عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

الشاعرة أنا أخماتوفا بريشة الرسام ناثان ألتمان | الزبير مهداد

العلاقة متأصلة بين فني الشعر والرسم، وقد وصفها القدماء من اليونانيين والعرب وصفا ذكيا، قال “سيمونيدس” (ت 465 ق. م) واصفا العلاقة الوثيقة بين فني الرسم والشعر: (الشعر رسم ناطق، والرسم شعر صامت)[1]. ومن العرب نذكر على سبيل المثال لا الحصر الفيلسوف الكبير الفارابي الذي قال عن الشعر والرسم إنهما مختلفان في مادة الصناعة ومتفقان في صورتهما، وعلى الرغم من الفرق القائم بينهما، إلا أن فعليهما جميعا التشبيه[2].

 ويشترك فنا الشعر والرسم في الاهتمام بالحياة والوجود، ومعالجة موضوعات تجمعهما، لكن يتناولها كل فن بمقاربة مختلفة، تعبر عن رؤية متميزة. وكثير من العباقرة زاوجوا بين الفنين الشعري والتصويري، فأبدعوا وأثروا الحياة الثقافية بنصوص شعرية لطيفة ولوحات فنية باهرة.

وقد خلف الشعراء في جميع اللغات، قصائد كثيرة عن الرسامين ولوحاتهم، تشيد بفنهم، وكانت موضوعا لدراسات نقدية عديدة. وفي المقابل صور الرسامون موضوع الشعر والإلهام في العديد من اللوحات الفنية، كما خلدوا الشعراء الكبار بتصويرهم في لوحات ثمينة، حققت درجة عليا في قوة التشخيص ودقة الملاحظة وشمولية التعبير، على الرغم من أن فن البورتريه يعد فنا صعبا في عرف الرسامين،  لأنه من الصعب عكس كل ملامح الشخصية من خلال الرسم، والوفاء بدقة بكل معالمها الجسدية البارزة، وتعبيراتها عن مزاجها النفسي الذي اشتهرت به. لذلك كان رسامو البورتريه قلة بين عدد الرسامين، والقليل منهم نجح في مضماره وحقق تميزه وتفوقه.

 وفي المقالة التالية نستقصي رؤية رسام كبير وهو ناثان ألتمان لشاعرة كبيرة وهي أنا أخماتوفا، عاشا معا في ظل نظام سياسي شمولي، اختلفت آراؤهما السياسية واتفقت مشاعرهما الفنية وأحاسيسهما بثقل المكابدة والعناء بسبب الاستبداد السياسي، فهل سيفلح الرسام في تصوير الشاعرة بدقة، ورسم ملامحها وتشخيص مشاعرها ومكابداتها؟

الرسام ناثان ألتمان

ألتمان بورتريه شخصي | sobaka.ru

ولد آلتمان Nathan Isaevich Altman  في أوكرانيا عام 1889م لعائلة ثرية تشتغل بالتجارة. ودرس الفنّ في جامعة أوديسا الأوكرانية. وفي 1910 ذهب إلى باريس حيث مكث فيها عاما، درس خلاله في الأكاديمية الروسية الحرّة، وتعرّف هناك على مارك شاغال ومواطنه الرسّام ألكسندر أرشيبينكو.

 كان ألتمان رساما مبدعا موهوبا، تمتع بتكوين أكاديمي فني عميق، ومواكبة دائمة لحركات التجديد الفني، وشبكة واسعة من علاقات الصداقة والتبادل الفكري مع فناني ومثقفي عصره. لكنه توقف عن رسم اللوحات الفنية، في خضم الثورة البلشفية في روسيا، وتفرغ لإنجاز الديكورات العامة وديكورات المسارح. على الرغم من معانقته رسم اللوحات الفنية ما بين 1928 و1935، لكن في باريس، أثناء مقامه بها خلال تلك السنوات.

 خلف ناثان ألتمان ثروة من الأعمال الفنية، لوحات كثيرة، وتصاميم فنية بديعة، ورسوما توضيحية زين بها أعمالا روائية لمعاصريه، وأهمهم غوغول. جرب في أعماله عدة أساليب واتجاهات فنية، بعضها حاول فيها بعث تقاليد الانطباعيين، كما تميزت أعمال أخرى باتجاهها الواقعي الحالم، وأبرز لوحات كثيرة تأثره الواضح بالتيارات الفنية التي عاصرها، وخاصة الحركة التكعيبية التي تزعمها الفنان الإسباني الكبير بيكاسو.

أبدع ألتمان في رسم البورتريهات الشخصية، ويعد بورتريه أخماتوفا والتمثال النصفي للزعيم لينين، من أهم وأشهر ما أنجز في هذا المجال، إذ بفضل تمثال لينين اكتسب شهرة عالمية، ونال الميدالية الذهبية للمعرض الفني العالمي الذي أقيم في باريس سنة 1925. أما  بورتريه الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا، فما زال يحتل مكانة هامة في العالم، ضمن الأعمال الفنية الخالدة.

الشاعرة أنا أخماتوفا

ولدت أنا أخماتوفا Anna Akhmatova (غورينكو) في أوديسا الأوكرانية عام 1889م لأسرة ثرية، اتصفت منذ صغرها بطبعها الحاد، كما  تميزت بالذكاء المتقد والفطنة ورهافة الحس، بدأ اهتمامها بالشعر في صباها. وسرعان ما لمع نجمها، فأضحت  اسما بارزا في الشعر. وقد اشتهرت بأشعارها العاطفية، في مجتمع تقليدي محافظ، فقوبلت موهبتها الشعرية بمعارضة والدها، الذي عد شاعريتها انتقاصا من اسم العائلة والتقاليد الذكورية، التي تحرم على المرأة الاشتغال بالفكر والفن، ولكنها أصرت على مواجهة الرفض العائلي وانساقت وراء موهبتها، واختارت اسما أدبيا خاصا بها بدل اسم العائلة، هذا الاسم الجديد “أخماتوفا” يحيل على “أخمات أحمد” وهو أحد أجدادها التتريين من جهة الأم الذي أصبح مصدر افتخارها، بدل أصولها من جهة الأب الذكوري الذي اعترض على نبوغها لأنها مجرد أنثى.

 تحدت ظروفها بشجاعة، وواصلت السير في طريق الإبداع الشعري بخطى ثابتة، واثقة من نفسها وموهبتها. صلابتها أكسبتها حدة  في مواقفها السياسية والاجتماعية، وقوة في التصدي للاستبداد السياسي والتقاليد الاجتماعية المحافظة. في عز الأزمة السياسية الاجتماعية الروسية، وزمن الانتفاضات الشعبية والثورات، وصَعَّدَت احتجاجها وتمسكها بمواقفها المعارضة، حتى بعد نجاح الثورة في القضاء على القيصر والاستيلاء على السلطة، فكلفتها جرأتها السياسية وشجاعتها الأدبية سنوات من السجن والتضييق، عليها وعلى أسرتها، في ظل النظام الشيوعي الجديد. فأعدم طليقها الأول وزوجها الثاني بالرصاص، وتوفي الثالث في معتقل للأشغال الشاقة، أما ابنها الوحيد فقد قضى في المنفى سنوات عديدة، بينما تم التضييق عليها، فكان مصيرها المنع من النشر في أوج تألقها الشعري، وطردت من اتحاد الكتاب عام 1922، ولم يسمح بنشر شعرها وتداوله على الرغم من شعبيتها الواسعة؛ إذ كانت  تعد إحدى أعظم الشاعرات في العالم.  فعانت الفقر والتهميش والتضييق، ولم يعد لها الاعتبار إلا بعد وفاتها عام 1966، فطبعت دواوينها، وتم تكريمها في الاتحاد السوفياتي ودول أخرى.

الشاعرة بريشة الرسام

  بعد لقاءات متكررة ابتداء من عام 1911 في باريس، ثم في سان بطرسبورغ، وبعد عدة جلسات في المرسم، أنجز الفنان عام 1914 لوحته المحفوظة اليوم في متحف سان بطرسبورغ، في اللوحة تبدو الشاعرة بكامل أناقتها المعبرة عن ذائقتها الفنية العالية، ترتدي فستانا أزرق، وتلف حول ذراعيها وشاحا أصفر برتقاليا بلون الشمس المشرقة بكل نورها،  تنتعل حذاء بكعب وجوارب سوداء،  جالسة على كرسي في هدوء وسكينة، شامخة، مرتاحة في وضعها مستسلمة لشروط الجلسة الفنية.  تضع قدمها اليمنى على اليسرى.  وتريح  قدميها  معا على كرسي خشبي واطئ،  تضم يديها إلى خصرها.

واللون الأزرق الطاغي بدرجاته في الرسم ما بين الفاتح والداكن، أكسب اللوحة هوية دينية، فهذا لون السماء، ويرمز في الديانتين اليهودية والمسيحية إلى قداسة وعظمة النفس، وبه تشخص السيدة مريم عليها السلام في لوحات الرسامين مرتدية رداء أزرق. وعلى الرغم من أنه لون بارد، يدعو إلى السكينة والهدوء، فقد جعله الرسام بمهارته يتناغم ويتآلف مع اللون الأصفر البرتقالي الحار الذي يستمد من الشمس والضياء، ويرمز إلى القوة الذكية والحكمة والحب الإلهي[3]، ويثير في النفس بهجة ويحركها، وبذلك تجاوز الرسام حد الشاعرة الجسدي، وتوغل في أعماقها إلى خلفيتها الثقافية، فلم يغفل الرسام إبراز ما يميز الشاعرة من مزاج قلق وكآبة، فجعل عينيها تشعان بحزن غريب، ترنوان إلى البعيد القريب منها،  تعكسان ما يطبع قصائدها من حزن وتأمل. كما رسم أنفا محدبا وشفتين رقيقتين، وقصة شعر تقليدية تمنح وجه الشاعرة شكلا أيقونيا، يضفي على هذا البورتريه مزيدا من رمزية الحزن الذي يطبع أشعارها. هذا الشكل الأيقوني لوجه الشاعرة، ستستنسخه الرسامة الروسية أولغا ديلا- فوس – كاردوفسكايا وغيرها من الرسامين خلال إنجازهم بورتريهات للشاعرة.

في الخلف، شخص الرسام منظرا طبيعيا يغلب عليه اللون الأزرق، يشير إلى الأحلام السامية للشاعرة، يتجلى فيه منهج المدرسة التكعيبية وخطوطها الهندسية وزواياها الحادة بشكل واضح. فمن خلال البورتريه، تبدو ملامح تأثر آلتمان بالتيارات الفنية الحديثة كالتكعيبية والمستقبلية، مزج بينها الرسام بطريقة نادرة موفقة، فتكعيبية آلتمان ليست من النوع الصارم، فهو حريص على وضوح معالم الشخصية، وحيوية الألوان.

 إن الرسام “ألتمان” والشاعرة “أخماتوفا” تجمعهما مع بعضهما عدة روابط، فهما معا ينتسبان إلى بلد واحد وهو أوكرانيا، وإلى ديانة مشتركة وهي اليهودية، وينحدران من طبقة أرستقراطية، وولدا في سنة واحدة، على الرغم من تباين ميولهما الفنية ومواقفهما وفعالياتهما السياسية. فجعل الرسام “ألتمان” من اللوحة صورة معبرة بقوة عن موضوعها وهو الشاعرة، وشخصيتها ومشاعرها وآلامها وسمو نفسها، كما جعلها في آن مرآة تنعكس عليها شخصيته، هويته الدينية، قلقه وطموحه، معاييره الجمالية، روحه المغامرة التي تبحث عن فضاءات أرحب تحلق فيها. عبر خلالها عن رفضه للتقاليد الاجتماعية والسياسية الصارمة التي تقيد المبادرة الفنية، وكأنه يوجه بها ومن خلالها رسالة سياسية إلى حكام بلده الاتحاد السوفياتي، يشعرهم بمآل ضحاياهم والعذابات والآلام التي يتسببون فيها لهم.

تداخل الواقع والمتخيل

إن الفنان، رساما كان أو شاعرا، وهو يواجه موضوعه المستسلم له، ويحيطه برؤيته، يستوعب المشهد، ويعيد إنتاجه وفق ما تمليه عليه مشاعره وعواطفه، متحررا من كل التزام يثقل عليه أو يعوق تعبيره، يسبغ عليه رؤيته الخاصة،على الرغم من تقيده بحدود المشهد المادية، فللفنان عالمه الخاص الذي يحلق فيه بموضوعاته التي يمتلكها. فحواسه، لا تخضع لشروط وتحكم العالم الخارجي، لأن تفاعلها الحيوي المستمر مع الموضوع، يجعلها تضفي عليه ملامح خاصة ورموزا معنوية، تخلق الموضوع خلقا جديدا مبدعا مبتكرا يستجيب لمشاعره وأحاسيسه. وهذه اللوحة استطاعت نقل الأفكار بشكل أفضل وأبلغ تعبيرا من الكلمات، وأيسر على الفهم والإفهام.


[1]مكاوي، عبدالغفار: قصيدة وصورة (الشعر والتصوير عبر العصور) الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، عدد 119، نوفمبر 1987م، ص15.

[2]الصفراني، محمد: الشعر والرسم، جريدة الرياض، عدد 15974، الصادر يوم الخميس 1 أكتوبر 2009، (شبكة انترنيت).

[3]سيرنج، فيليب: الرموز في الفن والأدب، ترجمة: عبدالهادي عباس، دار دمشق، 1992، ص 426.

الزبير مهداد: كاتب مغربي.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى