سينما/مسرح/دراماعين قناص

الفيلم التركي «عيد العشاق» لأوزجان ألبير.. رحلة المتعبين إلى دواخلهم | علي سفر

– بطاقة الفيلم:

اسم الفيلم: Aşıklar bayramı

سنة الإنتاج: 2022

المنصة: نتفلكس

اللغة: التركية

بطولة: Kıvanç Tatlıtuğ , Settar Tanrıöğen

للوهلة الأولى يبدو الفيلم الجديد للمخرج التركي أوزجان ألبير، والذي يحمل عنوان “عيد العشاق” أو “مهرجان التروبادور”* وكأنه مكرس للعلاقة الملتبسة دائماً بين الآباء والأبناء.

إذ يكفي لاستنتاج ذلك أن يعرف المشاهد بأن بطلي الفيلم حافظ علي (ستّار تاريوغين) جاء لعند ابنه يوسف (كيفانش تاتليتوغ) بعد غياب ربع قرن، وأن الأخير يحمل في داخله الكثير من الغضب على إهمال أبيه له ولأمه.

لكن تأمل مابعد هذا السياق العام للحكاية، سيفضي إلى ما هو أعمق من الصراع التقليدي بين جيلين، أو بين أب مهمل وابن مظلوم، فهنا في هذا العمل المأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للروائي كمال فارول (صدرت ترجمتها العربية قبل أيام بعنوان: ليالي الحكواتي)** سيدخل المشاهد في عالم فئة من الفنانين الشعبيين الذين لا يظهرون على السطح في وسائل الإعلام والترفيه الكبرى، بل يبقون في عوالمهم العادية، ينتشون بفرح الجمهور البسيط بهم، وبأغانيهم، وبعوالم القصائد التي يكتبونها لتغنى، وليتناقلها العشاق، طالما أنها تتحدث عنهم وعن خيباتهم ومشاق يعانون منها في سبيل الوصول إلى من يحبون.

بؤرة التشويق في الحكاية الهادئة تتأتى من رغبة يوسف في معرفة الأسباب، التي جعلت حافظاً يلقي به في فم القدر طيلة 25 سنة، وهو لا يحمل في ذاكرته عنه سوى مشهداً راسخاً في ذاكرته عن لحظة التقاط صورة فوتوغرافية تجمعهما، لكنها مليئة بالارتباك.

الصورة: غلاف “ليالي الحكواتي” (دار فلامنكو)

 

هؤلاء ممن يحملون آلاتهم الموسيقية ويتجولون بين القرى والمدن الصغيرة لن يأتوا المدن الكبيرة إلا من أجل شأن كبير، وهذا ما فعله حافظ علي حينما جاء ليزور ابنه، وبعيد قليل من التفاصيل سنكتشف مع الابن يوسف أن الزائر الطارئ يحتضر، وأن مبرر قدومه يتمحور حول رغبته بتوديع كل من يعرفهم، طالما أن الأجل بات قريباً!

بؤرة التشويق في الحكاية الهادئة تتأتى من رغبة يوسف في معرفة الأسباب، التي جعلت حافظاً يلقي به في فم القدر طيلة 25 سنة، وهو لا يحمل في ذاكرته عنه سوى مشهداً راسخاً في ذاكرته عن لحظة التقاط صورة فوتوغرافية تجمعهما، لكنها مليئة بالارتباك، فبينما يطلب منهما المصور في الاستوديو التقليدي أن يلتفتا إلى الكاميرا، سينظر كل منهما إلى الآخر، ولتتثبت اللقطة على هذا التفصيل، الذي سيكتشف يوسف في نهايات الحكاية، أنه لم يكن محض خيال بل كان حقيقياً، حين سيجد الصورة مخبأة في جوف قبعة والده التي يضعها على رأسه.

لكن طبيعة الفيلم التي سنكتشف أنها سينما الطريق، ستأخذنا في الحقيقة إلى عالم مختلف، هو جوهر حياة الأب العاشق الذي يبحث عن وجوه النساء اللواتي أحبهن، وها هو يمضي في الرحلة الأخيرةـ برفقة ابنه الذي يقود السيارة بهما، صوب ما لا يعرف من الأسرار، والتي قد يستطيع المرء التكهن بها حين يرى الأب يغادر ابنه ليذهب إلى إحدى المقابر ليعزف فوق قبر امرأة ما!

ثيمة الموت القريب ليست بجديدة في أعمال أوزجان ألبير، فقد بثها في فيلمه “خريف”، حينما جعل شخصيته الرئيسة المناضل السياسي المفرج عنه مصاباً بمرض مميت.

الصورة: مشهد من الفيلم | otekisinema.com

 

ثيمة الموت القريب ليست بجديدة في أعمال أوزجان ألبير، فقد بثها في فيلمه “خريف” الذي عرض في الصالات عام 2008، حينما جعل شخصيته الرئيسة -يحمل اسم يوسف أيضاً- المناضل السياسي المفرج عنه مصاباً بمرض مميت، سيقتله بعد قليل، لكن وجهاً آخر للثيمة يكتشفه المخرج في هذه الرواية، فينقب في ملامحه، وبالتوازي مع ذلك، سيحاول تفكيك الشخصية الأخرى التي تبدو غير مقبلة تماماً على الحياة رغم كونها شابة، أي شخصية الابن، فنرى فيها القلق والتردد والغرق في الوهم، مع اشتهاء حاضر للذكريات مع الحبيبة المفقودة، التي سنراها أو ربما نرى وهمها في مشهد شفاف يجمع بين يوسف والممرضة التي أعطت أباه الأدوية المهدئة.

في سينما الطريق (Road movie) ثمة دائماً ذروة قاسية هي النقطة التي تعلق فيها الشخصيات أثناء الرحلة، فتحتار في اتخاذ القرار، هل تعود؟ أم تكمل؟ وما هو المصير المترتب وراء أي من هذين القرارين، وغيرهما من التوجهات المربكة، وهنا في فيلم “عيد العشاق”، نرى أن الأب المقبل على الموت عالق بالأصل في الحتمية، بينما كان على الابن أن يأخذ القرار، إما أن يدع أبيه يقاسي في رحلته الأخيرة، ويتركه، أو أن يكمل معه المسافة للوصول إلى مدينة قارس حيث سيلتقي أصدقائه في لقاء أخير!

حافظ علي المغني الشعبي يترك أثراً في حيوات الآخرين، ليس بوصفه عاشقاً فقط بل بكونه مغنياً يبتكر الألحان التي يعزفها على آلة الساز الوترية التقليدية في تركيا، وبهذا فإنه يسجل شهادته الشخصية عما حصل من جهته.

الصورة: مشهد من الفيلم | otekisinema.com

 

سنرى يوسف يترك حافظ وسط الطريق، لكنه سيعود ليأخذه، وسيبقى معه حتى النهاية، وسيدرك كم هي التفاصيل مربكة، إذ “لا توجد خاتمة مرضية في وداع الآباء” كما يقول الفيلم، وفي الوقت نفسه لا يمكن التغاضي عن الآثام التي يرتكبها المرء في حياته، والتي تترك ندوباً دائمة في حيوات الآخرين؛ “لكل منا روايته عما حصل” هذا ما ستقوله إحدى عشيقات الأب لابنه، لكن ملامح وجوه الشخصيات التي اختار المخرج ممثليها بعناية، ستجيب بأن ما حصل لم وربما لن يرحل، حتى وإن أخذ الموت بالجميع!

حافظ علي المغني الشعبي يترك أثراً في حيوات الآخرين، ليس بوصفه عاشقاً فقط بل بكونه مغنياً يبتكر الألحان التي يعزفها على آلة الساز الوترية التقليدية في تركيا وفي المنطقة، وبهذا فإنه يسجل شهادته الشخصية عما حصل من جهته، لكنه بعيداً عن الألحان والغناء سيبقى صامتاً، تاركاً للآخر أن يكتشف ما يريد وبالطريقة التي يريد!

الفيلم يضج بالعاطفة، فتبدو الرحلة ههنا وكأنها تجوال في عوالم القلوب المتعبة!

لكنه ورغم هذا الانغماس في الداخلي، سينقل إلى المشاهد جزءاً من الفضاء العام الذي تعيشه الشخصيات، فتظهر صور الناس ومعيشتها بعيداً عن التسويق السياحي للمدن والأرياف الجميلة، مع إظهار شفاف للطقوس والعادات الدينية في الشرق التركي.

* الفيلم متاح على منصة نتفليكس.

** الترجمة بتوقيع: ملاك دنيز أوزدمير وأحمد زكريا.

علي سفر، ناقد سوري مقيم في فرنسا | qannaass.com

خاص قناص

اقرأ مقالات أخرى لـ علي سفر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى