غير مركزية الذات؟ 

أعتقد أن الرواية العربية ما تزال خائفة من السياسي، ومتعالية على الهامشي. أما المتن، فهو ما أشرتُ إليه في أجوبتي السابقة، من أنه لا يحضى بالتقدير مقارنة بالقصة. بمعنى مضمون القصة التي يوليها البعض الأهمية على جَوْدة المتن والنص. يقولون لك هذا كتاب رائع، أو تلك قصة رائعة ذات نهاية جميلة أو غير متوقعة، ويغفلون تماماً أن النص أهم من القصة أيّاً كانت نهايتها. الرواية ليست فيلماً سينمائياً، ومسلسلاً تلفزيونياً، بل عمل أدبي لا يرتبط بالنهايات السعيدة أو الحزينة بالضرورة، بل بقوة الجملة وصناعة النص نفسه. هذا ما يجعل القصة تتغلغل إلى نفس قارئها، فتأخذه إلى فضاءاتها. الروايات كالأحصنة، كلها جميلة، كلها قوية، لكن هناك ما أكثر رشاقة وأداء.

نحن كما نمجد التاريخ، نمجد الأسماء الكبيرة سواء في عالم الرواية أو الصِّحافة، أسماء كانت تكتب وما تزال منذ عشرات السنين. أما آن لها أن ترتاح؟ أما آن لها أن تتنحى لتعطي الفرصة للشباب؟ أي جديد ستأتي به تلك الكائنات الديناصورية المتحجرة؟

كانت -وما زالت- أعمالك مثار جدل ثقافي، ونقدي، نظراً لاختلاف كتاباتك عن السائد، وبحثك الدائم عن المغاير، فهل استطاع النقد أن يضع تجربتك الإبداعية في مكانها اللائق كما يجب؟ وهل نحن فعلًا لدينا أزمة نقدية؟

اعتقد أن الناقد الأفضل الذي ينبغي للروائي التقرب منه هو القارئ. الناقد الأدبي قد يهدم الصرح الأدبي أكثر مما يفيده. بعض النقاد لا يرون الجيل الصاعد من الشباب. يركزون على الأسماء المعروفة فقط. من سيقرأ للشباب إذاً؟ لكني سأقول للجميع هنا، ولا سيما لأصحاب الأقلام الشابة، لا تأبهوا للنقاد، اهتموا بالنص فقط، وعبّروا عن أفكاركم ولو كانت مختلفة أو صادمة. لا تهتموا بما أقول أنا أو يقول ذاك، المهم أن تكتبوا ما أنتم ترونه صحيحاً. أن تكونوا أنتم كما أنتم، ودعوا مسألة النقد جانباً، فالزمن أفضل ناقد.

وأخيراً، لكل منّا بداية تجعله يسلك الطريق بقوة. ما هي العوامل، والمؤثرات التي جعلت منك روائياً، ومن ساعدك، وما هي طقوس الكتابة لديك؟

الشيء الذي ساعدني على الكتابة هو عشقٌ للقلم منذ صغري. أنا لم أجد التشجيع من أحد. حتى أستاذي في المدرسة، في مادة التعبير تحديداً، كان يسخر من أسلوبي وأفكاري المتخيلة. لم أكن أهتم، بل قررت أن أصنع مدرسة هاني النقشبندي الروائية كي أعوض عن المدرسة الحكومية التي كنت أبعثر فيها أفكاري دون طائل. لكني لن أخفي بأن علاقاتي، كإعلامي سابق ورئيس تحرير، قد ساهمت بالتعريف بكتبي. لو لم أكن أملك مثل هذه العلاقات، لبقيت حتى اللحظة أكتب ما لا يُقرأ، مثل جَدَّة عجوز تقضي وقتها في تطريز شيء لن يلبسه أحد.

أما عن طقوس الكتابة لدي فهي أني أكتب عاريا. نعم عارياً، كي أحس بتجردي من الخوف. هل نجحتُ في ذلك؟ سأقول أني نجحت في العري، لكني فشلت في التغلب على الخوف. لذلك انتهى بي المطاف عارياً، وخائفاً في الوقت ذاته. لا بأس… المهم أني ما زلت أكتب. إذاً ما زلت على قيد الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى