مَعْرض فرانكفورت للكتاب ينعقد “ضد الوباء” | عارف حمزة

الصورة: رواية "امرأة زرقاء" لـ أنتيا رافيك شتروبل الفائزة بجائزة الكتاب الألماني لعام ٢٠٢١

رغم المخاوف الكبيرة من ارتفاع أرقام المصابين بفيروس كوفيد 19، والذي منع انعقاد الكثير من الفعاليات الثقافية في ألمانيا طوال العامين السابقين، وجعل معرضاً ضخماً وهاماً مثل معرض فرانكفورت الدولي للكتاب ينعقد العام الماضي بصيغة الديجتال، إلا أن منظمي المعرض قرروا عقد المعرض خلال هذا العام، وهو تحدي يُحسب لصالح جميع الأطراف المهتمين بصناعة الكتاب وترويجه وتسويقه.

ومعرض فرانكفورت الدولي للكتاب في ألمانيا يعتبر من أضخم المعارض الدولية للكتاب على مستوى العالم، والذي يستقطب عادة آلاف دور النشر والعارضين والكتّاب، لعقد صفقات ضخمة في سوق الكتاب، وكذلك بسبب الدعوات الكثيرة لمختلف الكتاب من أنحاء العالم.

وقبل انعقاد المعرض لهذا العام بين يومي 20 إلى 24 تشرين الأول (أكتوبر(، أعلنت اللجنة المنظمة، في يوم 16 أكتوبر، عن فوز رواية “امرأة زرقاء” للكاتبة الألمانية أنتيا رافيق شتروبل (ولدت في عام 1974) بجائزة الكتاب الألماني لهذا العام، والتي تبلغ قيمتها 25 ألف يورو.

فُرُوق كبيرة 

كان تأثير المخاوف من وباء كورونا واضحاً، وبصرف النظر عن الإجراءات الحديدية في المَعْرِض، فإن المتابع سيجد فُرُوق كبيرة بين مَعْرِض هذا العام والمعارض السابقة. وبمقارنة بسيطة بين آخر مَعْرض جرى في عام 2019 وبين فعاليات المَعْرِض الحالي تظهر الفُرُوق بشكل واضح؛ ففي عام 2019 كان يزور المَعْرض يومياً أكثر من 300 ألف زائر، وهذا الرَّقَم له دلالات كبيرة، بينما كان الحد الأقصى لزوار مَعْرض هذا العام هو 25 ألف شخص. وهو فرق هائل وكبير بين الرقمين.

هذا الفارق تجلى كذلك بأن زائر المعرض في هذا العام كان ملزماً بإبراز وثيقة تثبت تلقيه التطعيم الخاص بفيروس كوفيد 19، وإلا فإن عليه إجراء الفحص السريع لذلك ضمن طوابير طويلة، وتصيب المرء بالملل وكذلك بالغضب، مما تسبب بعزوف الكثيرين عن الزيارة. وفوق ذلك، كان على الزائر أن يلتزم بلبس الكمامة الطبية طوال الوقت، والالتزام بمسافة التباعد عن الآخرين بمترين.

هذا العدد القليل، في مساحة هائلة كمساحة معرض فرانكفورت الشهير، والتي تقدر بأكثر من 170 ألف متر مربع، جعلت ممرات المعرض شبه خاوية في هذا العام، وهو ما لم تعتد عليه الناس في السنوات السابقة، واعتبره البعض صادماً ومثيراً للتساؤلات.

لم يقتصر هذا الفارق في عدد زوار المعرض، وسلبيات هذا النقص، بل ظهر كذلك في عدد العارضين ودور النشر المشاركة. ففي هذا العام شارك 1500 عارض من 70 دولة. بينما في عام 2019 كان عدد العارضين 7500 عارضاً من أكثر من 100 دولة.

ممرّات شبه فارغة في معرض فرانكفورت للكتاب

ولكن من جهة أخرى، فإن إقامة هذا المعرض بعث آمالاً كبيرة لدى دور النشر وكذلك لدى الكتّاب، خاصة أنه يأتي قبل فترة أعياد الميلاد، التي تمتد لأسبوعين حتى الرابع والعشرين من شهر كان الأول (ديسمبر) من كل عام، والتي تشهد سنوياً في ألمانيا مبيعات هائلة، تشكل ما مقداره ربع مبيعات دور النشر خلال عام كامل.

ورغم هذه الآمال، فقد كان مدير المعرض يورغن بوس قد حذّر، خلال كلمته قبل افتتاح المعرض، بأنه “لم نصل بعد إلى مرحلة إقامة معرض للكتاب بصورته الطبيعية”. واستدرك بوس بقوله بأن حدث هذا العام يشكل فرصة من أجل “إعادة التواصل” في قطاع النشر والكتاب بعد انقطاع 18 شهراً عن المعارض المهنية الكبرى في هذا المجال.

حليم يوسف (يسار الصورة)

مساحات واسعة

الروائي السوري الكردي، المقيم في ألمانيا، حليم يوسف كان أحد حاضري معرض هذا العام. والذي وجد بأن عالم الطباعة والنشر وسوق الكتاب لم يسلما من تأثير جائحة كورونا، “التي أحكمت قبضتها غير المرئية على كل مفاصل الحياة في العالم خلال السنتين الماضيتين”. ولكنه اعتبر إقامة معرض فرنكفورت الدَّوْليّ للكتاب هذا العام، بالحضور الشخصي، خطوة باتجاه العودة إلى الحياة الاعتيادية، رغم أن القائمين على المعرض فتحوا الأبواب أمام مشاركة واسعة بطريقة الديجيتال بالتوازي مع المشاركة الاعتيادية بالحضور بشكل شخصي في المكان.

ومن اليوم الأول من زيارتي للمعرض، يقول حليم يوسف صاحب رواية “سوبارتو”، لاحظت هذا الفارق، سواء بنسبة المشاركة الشخصية المنخفضة، مقارنة مع السنوات السابقة، أو من خلال الأقنعة الواقية التي كانت تغطي أفواه وأنوف المشاركين والزوار. وأول ما لفت نظري هو حجم مشاركة كبريات دور النشر الألمانية التي وإن لم تغبْ بشكل كلي عن المعرض، إلا أنها اكتفت بمشاركة إما صغيرة الحجم أو رمزية. فدور النشر مثل زوركامب وهاينه وفيشر و دي تي فاو …الخ  كانت في السنوات السابقة تشارك بحجز مساحات واسعة من المعرض وبديكورات فخمة وبنشاطات مكثفة، في حين اكتفت هذا العام بحجز مساحات أصغر حجماً.

وخلال نشاطه في المعرض وجد يوسف بأن اللقاءات الثنائية بين القائمين على دور النشر والمترجمين وممثلي الوكالات الأدبية جارية على قدم وساق في أجنحة هذه الدور، في أجواء أشبه بالاحتفاء بهذه العودة الجزئية إلى تبادل وجهات النظر وعقد الصفقات، بهدف تنشيط سوق الكتاب الذي شهد تحولاً ملحوظاً باتجاه “التواصل الديجيتالي” في الفترة المنصرمة.

هكذا كانت الأجواء في قاعة عرض دور النشر الألمانية التي تعتبر أكثر القاعات ازدحاماً في العادة. و من حسنات قلة الازدحام هذا العام، يكمل صاحب رواية “خوف بلا أسنان”، قمتُ بزيارة كل الأجنحة في المعرض، وقد لفت نظري الصمت القائم في قاعات عرض دور النشر العالمية الأخرى، وقد كانت في الأيام الأولى، وقبل فتح الأبواب للزوار العموميين، شبه خالية. وغالباً ما تجد القائمين على الأجنحة يتجاذبون أطراف الحديث لطرد الملل ربما.

أما عن المشاركة العربية فقد وجد حليم يوسف بأنها كانت ضئيلة، باستثناء المشاركة الإماراتية الملحوظة وإجراء بعض النقاشات المتعلقة بأدب الطفل، وبقضايا البحث عن الوسائل الممكنة لانتشار الأدب العربي في السوق الألمانية للكتاب، والذي يشهد “ضعفا ملحوظا يكاد يشبه القطيعة”.

ضيف أدبي

كان من المقرر أن تكون كندا هي ضيفة شرف معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في عام 2020. وهذا ما جعل دور نشر ألمانية عدّة تتواصل مع عدد كبير من الكتّاب الكنديين، وأجرت معهم عقود شراء حقوق أعمالهم، في مختلف المجالات الأدبية والثقافية والسياسية والاجتماعية، وكذلك بإجراء اتفاقات مع مترجمين مختلفين. وقامت تلك الدور فعلًا بنشر عشرات الأعمال لكتَّاب كنديين، قبل أن تأتيهم الصدمة بإلغاء معرض ذلك العام. ولكن إدارة المعرض قررت أن تبقى كندا ضيفة هذا العام أيضاً، مما مكّن الناشرين الألمان، ودور النشر الكندية، من إخراج ما طبعوه من أعمال من المستودعات، أو إعادة طبع وعرض تلك الأعمال في المعرض الحالي.

العالم العربي

في كل عام يكون هناك أدب بلد ما كضيف شرف لمعرض الكتاب في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، وهو تقليد إيجابيّ جداً، لكل الأطراف، كدور النشر والمكتبات والكتّاب والنقاد والمترجمين والقرّاء أيضاً، للتعرف بشكل تفصيلي وحميميّ على أدب دولة أخرى. وقبل أدب كندا، ضيفة المعرض هذا العام، كان الأدب النرويجي (2019) والأدب الجورجي (2018) والأدب الفرنسي (2017) والأدبين الهولندي والبلجيكي (2016) … بينما تم الاحتفاء بأدب العالم العربي، بشكل مجتمع وليس بأدب كل دولة عربية بشكل منفرد، في عام 2004. وكانت تلك المبادرة فرصة كبيرة لترجمة وترويج الأدب العربي في ألمانيا، وفي أوربا. وكانت هناك حركة تَرْجَمَة جيدة في ذلك الوقت، وأغلبها كان لأسماء مكرسة وكلاسيكية، ولكنها سرعان ما خبت في السنوات اللاحقة.

وعند زيارة الأكشاك المخصصة لدور النشر العربية، ومعرض الكتاب في فرانكفورت هو لعقد الصفقات وليس لبيع الكتب مباشرة، يتفاجأ المرء بأن غالبية تلك الدور حكومية وتروّج فقط للكتب المتخصصة في المسائل الدينية، وللأسف لا تجد إقبالاً واسعاً من دور النشر ولا من المكتبات. حتى إن كثيراً من الزائرين العرب، الذين يبحثون عن الكتب باللغة العربية في ألمانيا وأوربا، والذين صاروا يشكلون جالية كبيرة هناك، يُصابون بخيبة الأمل. 

وداد نبي

الشعور بالكآبة

وعن أحوال المعرض لهذا العام قالت الشاعرة السورية الكردية وداد نبي، التي شاركت في أمسية من أمسيات المعرض لترويج كتابها الشعري الجديد “كُسور غير مرئية” الصادر بالألمانية عن دار سوجيت، بأن أول شعور راودها، عندما وصلت من برلين إلى فرانكفورت، هو الشعور بالكآبة. وقالت بأن “الكآبة هي أول ما شعرت به، حين تخطيت البوابة، بعد أن طلبت مني الموظفة بطاقة التطعيم والهوية وبطاقة الدخول، فيما كانت الموظفة الثانية تُذكّر الزائرين بضرورة المحافظة على المسافة وارتداء الكمامة.”

واستطردت وداد نبي بأن تلك الكآبة كانت تمتد أكثر فأكثر وهي تسير في الممرات العريضة شبه الخاوية تقريباً. “لم تكن هناك طوابير انتظار، وكنت قادرة على السير دون الاصطدام بالزائرين كما كان الأمر يحدث في عامي 2016 و2019  حين كنتُ مدعوة إلى هناك”.  

كانت ذاكرتي تُجري مقارنة بسيطة بين هذا المعرض ومعارض الأعوام السابقة. “عام الوباء”، تُكمل صاحبة مجموعة “ظهيرة حب، ظهيرة حرب”. عدد العارضين والزائرين كان أقل بكثير. “قبل الوباء كانت فكرة زيارة المعرض مثل الذهاب إلى عيد، أو مهرجان احتفالي ضخم، لكن هذا العام ظل فيروس كوفيد 19 يحوم حول المكان. كل شيء كان قليلاً بالمقارنة مع الماضي”.

ربما كان محقاً مدير معرض فرانكفورت يورغن بوس حين قال: “دعونا لانخدع أنفسنا، العودة إلى العمل لا تعني العودة إلى الوضع الطبيعي”. وهو محق بالنسبة للعارضين؛ فوجودهم في المعرض، رغم قلة الزائرين والأنشطة، يبقى أفضل بكثير من إلغاء المعرض.

استمرار ارتداء الكمامات

حين أراد الناشر أن يلتقط صورة لنا داخل المعرض، تُكمل وداد نبي، نَبّهنا المصور مستغرباً فيما إذا كنا نريد حقاً التقاط الصورة مع الكمامات. حينها ضحكنا والتقطنا الصورة من دون كمامة.

أما عن أمسيتها خلال المعرض، قالت وداد نبي بأن الفعالية التي شاركت فيها كانت ضمن فعاليات open books كانت المقاعد مرقمة بحيث لا يدخل مكان القراءة عدد أكبر، وكانت هناك مسافة بين المقاعد. كان يحق للزائر خلع الكمامة فقط حين الجلوس على المقعد. وعلى الرغم من هذا الأمر، لم يخلع معظم من حضروا كماماتهم، ولم يتسنّ لي رؤية ملامحهم وأنا أقرأ نصوصي. “ترى ماذا يحدث خلف هذه الكمامات؟”. تساءلت وداد وقتها. “لا تستطيع أن تتوقع ما يفكر به الجمهور الذي أمامك مع تلك الكمامات”. تكمل، ومع ذلك تجد وداد بأن فكرة إقامة معرض فرانكفورت للكتاب، مع كل ذلك الكم الهائل من الكتب التي يمكن أن تصادفها معروضة في أكشاك صغيرة، وتلك الفعاليات والقراءات، تجعل المرء يغض نظره عن رؤية الكمامات، وإجراءات التباعد وقلة أعداد الزائرين والعارضين. “فهو يبقى معرض فرانكفورت الدولي للكتاب رغم أنف الوباء”.

أضخم سوق للكتب

“ضد الوباء”. كان هذا عنواناً في العامين الماضيين، للحفاظ على سوق الكتب ودعم الكتاب الورقي وكذلك دعم القراءة، في ألمانيا التي تعتبر بأنها أضخم سوق للكتاب في الاتحاد الأوربي. وفي الوقت الذي توقفت العديد من دور النشر، الصغيرة والمتوسطة عن العمل، وارتباك حركة وصول الورق والكرتون، لأسباب مختلفة تتعلق بحركة السفن والموانئ وسائقي الشاحنات، فإن دور النشر والمكتبات الألمانية وجدت حلاً آخر لدعم الكتاب (الورقي والصوتي والإلكتروني) والقراءة؛ من خلال تطوير مواقعها الإلكترونية والبيع الرقمي، مما ساهم في ارتفاع مبيعاتها بنسبة 20 % عن المبيعات السابقة، والتي تبلغ أكثر من ملياري يورو سنوياَ.

ممرّات شبه فارغة في معرض فرانكفورت للكتاب

أقدم المعارض عالمياً

وفي ألمانيا هناك معرض آخر لا يقل أهمية عن معرض فرانكفورت الذي يقام في خريف كل عام، وهو معرض لايبزج للكتاب الذي يقام في ربيع كل عام. وإذا كان معرض فرانكفورت قد تأسس في 18 سبتمبر (أيلول) من عام 1949، فإن معرض لايبزج الدولي للكتاب معروف بنشاطه منذ 800 عام، وهذا ما يجعله من أقدم المعارض في العالم، ولكن هذا لا يفقد معرض فرانكفورت الدولي أهميته بأنه يأتي في المراتب الأولى عالمياً في سوق الكتب وعقد صفقات النشر.

العودة إلى تنظيم معرض الكتاب في فرانكفورت لهذا العام، يعتبر بداية ناجحة في تبديد المخاطر التي تحيط بقطاع اقتصادي كبير، وهو سوق صناعة الكتاب ونشره وبيعه، وتشدد من استمرار الدعم الكبير للكتاب الورقي وعقد اللقاءات بين الكتّاب والقرّاء في أمسيات ترويج الكتاب، وهو، في كل الأحوال، أفضل بكثير من إلغائه كما حدث في العام المنصرم. وهذا ما أكّد عليه الناشر يواخيم فون تسيبيلين، صاحب دار سيسسيون. ووجد بأن الممرات شبه الخالية كانت صادمة بالفعل، وتوفّر الوقت الفائض داخل أيام المعرض، و”هو عادة ما لا نملكه بسبب الزوار والنقاشات والقراءات وعقد الصفقات”. ولكن هذا أفضل بكثير من أن يظلّ مكان المعرض مقفلاً لعام آخر. “هذه العودة، على الرغم من السلبيات والإجراءات المشدّدة، أعاد لنا الأمل بأن يكون معرض العام القادم أشدّ شبهاً بما هو معروف عن معرض فرانكفورت الدولي للكتاب.

خاص مجلة قنآص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى