القارئ والكاتب على ضفة واحدة “تداوليا” | إينانه الصالح

لوحة حاتم كوكو | السودان

إن كل قارئ هو مشروع كاتب، وكل كاتب لابد أن يكون قارئاً، لذا فالقراءة تحويل النص إلى حياة، أي صقل اللغة لكل التخيلات والتصورات ثم تحويل اللفظ إلى حركة فاعلة عبر توليفات تنفي الصورة النمطية الواحدة وتعيد تأليف الكتاب مرات لا تحص في ذهن قرائه حين يتخطى الخطاب نحو الإسقاطات الفعلية لهذا الخطاب ومدى التحول الذي يجريه على الواقع المعاش في سياق الممارسة، وإنها لتحدٍّ لا بد منه في المجتمعات على أمل اتساع الرؤيا وتنوعها ينزع منا ما هو مألوف وعادي وخاضع ويقوم على تحويل اللغة إلى ثورة فكرية مستمرة لا توقفها الأدلجة.

القراءة كفعل مرحلي:

تنتقل القراءة من مرحلة الإنصات إلى المرحلة التفاعلية، عندما لا يقف القراء عند حافَة القراءة الفعلية، حيث يتم التعاطي مع الكتاب بشكل أوتوماتيكي يتعلق بالعادة أكثر مما يتعلق بالفرادة، فيُقرأ لمرة واحدة ثم يقع تحت سطوة الحكم الانطباعي وبرؤية مختصرة وخالية من المعنى (جيداً كان أم سيئاً).

في حقيقة الأمر تعدّ القراءة عالماً لا يقل أهمية عن فعل الكتابة بل قد يفوقه عمقاً وضرورة وحظوة كونه أحد المحرضين عليها كما أنه الحكم الوحيد على حضورها. وعلى بساطة تعريفها كعملية يراد بها تحويل الرموز من حروف وكلمات وجمل وبأصواتها كي نفهم وندرك معانيها وما بين السطور وما خلفها، ونسبةً لمراحلها المتعددة التي قد يتجاوزها القلة القليلة من القارئين ممن يتجاوزون النص المقروء إلى مضامينه ومراميه ثم إلى محاكمته فمحاكاته بابتكار نص مواز للنص الأصلي، وذلك عن طريق فتح آفاق النص وتوسيع مستويات الفهم، تنتقل القراءة من المرحلة الآلية حيث فك الرموز البصرية نحو المعنى الظاهري بأداة هي إتقان اللغة المكتوبة، إلى المرحلة الحرفية حيث تطفو التفاصيل باستخدام أدوات هي اللغة والقدرة على الاستدلال والاستقراء لتلمس المعاني وتحديد فكرة النص وبنيته ويمكن اعتبارها قراءة تمهيدية، ثم إلى المرحلة التحليلية إذ تتملكه –أي القارئ- الرغبة بالبحث عن مقاصد الكاتب واستنباط ما هو مسكوت عنه لاستنطاق ما بين السطور عبر التحليل والتفكيك والربط بين مشاعر الكاتب وشخصياته، والعلاقة الصحيحة بين مكونات النص، مستعيناً بعلم النحو والعبارات الموحية ليلمس النص الفعلي، ومنها ينتقل إلى القراءة الجمالية غير الانطباعية، متبنياً حياديته ومحافظاً على اتساق النص بمعانيه ودلالاته وشكلانيته كما إشكالاته، إلى حيث النقد المتصل بالإبداع كخيار متفرد.

فعل التلقي ما بين الكاتب والقارئ:

إن تجاوز هذه المراحل تتعلق بشكل مباشر بالقارئ ومحيطه من جهة كما بالكاتب من خلال نصه من جهة أخرى وعلى قدر متساو من الأهمية:

فيما يتعلق بالقارئ ولكونه حامل معلومات النص فالأمر متروك لمستواه المعرفي، لنظامه اللغوي والثقافي، لأفكاره ورؤاه الخاصة ولقدرته على توظيف حصيلته المعرفية واللفظية ولمرونته وانفتاحه على المعطيات التي يمده بها النص المقروء مانحاً إياه إضافات تغذي معجمه الفكري والاصطلاحي واللغوي والنفسي والاجتماعي، وهذا يتم عقب التخلص من المنغصات الخارجية كسوء البيئة المكانية، والداخلية كسوء الحالة النفسية في أثناء القراءة والتي تؤثر على التركيز كما على التقبل والإدراك، فيميل القارئ حينها نحو قراءة الكلمات أكثر منها الأفكار ما يجعله يكتفي بالقراءة البصرية السريعة.

أما فيما يخص الكاتب فالأمر مرتبط بقدرته على إيصال حوامل النص من مشاعر وأفكار، عن طريق بنيته المنطقية وأسلوب عرضه، من خلال إبراز معنى أو توريته على حساب آخر تبعاً لغائية الكاتب والتزامه بلغته ودلالاتها وجعل السياق اللغوي مألوفاً نوعاً ما، بحيث يرتفع بسوية القارئ وبذات الوقت لا يستعصي على الأغلبية ويقتصر على النخبة، وهذا تحدده بكل بساطة صعوبة النص، وضرورة مقاربة الكاتب لزمانه ولثقافة عصره.

فقد يسقط الكاتب في فخ التعميم فيفقد مصداقيته، أو بالتحيز المباشر فيفقد منطقيته، أو يتنقل بين الأفكار والتراكيب بأسلوب صعب وتحكمه روابط مغايرة تماماً من حيث الترتيب واستخدام دهاليز علم النحو، أو أن يجنح الكاتب بخيالاته ليضيع في الغموض والرمز ويفقد القارئ القدرة على اللحاق به فيغرق في إبهام وتشويش ينسف رغبته بالاستمرار في القراءة، ثم أن لإيديولوجية الكاتب أو القارئ، ونزعته الفردية، يشكل جسراً يمتد ما بين المادة المكتوبة ومساسها بتجربة شخصية حالية أو سابقة، بحدث إنساني أو سياسي أو اجتماعي يقارب القارئ في زمن ما وقد يحلق به.

ما بين التأويلية والتداولية:

أياً كان مقصد الكاتب من منجزه الإبداعي أو العلمي (إخبارياً أم تواصلياً أم استدلالياً أم كشفياً …إلخ)، فإن الذكاء اللغوي هو أساس عملية التواصل بين المرسل والمستقبِل والقدرة على استخدام الكلمات الأبلغ تأثيراً والأكثر إقناعاً، كما على ترتيب الرسائل اللفظية منطقياً بحيث تتم عملية الحدث التواصلي على أتم وجه مهما كان هدف القارئ فإن جوهر العِلاقة بين القارئ والكاتب يجب أن يقوم على التقاط القارئ للمعنى معنى المعنى. لم يعد على القارئ البحث بين السطور أو خلفها فحسب، بل الانتقال إلى مرحلة تأويل الاشتغالات الفنية واللفظية ودخول حيز أكثر اتساعاً يشمل كل ما سبق ألا وهو الآلية التداولية في التعامل مع المعطى النصي والخطاب، ولعل هذه العملية الذهنية تعتبر العملية الأكثر فائدة وضرورة في العالم العربي مع أنّ منشأها يعود إلى بدء الاهتمام بالإحالة عن الفلسفة عند Frege, Russel, Quin حيث المنطق في طرح أسئلة وجودية تحمل فكرة التعبير المحيل والمحيل إليه، من بعد ذلك تحولت هذه الأسئلة لتشمل علم الدلالة والأفعال الكلامية والتأويلية والتداولية وما يتعلق بالسياق عند J.Austin,J.Searle, Strawson. فتداولياً لا ترتبط الأشياء فقط بمسمياتها بل بالطريقة التي استعملها الكاتب للدلالة عليها، وقد تطورت مع نظرية الملاءمة التي طورها دان سبيربرDan sperber عالم الاجتماع الفرنسي وديردر ويلسون Deirdre  Wilsonالفيلسوفة البريطانية في الثمانينيات من القرن العشرين، حيث قول أنها مثالية كأداة فعالة للقارئ العربي قبل الغربي على اعتبارها برنامج بحث يرتكز على استراتيجية مفتوحة، بالمعنى الدقيق.

خصوصية القراءة في العالم العربي:

ما بين المقاربة والمطابقة والمفارقة تبقى القراءة ولادة متجددة ونمواً مستمرا، إنها هذا النشاط النفسي والعقلي الذي ينطوي على عمليات حسية ومعرفية، فهل تعيش حالتها الصحية والطبيعية في عالمنا العربي؟ وهل بإمكان الكاتب العربي أن يصل إلى القارئ بشفافية وحيوية وهو ما زال يعيش في طوطم الممنوع والثالوث المحرم، والتابوهات التي تتناسب طرداً مع حضور الديكتاتوريات السياسية والدينية؟ وكيف يمكن أن تكون القراءة خلاصاً للقارئ في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها معظم البلدان العربية، حيث الكتاب ترف، والتفكير كفر؟ وكيف سيكون حضور الكتاب الذي يحمل الرقابة الداخلية (أي ذهنية الكاتب) قبل الرِّقابة الخارجية؟ هل بإمكاننا النظر إلى فعل القراءة في عالمنا كما نراه في البلاد الحرة والمنفتحة والتي يحصل مواطنوها على حقوقهم الطبيعية والبديهية في الحياة فلا يحملون هاجس المأكل والمشرب والمعيشة كصخرة سيزيف على ثاقلهم؟ ستبدو المقارنة بين مجتمعين على طرف النقيض –تقريباً- غير عادلة، بل مجحفة، فالحرية أهم عنصر في صنع القارئ والكاتب، إنها المسار المفتوح نحو الوعي ونحو دعم القدرات الحيوية للعقل الباطن والثقافية، والحوار المجدي من منظور التوجه الأيديولوجي، والقدرة على القيام بفعل الهدم وإعادة البناء والتعرف على القيم والقيم المغايرة  وماهية المسكوت عنه، إذا ما اعتبرنا التواصل فعلاً شفهياً وكتابياً أيضاً وأن النسيج النصي هو نتاج عِلاقة اتساقية بين العناصر، وبالتالي المفهوم الدلالي الناتج عن التأويل. لذا و”قبل كل شيء، اقض وقتاً ممتعاً. إن لم تستمتع أنت بكتابة نصك، من الصعب أن تتوقع أن أحداً سيستمتع بقراءته”[1].

[1] توم روبنز Tom R-obbins كاتب وصحفي أمريكي.

خاص مجلة قَنآص

FB_IMG_1618458328281_edited_edited.jpg

إينانة الصالح؛ أديبة سورية، صدر لها في الترجمة: رواية “الحب في البلدان الإسلامية” ، رواية “جيزابيل”، رواية “نيران الخريف”، “فرسان الريح”، “الحصان ذو الشعر الأبيض”، “الوجود الخالص ونصوص أخرى”، “الترجمة وأدواتها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى