Site icon منصة قنّاص الثقافية

المنديل عطر ذكريات قديمة .. تغيرات الشكل والمضمون والدلالة

المنديل

لوحة الفنان السوري أسعد عرابي

المنديل عطر ذكريات قديمة

بقلم: حمدي سعيد

في حفل عقد قران نجل صديق، طلب المأذون – وفق عادة مصرية قديمة – منديلا ليضعه على كفي العريس ووالد العروس – ربما اشارة للكتمان كعامل نجاح للعلاقة الزوجية، فانتظرنا أن يخرج أحد الحضور منديلا كما كان يحدث أيام عقد القران منذ عقود خلت، حيث يتخاطف المنديل احدهم بعد انتهاء المراسم تيمنا به. احتفظت بمنديلي كاتبا عليه أسماء الحضور. بعد انتظار قصير جاء شاب بمنديل مطرز عليه الأحرف الأولى لأسمي العروسين وموعد الزفاف وصورتهما كتذكار للحدث الجلل.

المنديل تاريخ من الذكريات

حمل المنديل عبر التراث الانساني والذاكرة البشرية دلالات، وعبر عن مفاهيم متنوعة احتلت مساحة كبيرة في هذا التراث وتلك الذاكرة واعتراها التطور والتغير، بحكم تطور الحياة والتقدم الصناعي والتحول الثقافي، حتى صار إلى حال لا يختلف كثيرا عن حال كثير من الأزياء والأطعمة والأدوات التي تكاد تكون تراثا يعاني من خطر الاندثار والتلاشي.

تغيرت خامات تصنيعه من الأقمشة والمنسوجات إلى الورق ومواد أخرى، وتغيرت استخداماته وطرق تداوله وحفظه، كما تراجعت دلالاته ومعانيه في الثقافة الانسانية لدى الأجيال الشابة، وما بقي منه سوي مفهوم استهلاكي نفعي خال من الروح والمعنى.

المنديل رسول حزن وحب

أصبحت قطعة القماش التي استخدمتها القديسة «فيرونيكا» لتمسح عن وجه المسيح الدم والعرق فينطبع عليها الوجه، مرادفا لاستخدامه في الأحزان ومسح الدموع واقتسام الآلام، تعبيرا عن حزن يتقاطر عبر دمعات تبلل الوجنات صدقا أو مجاملة، ولوحت به الزوجات والأمهات لذويهن المسافرين المبتعدين على ظهر سفينة أو قطار أو عبر طائرة، وهن ينقلنه بين عيونهن الدامعة والهواء الفاصل لهن عن الأحباء المغادرين.

على النقيض كان المنديل سفيرا بين المحبين وحاملا لرسائل الغزل والشوق، مقربا للمسافات الزمانية والمكانية، نُقشت على أطرافه أسماء الأحبة أو حروفها الأولى، ودست به الورود والهدايا، وضُمخ بالعطور والروائح، وصار عنوانا و دليلا على الفرح والابتهاج اذ هو من أدوات عقد القران لدى المأذون وأداة لدى راقصي الدبكة.

المنديل والفنون

المنديل

شارك المنديل رحلة الانسان عبر الزمان ومن محطاتها كان الفن، حيث هو مساحة وفضاء للإبداع وللتعبير بالنقش عليه بالخيوط المذهبة أو الملونة أو الرسم بالألوان، وغيرها من الطرق والابتكارات التي للمنديل الصدارة فيها، وقد أبدعت الأنامل أعمالا راقية استحقت أن تخلد بالمتاحف وتقام المزادات لاقتنائها لروعتها وتميزها اللافت .

كان المنديل جزء بارز ومميز بلوحات فنية ومنحوتات لكبار الفنانين ومشاهيرهم، فتراه على رؤوس بنات البلد بلوحات الفنانين محمود سعيد وراغب عياد ومحسن ابو العزم، ومنحوتات محمود مختار، وبلوحة «الأم ويسلر» للفنان جيمس ويسلر،  بيد الأم الحزينة بزيها الأسود، وغيرها من اللوحات والأعمال الفنية.

وتفننت الفنادق والمطاعم في طي وتشكيل المناديل على الموائد عبر طيات وأشكال فنية سواء كانت تلك المناديل ورقية أم من قماش يختلف نوعه بحسب مستوى ودرجة الفندق والمائدة والضيوف أو أحدهما.

تغنى الشعراء والمطربون بالمنديل فهو رسول المحبة ومندوب الغرام. تغني فيروز «يا مرسال المراسيل، خد لي بدربك ها المنديل»، ويغني عبد الحليم حافظ «ميل وحدف منديله، كاتب على طرفه أجيله» ولازم المنديل كوكب الشرق السيدة أم كلثوم بحفلاتها فصار مع تصفيفة شعرها علامة مسجلة لها، وكتب الشاعر عباس الديلمي «على منديلك الأخضر سكبت عواطفي عطرا».

ظهر المنديل بالأفلام حيث حملت بعضها اسمه «بائعة المناديل، دستة مناديل، الفيل في المنديل»، وهي أفلام عربية. أيضا الفيلم الامريكي «المنديل الأصفر». كما ظهر في أفلام فترات زمنية قديمة كجزء من ثقافة وتراث تلك المجتمعات وأحد أدواتها تماما كما كان الطربوش في فترة ما قبل منتصف القرن الماضي.

كان غطاء لرأس الفتاة بالمناطق الشعبية والأحياء الفقيرة ووسيلة ضبط الزينة ومسح العرق عن جباه النساء ورجال الطبقة المتوسطة، وسلة تحتوي الطعام للزوج وللأبناء بالقرى إلى حيث يعملون بالحقول، ثم يفرش كمائدة للطعام البسيط.

تقزم ثم استبدال

كما تحول استخدام الطربوش ليقتصر على الأفندية والموظفين في المرحلة السابقة لاندثاره، تحول المنديل القماشي ليحتل تلك المساحة الصغيرة المطلة من الجيب العلوي الأيسر للبدلة على هيئة مثلث للزينة، وتحول المنديل إلى علبة مناديل ورقية صغيرة تستخدم مناديلها مرة واحدة، بعدها تقذف لسلة القمامة دون اكتراث، أو مناديل معطرة مبللة على الموائد بديلا – مؤقتا – عن غسيل الأيدي بالماء والمطهرات، أو جهاز كهربائي بحائط يخرج تيارا دافئا لتجفيف اليدين عقب غسلهما.

زادت تعليمات المؤسسات الصحية بعدم استخدام المناديل القماشية للوقاية من انتقال الامراض أو تأخر الشفاء منها، من سرعة اختفاءها واستبدالها بالورقية والمجففات، لتصير اسما لا يحمل تلك الذكريات والدلالات القديمة التي عاصرتها أجيال سابقة تكاد هي الاخرى تندثر.

طرأ على المنديل ما طرأ على أدوات وآلات ومظاهر أخرى احتلت محلها أدوات حديثة سريعة وسهلة الاستخدام وأقل في الحجم وأحيانا في التكلفة ومتاحة بكل مكان للجميع، فصارت أنماط حياة البشر على اختلاف مواطنهم متشابهة في حين كانت تتنوع بتنوع بيئاتهم وثقافاتهم وتحولوا لمستهلكين وأسواق لمصانع عالمية ضخمة تنتج منتجات وتغير سلوكيات وثقافات لدعم الاستهلاك لتلك المنتجات، ومعها آلات إعلامية ضخمة ومنتشرة ومتاحة تروج لها.

 تراجعت قيم ومفاهيم ومشاعر ارتبطت عبر الزمان بالإنسان ومحيطه وامتزجت به، فاذا بها تذبل وتضمحل وتختفي لصالح ماديات لا تعبأ سوى بمكاسب مادية لا حد لها وخسائر روحية لا تدركها ولا تهتم بها.

لقد اعترى التغير والفناء أشياء كثيرة بحياتنا -لاسيما نحن الذين جاوزنا العقد الخامس من العمر-  فصرنا نجتر ذكريات ماض تغيرت ملامحه بسرعة مخيفة، ولسنا نعرف هل ذلك بدافع الحنين للماضي، أم هروبا من واقع نجد مشقة في التكيف مع سرعة إيقاعه وسرعة تبدله، أم أن ذلك الماضي به من الروحانيات والذكريات التي لا نجدها في واقعنا المعاصر، فنلجأ لتلك الاستعادة الرمزية التي لن تغير من الأمر شيئا.

هي ذكريات نقشت بصفحة ذاكرة فاذا بها تمحوها قطعة قماش على هيئة منديل أو هي دمعة حزن لفراق ذلك العهد، سالت على خد فمسحتها يد حانية بطرف منديل حنون.

*****

الكاتب والباحث المصري حمدي سعيد

المنديل

خاص قنّاص – مقالات

قنّاص وجهتك الثقافية الأولى

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات