عُمان في عيدها الثاني والخمسين عُمان في عيدها الثاني والخمسين

المرثية الأولى (إلى فيديريكو غارسيا لوركا) لـِ ميغيل هيرنانديث | ترجمة: عبد السلام مصباح

بمناسبة الذكرى 86 لاغتيال الشاعر الغرناطي

تعتبر هذه القصيدة من أشعار ميغيل هيرنانديث التي كتبها في السجن، وقد نشرت بعد موته إلى جانب أخواتها…اعتمدت في ترجمتها على أعماله الشعرية الكاملة.  الطبعة الخامسة التي صدرت 1979 عن منشورات (صفر Cero)، صفحات:305-308.

الْمَوْتُ يُطْعِنُ القُفّازَ

بِسِهامِهِ الصَّّدِئَة

وَفي بِذْلَةِ مِدْفَع

حَيْثُ الإِنْسانُ يَغْرِسُ آمالاً وجُذوراً

وَيُمْطِرُ مِلْحاً،

وَيُبَعْثِرُ جَماجِمَ.

يا خُضْرَةَ العُصور،

في أَيِّ زَمَنِ يَسودُ الْفَرَح؟

الشَّمْسُ تُفْسِدُ الدم،

وَبِفِخاخٍ تُغَطّيه

ويُظْهِرُ ظِّلاً أكثرَ ظُلمَة.

الأَلَمُ  وَمِعْطَفُه

يَأْتِيانِ مَرَّةً أُخْرى إِلـى لِقائِنا،

وَمَرَّةً أُخْرى

 أَدْخُلُ إِلى دِرْبِ البُكاء

ماطِراً

دَوماً أَراني داخِِلَ هَذا الظِّل

مَعْجوناً بِعُيونٍ وَعَكاكيز،

ظِل يَضَعُهُ قِنديلُ الْمَوْتِ

عِندَ الْمَدْخَل

وقِلادَة هائِجة لِقُلـوب.

أَبْكي داخِلَ بئرٍ

في نَفْسِ الجِذْرِ الكَئيب

من ماء،

من نحيب،

من قلب أحَبّ،

حَيْثُ لا أَحَد يرى صَوْتي

ولا نَظْرَتي،

ولا يرى بقايا دَمعي.

أَدْخُلُ بِبُطيء،

جَبيني يَنحَني بِبُطْيْ،

قلبي يَتَمَزّقُ بِبُطْيْ،

وبِبُطْـيءٍ وَاسْوِداد

عُدْت لِلبكاءِ قرْبَ الْقيثارَة.

فيديريكو غارسيا

كانَ إِلى الأمْسِ: غُباراً يُسَمى،

بالأَمسِ كانَ لَه تَحْت النَّهارِ فراغ

يُفضي اليوم إِلى حُفْرَةٍ

تَحتَ النَّجيل ô

كانَ كَثيراً،

كُنتَ كَثيراً والآنَ لَمْ تَعُد!

فَرَحُك المُثير

هَز أعمِدةً ودبابيس،

تهُز وتُقلع منْ أَسنانك،

والآن أصْبَحتَ حزيناًً

وَتُريدُ فقط فِرْدَوْسَ التّوابيت.

تَرْتَدي هَيْكَلاً،

تَنامُ نَوماً ثَقيلاً،

مُسَلَّحاً بلا اكْتِراث وباحترام

أَراكَ إِذا أَطْلَلْتَ بينَ حاجِبَيْك.

حَمَلْت حياتَكَ

مَغمورَة بزبَد

وَبِهَديل السَّماءِ والنَّوافِذ

مثل سَيل مِن رِيش

حامِلاً ريح الأسابيع.

يابْنَ عَمِّ التُّفاح

لا تسْتَطيعُ دودَة الخشب معَ زَخْمك،

لا يَسْتَطيع لِسانُ الدود مَع مَوتك،

ولإِعطاءِ صِحة شرسَة لِثمارِها

تَخْتارُ شَجَرَةُ التُّفاحِ عِظامَك.

يَنْبوعُُ لُعابِكَ أُعْمى،

يابْنَ الْحَمامة،

ياحَفيدَ العَندليب والزَّيْتون،

طالَما الأَرْضُ تَذْهَبُ وتَعود

سَتَكونُ دَوماً عريس الخلود،

رَوْثَ أَبٍ لِزَهْرِ العَسَل.

ما أَبْسطَ الْمَوْت، ما أَبْسَطَه،

لَكِنْ كَمْ هُو مَفتونٌ ظُلماً!

لا يَعْرِفُ الْمَشيَ بَطيئاً،

وَحينَ لا تتوَقع طَعْنَتَه الْمُعَكرَة يَطْعن.

أَنتَ، أَيُّها الصَّرْحُ الأَكثَر ثَباتا، تَهَدَّمْت،

أَنتَ، أَيُّها الباشِقُ الأَكْثَرَ عُلُوًّا، سَقَطْت،

أَنتَ، يا زَئيراً عَظيماً، صَمَت،

وَصَمَت، وَصَمَت، وَصَمَت. 

دَمُكَ الأُرْجُواني الفَرْح يَنْزِف،

مِثل سُقوطِ مَطارَق شرسَة،

فَوْقَ مَنْ اعْتَقَلَكَ مَيِّتأ،

بُصاق وَمَناجِلُ

تَهْوى فَوْق وَصْمَة في جَبينِه.

يَموتُ الشاعِرُ

فَيُحِسُّ العالَمُ في أَحْشائِه

بِجُرْحٍ واحْتِضارٍ،

وارتِعاش كَوْنِيٌّ لِقَشْعَريرة

تَهُزُّ الجِبالَ رُعْباً.

وَهجُ الموتِ مَصفوفة الأنهار.

أَسْمَعُ شُعوبَ آهاتٍ وَأَوْدِيَة أنين،

أَرى غابَةَ عُيونٍ أَبدًا يابِسَةً

وَشوارِعَ دُموعٍ وَمَعاطِفَ

وَفي زَوْبَعَةٍ مِنْ أَوْراقٍ وَرياح،

حِدادٌ وراءَ حداد وراء حداد،

بُكاءٌ وراء بكاء وراء بكاء.

لَنْ يبَعْثروا،

لَنْ يجُرُّوا عِظامَك،

بُرْكانُ دِبْسٍ،

رَعدُ أَقراص العَسَل،

شاعِرٌ مَشذورٌ، عَذِبٌ، مُرٌّ،

عِنْدَ حَرارَةِ الٌقُبَل

أسعَرت بِصَفَيْنِ طَويلَيْنِ مِنَ خَناجر،

حُبٌّ كَريم،

مَوْت كَريم،

نارٌ كَريمَة.

كَيْ يَجْعَلوا لِمَوْتِكَ رِفْقَة،

تَأْتي أَسرابُ الإيقاعات

لتملآُ كلَّ زَوايا الأَرْضِ والسَّماء،

بُروقُ اهْتِزازاتٍ زَرْقاء.

أَكْوامُ صَنّاجاتِ مُتَحَجِّرَة

طَوابير مَزاميرَ،

دُفوف وَغَجَر،

سَحابَة مِنْ زَنابيرَ وكَماناتٍ،

عَواصِف من قيثارات وَبياناتٍ،

انْفِجارات أَبواق انفار.

لَكِنَّ الصَّمْتَ

يُمكن أن يَكون أَكْثَر مِن آلات كَثيرة.

صامِتاً، مَهْجوراً، مُغْبَراً،

في الْمَوْتِ الْمَهْجور،

كَـأَنَّ طَرْقةَ بابٍ

أَغْلَقَتْ لِسانكَ وَنفسَك.

كما لَو كُنت أَتَنَزَّهُ معَ ظِلِّك،

أَتَنَزهُ معَ ظِلي

على أَرْضٍ مَفْروشةٍ ببساطِ الصَّمْت،

إِنَّ السَّرْوَ يَتَشَهّى الظِّلَّ أَكْثَر.

كَنَصْلِ الْمِشْنَقَة

يُحيطُ احْتِضارُكَ حي،

وَأَذُوقُ مَشْروباً جَنائِزِياً،

فيديريكو غارسيا لوركا

أَنتَ تَعرِف

أَني مِمن يُقاسونَ الْمَوتَ يَوْمِياً.

– النجيل  عشبٌ مُضرٌّ بالزرع.

عن القصيدة

هذه القصيدة مخصصة لشخصية غارسيا لوركا وهي موجودة في اللحظة التي علم فيها الشاعر باختفائه وموته. وعلم أن صديقه “مشى” وقتل ، ودفن جسده في مكان ما، وبالتالي منع مكان جثمانه من معرفتة حتى اليوم.

يضرب الموت حيث يكون أكثر إيلامًا، في أعماق حالة الإنسان، تاركًا وراءه الجثث والهياكل العظمية فقط. وحيث تُزرع الأرض تُقتل أيضًا ويؤتي الدم ثمارًا، لكنها ستكون مظلمة مثل الدم الذي يمثلهم. الشاعر يبكي ويحزن قلبه موت رجل يحبه.

لقد نقشت صورة الليل ومشى أولئك الذين لن يعودوا أبدًا. لا يريد أن يُرى وهو يبكي، لكنه لا يستطيع احتواء الألم الشديد الذي يشعر به. يتخيل الشاعر نفسه وهو يدخل فضاء قمعيا. قلبه حزين وأكثر حزنًا عندما يتخيل إحساس صوت القيثارة، وهو أمر له علاقة كبيرة بلوركا، الذي أحب الموسيقى وقبل كل شيء الأندلس.

لا يزال الشاعر يتخيل المكان الذي يوجد فيه موتى، ويتعرف على واحد منهم، والذي يجعله يعاني: فيديريكو غارسيا لوركا. بالنسبة للشاعر ، فإن الرجل الذي يقف وراء هذا الاسم قد قُتل، ودفن دون أن يقال أين. لقد كان شخصًا مهمًا بالنسبة له، ليس فقط كصديق، ولكن كرجل وكشاعر. قوّته وفرحه تتحول الآن إلى موت.

يعرف الشاعر أنهم قتلوه برصاصة في الرأس. كان شخصًا بريئًا طاهرًا وصالحًا، وجريمته الوحيدة هي تمسكه بالشعر بالقلم الذي كتب به الأبيات. يعلم الشاعر أن ذاكرته لن تموت وستظل أقوى، مثل جذع شجرة تفاح.

أسكت الموت خطبه لكنه لم يسكتها. كل ما كتبه هذا المؤلف هو عباءة من حياة جديدة، لشيء ينمو ويتوسع ويترسخ بقوة. يأتي الموت عندما لا نريده ولا يكون عادلاً أبدًا. الشاعر يمتدح شخصية لوركا.

ثمرة الرمان، عصيرها، صورة انتقام يتمنى الشاعر لمن قتل صديقه، متمنياً موته. بموت الشاعر يشعر أن هناك شيئًا فقده إلى الأبد من الناحية الأدبية. كل ما كتب عنه لوركا لا يزال حزينًا ويتيمًا، لا توجد جثة ولا يمكنك أن تقول وداعًا له. تظهر صورة موت لوركا، وهي طعنة جرح في أعماق روحه. موسيقى الطبيعة، من نصوصه، تبدو وكأنها وداع، وكأنها حداد. ومع ذلك، فإن الصمت يعبر عن أكثر من ذلك بكثير. موته يجعل الصمت يملأ كل شيء وهل هو الجواب على كل الأسئلة ولماذا؟ يستخدم الشاعر صورة السرو، الشجرة التي تنمو في المقابر، وظلها، ليجعلنا نلاحظ أن هذا هو ظل لوركا، لكن مع وفاة صديقه، فيديريكو، يصبح هذا الشعور شيئًا لا يمكن أن ينساه أبدًا.

محطات من سيرة لوركا

– تحتفي الأوساط الأدبية اليوم بالذكرى 86 لوفاة غارسيا لوركا.

– غارسيا لوركا شاعر وكاتب ومسرحي وموسيقي، وأحد أعظم شعراء القرن العشرين، وأحد مؤسسي جماعة جيل 27 الشعرية

– 1898 ولد في “فوينطي فاكيروس Fuente Vaqueros”، أمه معلمة، وأبوه مزارع ميسور.

– 1907 انتقلت أسرته ألى فالديروبيو.

– 1908 بدأ دراسته الموسيقية في العزف على البيانو والقيثارة.

– 1909 انتقلت الأسرة، مرة أخرى، إلى غرناطة ليتابع دراسته في الكلية اليسوعية.

– عامي 1916/1917 قام بأربع رحلات دراسية واكتشافية عبر ربوع إسبانية رفقة معلمه، والعديد من رفاقه، وخلالها التقى بالشاعر أنطونية ماتشادو.

– 1918 أصدر كتابة الأول “انطباعات ومشاهد”، بتمويل والده، وقد صدر بغرناطة، مسجلاً فيه بأوصاف نثرية غنائية ما شاهده، وما عاشه خلال تلك الرحلات الأربعة، وقد صدّره بإهداء في ذكرى موت أستاذه “أنطونيو ساغوراAntonio Sagura” وإلى كافة الأصدقاء الذين رافقوه في الرحلة

– 1919أمضى بعض الوقت ف مدريد بأقامة الطلبة التي كان تعتبر مركز إشعاع فكري وفني، وقد كانت هذه الفترة أساسية في حياته. فيفها إلتقى بصاحب “أنا وحماري Platero y yo” خوان رامون خيمينيث، وبالفنان السوريالي سلفادور دالي، والشاعرين خورخي غيلين، بيدرو ساليناس…وهؤلاء، وغيرهم، سيشكلون لاحقًا جزءً من جيل 27…

– 1921 عقد صداقة عميقة وقوية مع موسيقار إسبانيا الكبير”مانويل دي فايا Manuel de Falla”الذي تلقى على يديه دروسا في الموسيقى، ساعدته على صقل موهبته الموسيقية، ونمت في روحه تلك الرغبة الدفينة؛ فاستخدمها، كما ينبغي، في استيعاب وتسجيل الأغاني والألحان الشعبية؛ وبالأخص الأندلسية، وأصدر ديوانه الأول “كتاب القصائد Libro de poemas” الذي سيبشر بميلاد شاعر جديد.

– 1922 تم عرض أولى مسرحياته “الرقية المؤذية للفراشةEl Maleficio de Mariposa” ، لكنها منيت بفشل ذريع، فبقي بعيدا عن المسرح سنوات، كما تميزت هذه السنة بإلقاء محاضرة عن قصائد ديوانه “الغناء العميق El Cante Jondo” الغزلية، وفيه يحتفي بالتأثير المشرقي في الشعر الإسباني.

– 1927 تم، في مدريد،عرض مسرحية التاريخية الناجخة “ماريانا بينيدا Mariana Pineda” التي لقيت إقبالاً من الجمهور، وترحيباً من النقاد.

– 1928 أصدر مجلة “ديك Gallo”، لكنها لم تعمر طويلاً: عددان فقط.

– 1929 لملم حقائبه وسافر إلى نيويورك، عل احلامه تجد فضاءً رحباً في العالم الجديد، فتنطلق محلقة، حيث انتسب إلى جامعة كولومبيا التي سبق أن احتفت به وبأعماله، ومن على منبرها أعاد بعض المحاضرات التي سبق وألقاها في إسبانيا. …وقد كان من ثمار هذه الزيارة / الصدمة واحدة من أروع قصائد ديوانه “شاعر في نيويوركPoeta en Nueva York”،وهي قصيدة “نشيد إلى ملك هارلم Oda al Rey Harlem”. حي هارلم الوجه المشوه والبشع لمدينة الإسفلت والحديد والورق…حيث تورق العفونة ويزهر البؤس والفقر، وحيث تتفتح عوسجات القتل المجاني. “هارلم” المضطهدين والمصلوبين دوما على أسنة الحياة.

– 1930 قام بزيارة قصيرة إلى كوبا، بدعوة من جمعية الصداقة الكوبية الأسبانية، وذلك لإلقاء محاضرات ومنتخبات من شعره، فغمر قلبه الفرح وهو ينطق لغته الأسبانية الندية، ويشعر بدفء العاطفة الانسانية المتدفقة المخلصة في كوبا.

– 1932 حنت نفسه للتحليق، فعاد إلى أمريكا، وهذه المرة إلى  الجنوبية ، حيث زار البرازيل، الأوروغواي، الأرجنتين…وفي عاصمة “بوينس أيريس ” استغلت إحدى الفرق المسرحية الكبرى هذه الزيارة وعرضت ثلاثة من أحسن مسرحياته وهي: “عرس الدم”

و”الإسكافية الع” و”ماريانا بينيدا”. كما أعاد المحاضرات التي سبق وألقاها في كل من إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية. ولكن أكبر كسب حمله معه عند العودة إلى وطنه هو ذاك التعارف المثمر والمتميز، وتلك الصداقة الحميمية التي ربطته بشاعر الشيلي العظيم “بابلو نيروداPablo Neruda”.

– 1934 أطلق تصريحاً في ظل الحكم اليميني الذي كان في أوج قوته: “إنني ما أزال إلى جانب الفقراء، إلى جانب الذين لا يملكون سوى الشيء اليسير، والذين حرموا حرمو الأمن والحرية، وحتىالتمتع بهذا الشيء اليسير”

– 1936  أسفرت الانتخابات عن فوز القوة الاشتراكية الإسبانية، فانحاز، ككل الشرفاء،  إلى صفوفها، وشارك في أعمالها السياسية، مدافعا عنخا بكلماته الحرة، النابعة من قلبه.

– 19/08/1936 في فجر هذا اليوم سقط برصاصات آثمة،رمته بها بنادق كتائبية حاقدة،خارج غرناطة، في منطقة “فيثنار Viznar”، تحت ظلال أشجار الزيتون، قرب نافورة، حيث ظن الفرانكويون التعساء أنها بفعلهم الشبيع هذا أخرسوه إلى الأبد، ناسين أن الكلمة الشريفة، الكلمة الحرة، الكلمة النبل لا تموت، بل تبقى – رغم الثقوب الغائرة، ورغم الجروح العميقة، ورغم الزنازن، رغم المشانق..تكبر وتتكاثر في صدور بسطاء العالم، في قلوب ملايين الغجر بكل عنفوانها وعذوبتها…

“حين أموت

تحت الأرض ادفنوني

مع قيثارتي.

حين أموت

بين البرتقال والنعناع.

حين أموت

إن شئتم في دوارة الهواء

ادفنوني.

حين أموت

آه…حين أموت”.

محطات من سيرة ميغيل هيرنانديت

30/10/1910 ولد ميغيل هيرنانديث، شاعر وكاتب مسرحي إسباني، ينتمي إلى جيل 36، وهو ذو ميولات اجتماعية وسياسية، في بلدة أوريهويلا Orihuela. نشأ في بيئة ريفية متواضعة بين ستة أشقاء.

      منذ صغره، اشتغل راعي ماعز، ولم يتمكن من الحصول على تعليم منظم كامل، وبأمر والديه اضطر إلى ترك المدرسة اليسوعية ليكرس نفسه لرعي قطيع الماعز الذي يملكه والده. ولكنه تحول إلى شخصية عصامية، فقد كان يستعير كتباً من أصدقائه، وأحياناً يشتري بعضا إذا توفر له فائض من نقود بيع الحليب، ويأخذها معه إلى المرعى، فكان ينتقي نصوصا مختلفة من الشعر الإسباني الكلاسيكي،وخصوصا للعظماء، مثل سيرفانطيس Cervantes، وكاديرون دي لاباركاCalderón de la Barca، ولوي دي فيكLope de vega، ولويس دي غونغور Luis de Góngora  مكتشفاً موهبته الشعرية،  وتطور قدرته على الكتابة.

      كان شغوفًا بالفن، منجذباً إلى أبي الفنون، لذلك كان يسرق أوقاتً ويذهب للاستمتاع بالأعمال التي يتم أداؤها في “بيت القرية Casa del pueblo“. وبفضل ذلك أصبح جزءً منهم. وهكذا أصبح يشارك في الأنشطة الأدبية التي يقوم بتنظيمها كُلاً من  “إيفرين فينول ورامون سيخي Efrén Fenoll y Ramon Sijé، شكّل مع الأخير علاقة صداقة قوية.

عام 1930 نشرت المجلتان “شعب أوريهويلا ويومية أليكانطيEl Pueblo de Orihuela y El Día de Alicante، على سبيل المثال لا الحصر، شعره . مما يسمح لك بالتعرّف على نفسك، وفتحت الأبواب أمامه آفاق أخرى. هكذا   شرع ، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، في رحلته إلى العاصمة مدريد ، حيث لم يستطع الحصول على وظيفة هناك. دون أن يحالفه الحظ ، يأخذ أعماله إلى مدير الجريدة الأدبية ، إرنستو خيمينيز كاباليرو، الذي يتلقى أبيات شعر مانويل ، لكنه للأسف لا ينشرها.

25/03/1931، منحته مدينة “إلشي” الجائزة الأدبية الأولى عن قصيدة مكونة 138 بيتاً. وقد كانت الجائزة الأولى والوحيدة في مسيرته الأدبية. عن قصيدة تتغني بالمشاهد الطبيعية: طيور، شمس، جبال، أشجار…ألا يقولون :”أن الشاعر ابن بيئته”. فاغتنمها فرصة وسافر إلى مدريد، ولكن الرحلة/المغامرة فشلت فاجبرتعه  على العودة إلى مدين بخيبة أمل تحت ذراعه، ولكن مع اليقين أن الشعر هو طريق لا عودة في حياته.

1934 عاد إلى مدريد، وكان يبلغ الرابعة والعشرين،إلتقى خلالها بالشاعرين: الإسباني بيثينطي أليكساندري Vicente Aleixandre والشيلي بابلو نيرودا Pablo Neruda، مع الأخير أسس مجلة للشعر، وكان للأفكار الماركسية التي يتشبع بها نيرودا تأثيراً كبيراً على الشاعر الشاب مما دفعه إلى خلع عباءة الكاثولكية، وهذا التطور الإيديولوجي عجل باتخاذ مواقف عدائية خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936/1939)، والانحياز إلى الجبهة الشعبية، وعند اندلاع الحرب تطوع في الجيش الجمهور، وعين مفوضاً ثقافياً وكان يتقدم الصفوف ويلقي قصائده.

1937، والحرب في أوجها، يتزوج من “خوسيفينا مانريسا Josefina Manresa،أنجب منها طفلين: ولد وبنت. تفي الولد، وعاشت البنت. وفي سبتمبر من نفس العام قام برحلة إلى روسيا كعضو في الوفد الإسباني، ممثلاً لحكومة الجمهورية لخضور مهرجان المسرح السوفياتي الخامس.  

كان شعره، خلال هذه المرحلة، تتمتع بقدر كبير من الحساسية، والكثير الكثير من النقد للحكومة الفاشية، مما أغضب الديكتاتورية بعد أصبحت إسبانيا تحت رحمة البنادق الكتائبة الحاقدة، وكرابيج القمع الفرنكوي،تمّ إصدار أمر بإحراق كتبه، وتم اعتقاله.وحكم علية بالإعدام، ثم تم تحويله إلى سجن أبدي (30 سنة)، حيث تعرض لضغوطات مختلفة، حيث عاش أحلك أيامه في حالة بين المرارة والألم داخل سجن طوريخوس بمدريد؛ حياة يصعب تخيلها في السنوات الأولى من انتهاء الحرب، بين جدران أورقت عليها العفونة وأزهرت بها رائحة الرطوبة، وأصبح منظرها يثير القرف ويصلك من ورائها أنفاس اليأس الجنائزي ورائحة الموت. 

28/03/1924 توفي نتيجة التهاب الشعب الهوائية الحاد الذي أدى، إلى جانب أمراض أخرى، إلى مرض السل الكارثي، الذي أنهى حياته القصيرة البالغة 31 عامًا.

– كتابته تزاوجت بين الشعر والمسرح.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى