Site icon منصة قنّاص الثقافية

الرحلة أين: ألف ليلة وليلة في بلاد العجائب بومباي | سمير درويش

سمير درويش

الشاعر المصري سمير درويش في بومباي

سمير درويش يكتب عن رحلة العجائب في بومباي

إعداد عماد الدين موسى

تنشر قنّاص في هذا الملف المتسلسل سيرة مكان يسرد فيها كُتّابنا الأعزاء رحلتهم، مقتفيين أثَرَ الانعطافات في الروح والزمن. إنها الرحلة أين؛ حيث نلتقي.

الرحلة أين مع الشاعر المصري سمير درويش؛ إلى الهند بلاد العجائب، راصداً حِدّة الفقر، تواجهه في الشارع المقابل حدة الغنى، من نساء يتحممن في الشارع، إلى طبيب يداوي جميع الأمراض، صاعدا الجبال التي تكسوها الغابات، مُتمشياً بين القرود التي تتجول كالناس! ومن على قمة الجبل يشاهد السحاب تحته، والطائرات.

***

من السماء، حين كانت الطائرة السعودية تهبط في مطار بومباي، سبتمبر عام 1994، رأيت مساحات كبيرة خضراء، تتخللها مهابط أمطار تصنع أنهارًا وبحيرات صغيرة وكبيرة، فأدركت أنني على موعد مع رحلة مختلفة عن الصحراء التي تكسو منطقتنا، لكن هذا لم يكن شيئًا بجوار المنظر الذي رأيته لحظة خروجي من باب المطار إلى الفضاء، حيث سيارات كثيرة جدًّا، وصغيرة جدًّا، مزدحمة ومتلاحمة بشكل غريب، وسائقون كثر يتحدثون لغة عربية مكسرة كالتي يتحدثها الآسيويون في دول الخليج، عرفت -بعد أيام- أنها سهلة التعلم لأن ألفاظًا كثيرة مشتركة بين الهندية والعربية، وبينها وبين الإنجليزية.

منذ اللحظة الأولى أدركت أن هذه رحلة مختلفة، وأن قدرًا جميلًا قذفني إلى صفحات كتاب «ألف ليلة وليلة»، حيث كل شيء عجيب، من أول رصف الشوارع الرئيسية بالإسمنت، إلى الأحجام الصغيرة لمعظم الناس والسيارات، إلى ملابس النساء التي تكشف بطونهن، والدوائر الحمراء التي توضع على جباههن ومفرق الشعر، قالوا لي إنها تميز المتزوجة عن العازبة.

كنت قادمًا من السعودية برفقة صديق منها، لذلك لم أستغرب أن كل من يقابلوننا: في سيارة التاكسي وفي الفندق والشارع والمطعم، يتعاملون معنا كخزائن أموال، ويتصارعون للفوز بأكبر نصيب ممكن منها.. لم أكن منشغلًا بهذا الحوار المادي، فقد كنت مبهورًا بتقسيم الشوارع وحركة الناس، وبـ«الركشة»، التي هي وسيلة التنقل الرئيسية في شوارع بومباي بأجرة موحدة ورخيصة، الركشة التي استوردناها في مصر بعد سنوات وسميناها «التوكتوك»، وعقدنا مناظرات ثقافية حولها، باعتبارها دليل انحدار في الذوق العام، وما يستتبعه من انحدار جمالي وثقافي. الركشة هي موتوسيكل يلحق به كنبة خلفية تكفي ثلاثة ركَّاب من الحجم الهندي الدقيق!

في بومباي تسير السيارات ناحية اليسار عكس ما اعتدنا عليه في مدننا، على الطريقة الإنجليزية، لأن عجلة القيادة ناحية اليمين، لهذا احتجت بعض الوقت لأتعلم من أين يجب أن أعبر وإلى أي اتجاه أنظر.. كنت أسير في شارع واسع يفصل بين الحي الذي أسكن فيه، سانتا كلوز، وحي جوهو، الأول متواضع إلى حد كبير والثاني شديد الثراء يسكن فيه النجم السينمائي المعروف أميتاب باتشان، رأيت مئات الشبان والشابات يقفون دائمًا أمام باب بيته ينتظرون خروجه لينعموا برؤيته، قال السائق: هؤلاء هنا دائمًا، إن كان باتشان في الهند أو في أوروبا!

صعدت الجبال التي تكسوها الغابات، ومشيت بين القرود التي تتجول كالناس! وأنا على قمة الجبل كنت أرى السحاب تحتي، والطائرات، وكنت أجلس وسط شلالات المياه التي تتجمع عند قمة الجبل من الأمطار وتجري سريعًا لأسفل مكونة أنهارًا وبحيرات، وكنت أتساءل بحزن: كيف لدولة تمتلك كل هذا السحر أن يعيش معظم مواطنيها فقراء؟ قال لي صديق يمتلك مكتب لتصدير العمالة: إن كل السيارات في الشارع الهندي هندية الصنع، حتى الماركات العالمية يتم تصنيعها في مصانع هنا بأيدي عمال هنود.

رأيت قطارات يغطيها الناس من كل جوانبها، ورأيت عائلات تعيش في الشارع حرفيًّا، يفردون شريطًا سميكًا من البلاستيك من أعلى سور المدرسة يميل إلى الأرض، ويثبتونه بأحجار ثقيلة ويعيشون في هذا المثلث! ورأيت نساء هذه المثلثات يتحممن في الشارع، يرتدين جلابيب واسعة ويسكبن الماء على أجسادهن من داخلها باعتياد ودربة، وأخريات (يفلُّين) شعور بناتهن بحثًا عن الحشرات..

حياة كاملة فقيرة يمكن أن ترصدها ببساطة، لكن قمة الدهشة كانت حين ذهبت -بمعاونة السائق- إلى طبيب أعشاب يتحدث الأوردية، في ضاحية بعيدة على أطراف بومباي، أخرج لي صورًا مع ملوك وأمراء عرب، ومطربين وفنانين حول العالم قبل اختراع الفوتوشوب، وقصاصات جرائد محلية ينشر فيها أناشيد وطنية، ويعالج جميع الأمراض بأعشابه، وأدين له بفضل علاج حساسية مزمنة بالأنف مقابل مبلغ زهيد!

*****

الشاعر المصري سمير درويش يكتب عن رحلة العجائب في بومباي

خاص قنّاص – سير ورحلات

طالع التالي

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات