عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

الرجل الذي يبحث عن ذيله | النص والترجمة عن الكُرديّة: حليم يوسف

ارتفعت قهقهة الرجل وهو يدفع ما طلب منه سائق التكسي صبري صالح. سحب حقيبته الكبيرة السائرة على دولابين صغيرين باتجاه المطار، وهو يلتفت ضاحكا بين الفينة والأخرى. كان الرجل الأنيق فخورا بذيله السميك الذي يغطي مؤخرته، والذي يحمل لونا شبيها بلون ربطة العنق التي ترتاح على بطنه الكبير. اختفى الرجل في مدخل المطار ضاحكا، فيما بقي صبري صاحب التكسي، هذا هو الاسم الذي غطى على اسمه الحقيقي، حائرا يفكر في سبب القهقهة الصادرة عن زبونه الأخير. ولم يفهم السبب إلا حينما امتدت يده إلى مؤخرته متحسسا ذيله الطويل. تفاجأ باختفاء ذيله الجميل ، أصابه الرعب، أخرج مرآة صغيرة من جيبه ووجهها باتجاه مؤخرته ليتأكد من وقوع كارثة اختفاء الذيل. إصفر وجهه عندما وجد المرآة خالية من أي ذيل. كان عاجزا عن التفكير في سبب هذا التحول الكارثي المفاجىء الذي طرأ عليه. من الصعوبة بمكان الاستمرار في العيش بلا ذيل في بلاد تغطي مؤخرات جميع سكانها الذيول. هناك فروقات كثيرة بين ذيل وآخر، ذيول مختلفة الأشكال والألوان والأحجام. يتسابق الجميع على الاهتمام بذيولهم، وعلى تجميلها وتشذيبها وتغيير قياساتها، إلا أن خلو الجسم من حمل الذيل عار لا يمكن القبول به، ولا يمكن لمن لا ذيل له رفع رأسه بين الناس في هذه البلاد التي أصبح الذيل رمزا للعيش الكريم فيها، وفقدانه يستوجب التوبيخ والعزل والتعرض لأقسى العقوبات من قبل الناس قبل الجهات الرسمية، الحكومية والقضائية. تنفس الصعداء عندما وجد نفسه وحيدا في الشارع وما من أحد يراقبه في تلك اللحظات وصعد سيارته التكسي كلص خائف من أن يقبض عليه بالجرم المشهود. اطمأن إلى أن أحدا ما عدا الزبون الذي غادره ضاحكا لم يجده دون ذيل. في الطريق إلى البيت فكر بزوجته التي كانت خائفة طوال الوقت على أن يفقد أحد من أفراد العائلة ذيله وخاصة هو أو ابنه الذي يتهيأ للزواج. وتدعو الله أن يحمي حياتهم ويحفظ لهم ذيولهم إلى آخر العمر. عاد متأخرا إلى البيت لعل وعسى يؤجل مناحة زوجته إلى يوم غد، إلا أنه لم يفلح في ذلك، إذ رأى زوجته تنتظره على الباب لدى دخوله. قابلته زوجته بسؤال مفاجئ:

– لماذا لا ترد على التلفون؟ سأدفع نصف عمري لأعرف أو أفهم سبب امتناعك عن الرد على مكالماتي.

قبل أن يجاوب على سؤالها الصعب، انتبه إلى أنه قد أغلق هاتفه الخلوي منذ بدء اكتشافه لاختفاء الذيل اللعين بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار. رغم أنه تجنب الالتفات أمام زوجته أو إدارة ظهره لها، إلا أنها ركضت إليه وهي تمسكه من ذراعه وتحدق في مكان الذيل الفارغ في أعلى المؤخرة مباشرة:

 – أين ذيلك يا مسكين؟

وانقلب غضبها إلى نحيب وهي تضرب وجهها بيديها نادبة حظها التعيس:

 – يا رب، كيف سأرفع رأسي بين الناس بعد اليوم، يا للعار، يا للعار، زوج بلا ذيل.

لم تعطه الفرصة ليوضح لها بأن كل شيء حدث فجأة ودون أن يشعر بأي شيء، وأن ضحكة ذلك الزبون المشؤوم الذي أوصله إلى المطار هي من جعلته يكتشف هذا التغير الفجائي الذي طرأ عليه. وفكر بأن كل ذلك لن يغير من الأمر شيئا، وأن الفاجعة وقعت ولا مناص من التملص والهرب من الأمر الواقع. وبدأت زوجته بالرجاء منه لإخفاء الأمر عن ابنهما الذي خطب قبل فترة قصيرة بنتا يحبها بجنون، وصارحته بمخاوفها الكثيرة:

-أتعلم أن أهل البنت سيفسخون الخطوبة إذا سمعوا بوقوع هذه المصيبة التي حلت بنا هذا اليوم. معهم حق، كيف سيزوجون ابنتهم المدللة لعائلة كبيرها ومعيلها بلا ذيل. يا للكارثة، يارب ساعدنا يا رب.

وعندما لم تتوقف زوجته عن الاسترسال في سرد مخاوفها والذهاب بها شرقا وغربا، صرخ في وجهها منفجرا:

-إذا لم تتوقفي على الفور، سأخرج إلى الشارع في هذا الليل صارخا بأنني فقدت ذيلي وأبحث عنه، ليسمع الجميع ذلك وكي لا يبقى الأمر سرا وأن تصبح حكاية على ألسنة كل الناس على طول هذه البلاد.

هدأت زوجته بعد إحساسها بجديته في تنفيذ تهديده، خاصة أنها تعرفه جيدا، على أنه صبور وهادئ إلى أبعد حد ولأن له حدودا إذا ما تجاوزتها هي أو غيرها فانه ينقلب رأسا على عقب ويفقد السيطرة على أعصابه ويقوم بتصرفات لا يتوقعها منه أحد ممن تعود على هدوئه وعلى صبره وقوة تحمله. أحست الزوجة بتسرعها في الولولة والنحيب على أمر لا يد له فيه ولا ذنب له في كل ما حصل. وهو كان مذهولا ومتأثرا بالفاجعة أكثر منها، فاعتذرت من نزقها ومن فورة غضبها المفاجئة. وبدءا بالتحدث مع بعضهما بهدوء وبضرورة التصرف بحكمة لمواجهة تحديات المصيبة التي قد تودي بمستقبل ابنهما الوحيد وتوصل وضع العائلة إلى الحضيض. اتفقا على إخفاء الأمر عن الجميع قدر الإمكان، وقررت خياطة ذيل لزوجها تلك الليلة لكي يخفي هذا الفقدان الكارثي عن الأعين ريثما يجدا حلا جذريا للموضوع من خلال مراجعة الأطباء المختصصين والمستشفيات. كانا يعلمان بأن الذيل الاصطناعي الذي ستخيطه الزوجة الليلة لن يحل المشكلة، وأن كشف التحايل على السلطات وعلى الناس سيعرضهما إلى المساءلة القانونية وإلى العقاب. ولكي يقطع الطريق على الضائقة المادية فانه سيستمر في عمله كسائق تكسي، خاصة أنه عمل لا يضطر إلى إدارة ظهره إلى الناس ولن يفضح السر بسهولة. توجهت زوجته إلى ماكينة الخياطة منشغلة بصنع وخياطة ذيل  لزوجها، فيما هو توجه إلى غرفة النوم. كان مرهقا، متعبا إلى أبعد حد، إلا أنه لم يستطع أن ينام. تمدد على فراشه، غطى رأسه باللحاف، أغمض عينيه، حاول تأجيل كل الأفكار المتصارعة في رأسه والغرق في النوم ليرتاح، لكنه لم يستطع. تحسس مؤخرته أكثر من مرة، لم يكن يستطيع جمع قواه وترتيب أفكاره ووضع يده على تدرج ما لاختفاء الذيل من جسده، ابتداء من الاستيقاظ من النوم البارحة وانتهاء بالضحكة اللئيمة لذلك الزبون الذي كان أول من اكتشف حادثة الاختفاء المفاجئة. لم يحدث معه أي جديد اليوم، ولم يجد سببا مقنعا لحدوث هذا الأمر اليوم وليس البارحة أو الغد. تذكر موت أبيه الغامض و إختفاء الذيل عن مؤخرته بمجرد تحوله إلى جثة. عاش الأب طوال حياته بعيدا عن الاصطدام مع السلطات والأجهزة التي تسير أمور العباد والبلاد، ولا يتذكر أنه تشاجر مع أحد من جيرانه أو من أقاربه أو من أحد من الناس. عاش مثله مثل كل الناس في هذه البلاد المترامية الأطراف حاملا ذيلا على مؤخرته، يعمل ليل نهار لإعالة أفراد عائلته وتأمين احتياجاتهم المعيشية فقط. ولم يلفت الأب المسكين بال ابنه طوال عمره في الحياة، إلا أنه تفاجأ به مفقود الذيل في يوم مماته. في البداية شك في الأمر وظن بأن الذيول التي تحملها مؤخرات البشر في هذه البلاد تغادر الأجساد بمغادرة الأرواح لها، وأن الذيول تختفي وتموت بموت أصحابها. إلا أن الوقائع التي عايشها بعد ذلك اليوم كذبت هذه الظنون كلها، وتأكد بأن والده هو الوحيد الذي إختفى ذيله بمغادرة روحه لجسده النحيل. سنوات طويلة وهو يحمل هذا السر الشخصي لأبيه معه، ولأن أمه سبقت أباه في الرحيل، لم يتمكن من التأكد من حقيقة المسألة من أي أحد آخر. هناك احتمالان لا ثالث لهما، الأول هو حدوث أمر شاذ مع أبيه وهو أن الذيل قد إضمحل وذاب واختفى بموته فعلا، والثاني هو خلو جسد أبيه من أي ذيل حقيقي والعيش بذيل اصطناعي وقدرته الجبارة على إقناع الآخرين على أنه يحمل على مؤخرته ذيلا حقيقيا مثله مثل غيره من البشر الطبيعيين. تساءل بينه وبين نفسه فيما إذا كان ما حصل له يعود إلى سبب وراثي، فقد يكون الأب قد مر بالتجربة نفسها إلا أنه تدارك الأمر وبقي كل ما حدث معه سرا حمله معه إلى القبر. السؤال الذي طرحه على نفسه، إذا كان الأب قد نفذ بجلده ولم يتعرض إلى عواقب البقاء بلا ذيل في بلاد يعتبر فقدان الذيل فيه جريمة، فيما إذا تقصد المرء ذلك، ويعتبر بمثابة إعاقة يتوجب معالجتها على الفور فيما إذا تعرض المرء لها بشكل غير متعمد. عندما راجع الطبيب المختص، سألته الممرضة التي ظنت بأنه يحمل ذيلا حقيقيا وليس اصطناعيا، وقد أفرحه ذلك وجعله فخورا بمهارة زوجته في صنع الذيول. إستغرب الطبيب من حالته النادرة وأمطره بعدد لا نهائي من الأسئلة المتعلقة بصحته الجسدية وبالوضع الصحي لأهله:

– هل حدثت لديكم في العائلة أمورا شبيهة بهذه من قبل؟ .

 جاوب صبري مرفقا أقواله بجملة، على حد علمي، بشكل دائم. أصر الطبيب على البحث عن السبب مبررا أسئلته الكثيرة:

-لا نستطيع أن نحسن التصرف مع النتيجة، دون معرفة السبب الذي أدى إلى هذه النتيجة.

وطرح سؤالاً لم يجد أي جواب له:

-كيف فقدت ذيلك؟ هل انكسرت أو انقطعت وسقطت منك، أم أنه قد إضمحل وتضاءل حجمه مع الأيام ومن ثم اندثر؟

حين رآه الطبيب عاجزا عن تقديم إجابات شافية لأسئلته الصعبة، توجه بدفة أسئلته إلى الناحية النفسية وبدأ يسأله عن الصدمات النفسية التي تعرض لها مؤخرا:

– هل تعرضت إلى ضغوطات نفسية مؤخرا؟

– طوال عمري أعيش تحت ضغط نفسي شديد.

لدى عودته إلى البيت تحدث إلى زوجته عن حيرة الطبيب من تشخيص حالته النادرة وعن إحتمال خضوعه إلى معالجة نفسية طويلة الأمد. ارتاحت زوجته إلى الفكرة وشجعته على ذلك، خاصة أن الابن العريس بدأ يشك في تحولات صحية سلبية طرأت على أبيه. ولم ينجح الأب بشكل تام في إقناع إبنه أن كل شيء على ما يرام، من خلال تجنبه الاجتماع مع ابنه وجها لوجه إلا عند الضرورة القصوى. وحسم صبري الأمر بتقاسم وقته بين سواقة التكسي وبين جلسات طويلة لدى أحد الأطباء النفسيين. خاصة أن ذلك تزامن مع حملة إعتقالات واسعة قامت بها قوات الدولة ضد اللا ذيليين ورميهم كالعادة في غياهب السجون بانتظار محاكمات صورية قد تعقد أو لا تعقد. ومن خرج من السجون من هؤلاء حيا، كان يخرج وهو يحمل على مؤخرته ذيلا أطول وفق المقاسات المتعارف عليها لذيول المواطنين الصالحين في هذه البلاد المستقرة والهادئة. سنة و ستة أشهر مضت وهو يخضع لمعالجة نفسية مكثفة، شعرت زوجته بتغير جسدي يطرأ على زوجها بالفعل، ولم يكن هذا التغير غريبا، فقد بدأ الذيل بالظهور فوق مؤخرته بشكل طبيعي، كما هو الأمر لدى الآخرين، فسألته بشعور يتوزع بين الفرح والافتخار:

 – هل من نتيجة ما، هل تحس ما أحس به؟

جاوبها بصدر منشرح وبرضاه التام عن النتيجة. أيام وسيتخلص من الذيل الاصطناعي القميء، والأهم منه أنه سيتخلص من محاولات التمثيل الصعبة التي يمارسها أمام الآخرين لخداعهم بأنه يملك ذيلا حقيقيا. وبالفعل، حدث ما كان يحلم به، وعثر أخيرا على ذيله الحقيقي الذي عكر عليه حياته كلها باختفائه المفاجئ قبل سنوات. وفرح على أن ذلك اليوم الأسود قد أصبح جزءا من الماضي وسيتابع حياته مثل غيره كالمعتاد، رغم قيام اللا ذيليين بحوادث انتقامية على الإعدامات الجماعية لهم في سجون البلاد. فازدادت تحركاتهم العنيفة في الآونة الأخيرة، ردا على عنف السلطات تجاههم. حتى جاء ذلك اليوم الذي قدم إليه زبونا شبيها إلى حد التطابق مع ذلك الزبون الذي أوصله إلى المطار في ذلك اليوم الأسود الحزين. والغريب في الأمر أن الزبون الجديد طلب منه إيصاله إلى المطار، فوافق بالطبع. إلا أنه كان مذهولا وكاد أن يغرق في الضحك على فقدان الزبون لذيله، وتجمدت الضحكة على شفتيه عندما تذكر ضحكة الزبون القديم. وفي الطريق إلى المطار أخرج الزبون الجديد الذي كان يجلس إلى جواره في التكسي مسدسا حربيا وهو يطلب منه التوجه إلى ساحة المدينة بدلا من المطار، فانصاع مجبرا إلى طلبه، ووجه مقود التكسي بناء على طلب الزبون إلى ساحة المدينة. طلب منه الزبون إطفاء محرك التكسي والتوجه معه إلى الساحة، فاقتيد إلى الساحة وفوهة المسدس تلامس صدغه. بوصوله إلى الساحة فهم كل شيء. كانت هناك مجموعة هائلة من المسلحين اللا ذيليين الذين كانوا يتحدثون عن ثورة شاملة، وعن انقلاب قادم سيطيح بالرؤوس الكبيرة التي تدير هذه البلاد. أجبره الزبون المسلح على الانضمام إلى الحشود التي اجتمعت تحت تهديد السلاح هناك. وخطب فيهم قائد المجموعة المسلحة بالسكاكين والبنادق قائلا:

 – عليكم أن تحسموا أمركم الآن وخلال دقائق وأن تختاروا بين رؤوسكم وبين ذيولكم، إما أن يبقى الرأس فوق الجسد أو يبقى الذيل فوق المؤخرة. من يختار رأسه، فليضع يديه على رأسه، وسنقطع ذيله. ومن يختار ذيله، فليضع يديه على ذيله، وسنقطع له رأسه. ومن لا يختار أحدهما، فسنقطع الرأس والذيل معا. 

ولأنه اقتيد إلى مكان في نهاية الحشود، فقد كان يرى هذا المشهد العجيب بوضوح. ما لفت نظره أن أيادي الحشود ارتفعت وهي تضم ذيولها بخوف دون أن يتأخروا في حسم أمرهم. وبدأ ت حفلة قطع الرؤوس الصاخبة، فبدأت بالتدحرج في محيط الساحة، تحت سماء مكتئبة، مغطاة بغيوم تتخذ أشكال ذئاب رمادية. كان صبري، سائق التكسي، مذهولا، يفكر في الساحة حينا وفي من هم خارجها حينا آخر، فيما حملة السكاكين يقتربون منه شيئا فشيئا، وهو محتار في الاختيار بين الذيل والرأس.

***

حليم يوسف: 

كاتب وروائي كُردي سوري، يكتب باللغتين الكردية والعربية، يقيم منذ العام 2000 في ألمانيا. حائز على جائزة الرواية الكردية في العام 2015 من دار أنديشه في السليمانية- كردستان العراق، عضو في نادي القلم الألماني PEN.

صدرله عدد من الروايات والمجاميع القصصية، نذكر منها: “سوبارتو (1999)”، “خوف بلا أسنان (2006)”، “حين تعطش الأسماك (2008)”، “تسع وتسعون خرزة مبعثرة (2011)”، “الوحش الذي في داخلي (2018)”، “نساء الطوابق العليا (1995)”، “موتى لا ينامون (1996)”، “مم بلا زين (2003)”، “آوسلاندر بيك (2011)”، “الرجل الذي يبحث عن ذيله (2021)”.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى