الفيلم المصري “ريش”: السينما في مكاشفة الذات | ياسر دريباتي

يدخلنا الفيلم السينمائي المصري ريش ِ للمخرج عمر الزهيري في محرقة الفقر والبؤس التي تنشر اليباس ليس في مصر فقط موضوع الفيلم وإنما في أكثر بقاع عالمنا العربي الواسع. وربما أثارت الجوائز التي حصدها الفيلم مثل جائزة أسبوع النقاد في مهرجان كان السينمائي، التانيت الذهبي لقرطاج والنجمة الذهبية لمهرجان الجونة وجوائز أخرى، الأسئلة العميقة لدينا كجمهور عربي حول المؤامرة الكونية الكبرى التي تحاك ضدنا، فهل يعقل أن يحصد فيلم مصري جائزة فنية عالمية بحجم جائزة أسبوع النقاد في مهرجان كان لأهميته الفنية وطرحه الفكري الجريء فقط؟

أسئلة أشعلت حرباً إعلامية وفنية وسياسية ضد الفيلم وصناعه، فهل صحيح ما قاله ماركيز بأن عظمة الحياة في أدبية ما نكتبه عنها؟

فيلم ريش ذهب إلى قرية مصرية وقدم لنا حكاية تحمل روح كافكاوية وربما تحيل في فكرتها إلى قصةً المسخ لكافكا. احتفال عيد ميلاد أحد أطفال عائلة فقيرة ينتهي بتحول الزوج ِالأب إلى دجاجة عبر لعبة سحر بسيطة. هكذا يدخل السينمائي عمر الزهيري عمق البؤس في المجتمع المصري، وفي قسوة بنائه وعبثيته يؤكد بأنه لا كرامة للبؤس. قسوة مشهدية سينمائية تعيش الحياة المصرية أكثر مما تعبر عنها. هذا الهدف الأعلى الذي وضعه المخرج لفيلمه ربما دفعه لأن يختار أبطال الفيلم من ناس عاديين لا علاقة لهم بالسينما، فرقة مسرحية من نفس القرية تعيش كابوس الفقر ذاته. مشهدية سينمائية تعيش الواقع ولا تشخصه. لا تقدم أبطالاً في مجتمع يعيش في ظل البطل الأوحد. فالكاميرا مشغولة بالمشهد السينمائي وليس بالبطل. كاميرا تنسج قماشة السحر الخفي على حد تعبير السينمائي السوري محمد ملص. رموز خفية خاصة بصانعها، موجودة بخفاء في روحه.

download (3)_edited.jpg

في قراءته السينمائية للواقع يقدم عمر الزهيري جمال الواقعية السحرية.

دميانة نصار الممثلة الزوجة والأم لثلاثة أطفال، تعتني بأطفالها وتقوم بأعمال البيت الشقة التي تشبه الخرابة. مكان بين الحقيقة والوهم.

مشهدية سينمائية تقتل البطل الذكر بما يمثله من سلطة مستبدة ليس على مستوى التمثيل فقط وعدم إشراك نجوم شاشة ومجتمع وإنما على مستوى الحكاية أيضا، حكاية الفيلم. المرأة الزوجة تقتل الزوج الذكر السلطة. ويحيلنا المخرج في حكايته إلى ما يسمى الربيع العربي الذي لن يُزهر.

ملايين يسكنون العشوائيات في ظروف غير إنسانية وهي أحد أشكال العنف الهندسي كما يسميه الروائي الكُردي السوري سليم بركات. ما السرّ في أننا نحن العرب نغلب الأحادية في كل شيء كما يتساءل أدونيس؟ السياسي الأوحد، المفكر الأوحد، الفنان الأوحد… ثقافة لا عمل لها إلا إحياء الأب، ثقافة تحتضر.

ثقافة لن تقبل فيلم سينمائي لا يقدم البطولة التي تضع النظام فوق المجتمع والسلطة فوق الإنسان. فيلم سينمائي يقدّم بؤر غنية من الرموز والإشارات ويولّد الشكوك والهواجس عند مشاهديه.

ريش مجرد فيلم سينمائي يخيف أمة بكاملها. يضعف الروح المعنوية للأمة. فنانون وبرلمانيون وساسة يحملون سيف الوطنية لقطع عنق الفيلم ورميه في المحيط. ما هذه الأمة الهشة التي يخيفها فيلم؟

 

download (4)_edited.jpg

أثارت الجوائز التي حصدها الفيلم أسئلة أشعلت حرباً إعلامية وفنية وسياسية ضد الفيلم وصناعه

ليس لدى السينمائي عمر الزهيري شيئاً مرحاً ليتحدث عنه في فيلمه “ريش” وقدم لنا المجتمع المصري كبيت قديم متداعي كما هو حال المجتمع العربي لكن بمشهدية سينمائية شجاعة مفعمة بالأداء الحقيقي الدافئ. كاميرا ترصد نوازع الممثلين ورغباتهم وأهوائهم ووجهات نظرهم وتقدم قراءة سينمائية جديدة.  قراءة اختبارية مقصودة، يتبادلها كل من المخرج والممثلين، تشريح الشخصيات، نموها الدرامي، أخلاقياتها… ابتكاراتها الصوتية والجسدية وبذلك حطّم الزهيري تقليدية الأداء عند الممثل. تقليدية تجعل من صوت الممثل كليشة ثابتة تتكرر ودفع ممثليه لاكتشاف مكبوتهم غير المعلن من خلال التماس السحري مع مكبوت الشخصية نفسها. 

دميانة نصار الممثلة الزوجة والأم لثلاثة أطفال، تعتني بأطفالها وتقوم بأعمال البيت الشقة التي تشبه الخرابة. مكان بين الحقيقة والوهم. الأم الزوجة عليها مواجهة الحياة بعد تحوّل الزوج إلى دجاجة. شخصية لا تشعر بالحماية وتكاد تكون عارية من فرط البساطة وعندما تسرق فهي تقوم بفعل تغريبي هو أقرب إلى الفعل البريختي الذي يدفعنا لتأمل الظلم الواقع على هذه الشخصية، ظلم المجتمع وليس إدانتها بفعل هو خارج القانون. 

 

لقطة من فيلم ريش_edited.jpg
مشهدية سينمائية تعيش الواقع ولا تشخصه

في قراءته السينمائية للواقع يقدم الزهيري جمال الواقعية السحرية.  يبني فضاءه السينمائي الخاص ويخرج من حيز تقليدية الصورة إلى حيز الكشف معتمداً التجريب والبحث في العلاقة بين الممثل والفراغ، وهو في ذلك كله يركّب مشهده البصري الواقعي وكأنه مكتشف لتوه.  يبني مجازه الواقعي معتمداً على قوة المشهد وجمل حوارية قصيرة جدا. متكئاً على مفردات مجازية تشابه مفردات الواقع وترتفع به لتخلق التواصل الخلاق مع المشاهد، تواصل بدونه يصبح فضاء الصورة كسيحاً لا قيمة له. 

خاص مجلة قَنّآص

ياسر_edited.jpg

ياسر دريباتي؛ مخرج وناقد مسرحي سوري، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق. من أعماله: مسرحية (تانغو).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى