Site icon منصة قنّاص الثقافية

مرآوية صخور البحر | بلال الخوخي

مرآوية البحر

كاميرا ز.السالمي

مرآوية صخور البحر

ركع واضعا كفيه على ركبتيه، يقطر من جبينه العرق ببطء، بانتظام، تماما كصنبور قديم لم يُغلق بإحكام. نظر تجاه البحر، ثم مرر يمناه على وجهه مزيحا كتلة سائلة شفافة. إن الاكتفاء برؤيته من بعيد قد توحي بأنه أحد ممارسي الجري اللائذين بالإطلالة الجميلة، لكن، عند الاقتراب منه سينبجس الرعب من عينيه المحمرتين، ومن ركبتيه المرتجفتين، وكذا من لهاثه الشديد كما لو سيلفظ قلبه.

دنا من الحافة، حيث اصطفت بعض الصخور مشكلة درجا طبيعيا. هبط واحدة؛ فبدت له بجانب أخرى عن يساره قبعة دائرية وصنارة تخترق الهواء وينسل منها خيط رفيع ممتد نحو البحر.

تذبذبت القبعة مع هبة ريح خفيفة؛ فتزحزحت من تحتها شعيرات بيضاء لرجل خمسيني ساهم في الأفق. التفتَ كأنما أحس بالعينين المراقبتين على يمينه؛ صدر مبتل وشعر أسود ملتصق بالجبين، وأبخرة تُنفث على دفعات متتالية.

 أشار إلى اللاهث بأن يقترب ويجلس جواره على الصخرة؛ فلبّى الأخير مطمئنا إلى الوجه المكسو بتجاعيد شبيهة بانكسارات أمواج اصطخبت وتلاطمت على قارب خشبي.

هدأت أنفاسه، واستطاع أن يستجمع كلماته الأولى:

نظر إليه بارتياب:

قاطعه الصياد:

ضحك الصياد:

ضحك كذلك وأجاب:

تابع الضحك إلى أن كاد ينقلب بكاء، فقال بحرقة:

رفع قبعته قليلا وتأمل ملامح المتكلم التي لم يجف عرقها بعد.

ضحك من الفكرة وقال:

ابتسم الصياد وردّ في هدوء:

همّ واقفا ثم أردف:

أخرج هاتفه ونقب بسبابته، ثم مد الشاشة في وجه صاحبه:

فبدأ يقرأ:

احتبست الكلمات في حلقه، رفع رأسه عن الهاتف، حدق في التجاعيد، ولا شيء غير التجاعيد: «هل يمكن حقا، أن تكون انكسارات أمواج؟»، عاد يتابع القراءة صامتا، بذهن مشوش، وشفتين مرتجفتين.

أدخل الهاتف في جيب سرواله، ثم وقف متقابلا مع الصياد؛ أخذ منه القبعة ووضعها على رأسه، لكنه أوقفه:

رد عليه بصوت متهدج يشي بالاستسلام:

*****

بلال الخوخي كاتب مغربي، صدرت له مجموعتان قصصيتان: «شتات» عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، الأردن، «جئتك بنبأ» عن دار المصورات للنشر والتوزيع، السودان.

خاص قنّاص – جسد السرد

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات