حواراتفضاءات

حوار مع الروائية التشيلية دياميلا إلتيت | ترجمة: رفيدة جمال

دياميلا إلتيت: الكتابة بوسعها أن تكون مُحرَّرة مثلما هي مُحرِّرة

دياميلا إلتيت (1947- ) روائية وأستاذة جامعية وتعد من أبرز الكتّاب التشيليين المعاصرين، وهي روائية تنتمي إلى الأقلّيات العرقية في بلدها. حصدت دياميلا إلتيت الجائزة القومية للأدب عام 2018، وكذلك جائزتي ألتاثور عام 2014، وكارلوس فوينتس عام 2020. كما حصلت على زمالة جوجنهايم في عام 1985. ومن أبرز أعمال دياميلا إلتيت الروائية «العالم الرابع»، و«البقرة المقدسة»، و«قوى خاصة»، و«الرقباء».

الحوار التالي مع دياميلا إلتيت أجراه الكاتب والمترجم دانيال هان، ونُشر في مجلة (ساوثويست ريفيو) في 23 يونيو 2022. الجدير بالذكر أن دانيال هان كان قد ترجم رواية دياميلا إلتيت «لا نيران أبداً» إلى الإنجليزية (2022)؛ مما عمَّق الحوار وزاده إمْتاعا، حيث دخلت دياميلا إلتيت في جدلية الكتابة الـ بيداغوجية والوسطية في مقابل الغموض وتداعي الأفكار أثناء الكتابة مُتحرِّرة من أُطُر مُسبقة للشكل الروائي، ومُسْتدعية «دون كيخوته»…

دياميلا إلتيت ، لا نيران أبدا

ترجم دانيال هان إلى الإنجليزية رواية «لا نيران أبدا» لـ دياميلا إلتيت

(Charco Press)

الحوار

تُعد دياميلا إلتيت واحدة من أبرز الكتّاب التشيليين؛ إذ لاقت أعمالها ثناءً نقدياً واسعاً، وفازت بالعديد من الجوائز المحلية والعالمية. ورغم ترجمة عدد من كتبها إلى الإنجليزية، فإنها لا تزال مجهولة بشكل كبير للدول الناطقة باللغة الإنجليزية. وآخر محاولة لتدارك هذا الوضع المؤسف هي ترجمتي لرواية «لا نيران أبداً» التي صدرت عن دار نشر شاركو.

«لا نيران أبداً» ترويها امرأة في غرفة مع رجل، شاركته ماضياً حافلاً بالنضال وحاضراً مترعاً بالألم والخيبة. إنه كتاب سياسي، ولا يقتصر هذا على موضوعه فحسب. كما واجهتُ بعض التحدّيات في ترجمته بسبب معانيه المراوغة والغامضة وأسلوبه المُعقّد. غير أنه كان مُجْزياً بشكل رائع، فالرواية تصور طبقات متعددة مرتبطة ارتباطاً بارعاً، وتزخر بالصور المذهلة، ويطغى عليها الأسلوب الخلّاب. وقد قمتُ بالتطرق إلى بعض تلك الجوانب عبر حوار أجريته مع الكاتبة عبر البريد الإلكتروني خلال الأسابيع القليلة المنصرمة:

لا نيران أبداً» رواية عن النشطاء السياسيين. ورغم أنكِ لم تكوني ناشطة، تبدو كتاباتك دائماً عملاً سياسياً. كيف تستخدمين الكتابة لتكون أداة تمرد؟

في ظني أن جميع الكتابات تتضمن جوانب سياسية. حتى لو أدعى أحدهم أن النص بعيد عن هذا التصنيف، فإن الادعاء نفسه سياسي. وأقول هذا لأن ثمة “مكانة” للكلمة المكتوبة، مع التقيد بالشكل، والمساحات الاجتماعية، والخطوط السردية، والانتماءات. وأكثر ما يشغلني شخصياً هو أين أضع نفسي في أعمالي الأدبية، هادمة تلك التوافقات التي تنظمها مشاريع النشر البارزة، والعمل على حدود أو أطراف محفوفة بالمخاطر فيما يتعلق بالاتفاقات مفرطة الوسطية. إن الأمر -من وجهة نظري- ليس مجرد تناول الموضوعات السياسية، بل طريقة عمل الكتابة لإحداث سياسة التناول.

-يتصل ذلك بتصريحك بخصوص حاجتك إلى استخدام اللغة لفعل أشياء جديدة. كم من مرة تدهشك الأشياء التي تقدر عليها اللغة حين تكتبين؟ وهل من الصعب في أثناء الكتابة مقاومة إغراء الوقوع في العادي؟ أظن أن الكليشيهات والعبارات الاصطلاحية تتمتع بجاذبية قوية.

من بين المشكلات التي تتحدى الأدب ابتكار بيداغوجيا للكتابة؛ أشكال تكفل نتائج، أو الاستعانة بصور مصنوعة مسبقاً تتيح فهم “جيد” للنص، أو إعطاء أولوية لموضوع الحبكة، أو اللجوء إلى الشفافية التامة. إنني أقوم بتحرير النص من أي التزامات أو إرشادات أو توجيهات تعليمية. ولا يشغلني إلا التدفق والانسياب، و«الغير متوقع». في رواياتي تظهر دوماً أجزاء (صفحات قليلة) لم أتوقعها، أو تتبدى صور، أو فروق دقيقة تهدد ترابط السرد. أعتقد أن الكتابة نفسها، حتى في فعل الكتابة، بوسعها أن تكون مُحرَّرة مثلما هي محرِّرة.

-يبدو ذلك منطقياً لأي شخص يقرأ الكتاب. إنه يذكرني بحوار مع خوليان فوكس، حينما ناقشنا حاجته إلى السيطرة على كل جانب من كتاباته، وهو ما يختلف تماماً عن السماح لهذا «التدفق» الذي وصفته. إنه يعني السماح لظهور «الغير متوقع». وهذا يبدو أمراً شديد الخطورة! بالتأكيد بعض الأشياء التي تظهر بغير توقع لا تنتمي إلى العمل. أم هل تثقين دوماً بالأشياء اللاواعية؟ هل تثقين بحدسك على الدوام؟

الحقيقة هي أن الروايات التي شرعت في كتابتها لطالما كانت تترك مجالاً للاستقلالية. أقصد أن الكتابة تلهم الكتابة، والصور تبني صوراً، والكلمات تبحث عن مساحتها على الصفحة. بالطبع أراجع ما كتبته، لكن ثمة مناطق جوهرية تدهشني لأنني لم أتوقعها، حتى لو كانت تلائم موضوع النص. لا أعلم كيف أشرح الأمر بطريقة أخرى.

-في تصوري أن الغموض يعد أصعب مسألة يتعامل معها المترجم، وأشعر أن كتاباتك تتفنن في استخدامه باستمرار. وأعتقد أن العديد من الكتاب –بعكسك أنتِ- لا يشعرون بالراحة التامة مع الشك.

إنني بالفعل أجد الغموض أمراً ماتعاً لأنه يفسح مجالاً للشك وعدم اليقين، ويحطم أحادية النسخة الوحيدة. والرواية في نظري هي درب وطريق للوصول إلى الواقع، ولو كنا نفكر في الواقع، سنعي أن الغموض ينتشر بسرعة. كل شيء هو طريق خاص. لكنه طريق آخر أيضاً دون وجود كذبة بالضرورة، بل مجرد بدائل أخرى. ربما يعد الأمر إشكالية، لكنه يستحق المخاطرة.

-يبدو ذلك مفهوماً من منظورك الروائي، لكني أتسائل عن شعورك حيال تجربة القارئ؛ فما تصفينه يجعل القراءة تبدو غير مستقرة ومتزعزعة. في «لا نيران أبداً» بالأخص لا يجد القارئ نفسه على أرض صلبة دائماً.

الحق أنني كقارئة أعير انتباهاً كبيراً لبعض النصوص التي قد تعتبر غير مستقرة، وأقبل المخاطرة. وقد تزعم أن «دون كيخوته» غير مستقرة. أقصد كبناء لا يعرف فيه الرواي اسم شخصيته الرئيسية بالضبط، والجنون يتغير من البطل إلى الجهاز الاجتماعي بطريقة مُدوِّخة.

-ربما يبدو تناقضاً، بجانب حوارنا عن الشك وعدم الاستقرار، لكن هناك أيضاً مادية مذهلة، مادية إنسانية مفرطة يستشعرها القارئ في هذه الرواية، وهي من أبرز الأشياء اللافتة للنظر في كتاباتك. في الرواية هناك شخصان تعيسان في فراش ضيق. إنها تدور حول عدم الراحة، والازدحام، والمرافق، والاحتكاك، والركب، ورهاب الأماكن المغلقة، وألم المفاصل. وبصورة مدهشة تقدم لنا أجزاء أخرى من الكتاب صور واضحة لأجساد شائخة تنهار، والتفصيل المادي لشخص يُعاقَب أو يُطلق عليه الرصاص، والدماء على الطريق بعد حادثة سيارة. إن الكتاب يعج بالمادية بصورة مكثفة.

أجل. حينما أفكر في الأمر الآن، وبناء على ما أوضحته، هناك منطقة عنف مادي. أنت محق: الفراش، والعجائز، وحادث السيارة، والسرقة.

-أود التطرق إلى عملية الترجمة نفسها. واحد من أغرب الجوانب فيها لم يكن متعلقاً بالكتاب نفسه فحسب، بل أيضاً في احتفاظي بدفتر يومياتكِ العامّة خلال الترجمة (أتحدث عن فكرة التخلي عن السيطرة). وأشكرك على السماح لي بفعل ذلك. لكنني أتساءل إن كنتِ استشعرتِ الغرابة أو عدم الراحة في مشاهدة الترجمة تحدث بصورة جلية، وبمثل هذا التدقيق العام لكل لحظة في الرواية؟

الحق أنني وثقت تمام الثقة بدار (شاركو)، وبك مترجماً. ومع ذلك ما انفكَّتْ هذه العملية لجعل العمل واضحاً تثير دهشتي. كما كان من دواعي سروري –بالطبع- ترجمة الكتاب. إن التحول العام للغات عند بناء النص يبدو شيئاً مثمراً ويستحق الاهتمام. وإلى جانب الشاعرية المتضمنة في تلك العملية، كنتَ تترجم لكاتبة من الأقليات. وقد أثار ذلك حماسي وما زال. بوسعك اعتباره نوعاً من الفعل السياسي، أو بالأحرى اتحاد الشاعرية والسياسة الأدبية.

-بمناسبة عودتنا إلى السياسة، كتبتِ هذه الرواية منذ عشر سنوات، حينما كانت معظم مناطق العالم، من بينها تشيلي (حيث تعيشين) والمملكة المتحدة (حيث أعيش)، تمر بظروف سياسية تختلف تمام الاختلاف عن الظروف الحالية. هل غير الموقف السياسي الخاص الذي تعيشين فيه طريقة تفكيرك بخصوص الكتابة؟ هل تشككين في قوة الأدب وغايته في الأوقات العصيبة؟

حتى الآن، لدينا حكومة تحت قيادة الرئيس جابرييل بوريتش، حكومة تعود أصولها بشكل رئيسي إلى كفاح الطلبة، وحيث النساء المشاركات نسويات ناشطات. هذا جيل يعترف بالهويات ويدعم تجربة أكثر مساواتية في وجه تغول الليبرالية الجديدة. لكن تكمن المشكلة في عدم وجود أغلبية لها في البرلمان، لذا ستكون إعادة التوزيع أصعب مسألة ستتناولها. لدينا مشهد اجتماعي يتسم بالعنصرية والقومية، ويواجه عمليات الهجرة، وتزايد الاتجار بالمخدرات، وصعوبة التفاهم بين الدولة والسكان الأصليين. إننا ندرك بالفعل أننا سنمر بوقت عصيب، وأن تركيز الثروة والنفوذ يخدم اليمين بل والمتطرفين منهم، وأن ثمة قوى كامنة لا تهدد تشيلي فحسب بل العالم كذلك، ولنا في غزو أوكرانيا عبرة. وقد يعني هذا الاضطراب أن الليبرالية الجديدة تنهار ببطء (لا أقصد الرأسمالية بل هذا الجانب تحديداً). لكن سقوط الليبرالية الجديدة ربما يستغرق سنوات كثيرة. وسيتناول الأدب –كدأبه- تلك الموضوعات التي تقض مضاجعنا.

-أشكرك على هذه الإجابة الجديرة بالتأمل. لكن ينتابني الفضول بشأن عبارتك الأخيرة، كأن وجود الأدب في جميع هذه الأمور هو أمر حتمي نوعاً ما. لكن لماذا يكون حتمياً؟ ما الذي سنخسره لو لم «يتناول الأدب تلك الموضوعات التي تقض مضاجعنا»؟

في رأيي أن الأدب، من منظور الرواية، يتدخل ليتناول الواقع. ولا أظن أن ثمة لحظة في التاريخ كانت خارج الأشكال المختلفة للأدب والمواضع المتباينة للكلمة المكتوبة. حتى النصوص الدستوبية أو الخيال العلمي أو ما بعد نهاية العالم تضرب بجذورها أيضاً في الواقع، كاشفة المعضلات التي تحدد الاضطرابات التي تمر بها مختلف الفترات.

-هل يبدو هذا أمراً ايجابياً؟ توضح لنا رواية «لا نيران أبداً» فشل الحركة السياسية. إنها تظهر الهزيمة والخسارة، ولا تتسم بالتفاؤل مطلقاً. لكن جزء مني يشعر أن كتابة الرواية حول موضوع ما يعتبر أمراً مفعماً بالأمل في صميمه. أم هل تتَّسِم رؤيتي بالسذاجة؟

كلا، ليست ساذجة لأن الذاكرة تعمل كدفاع ضد الجرائم السياسية. إنها تستدعي المجازر المرتكبة بحق العُزّل، وتستعيد التسليح العالمي ووسائل الإبادة. والناجي أو الناجون هم الشهود، والرواة، والضحايا الذين يتكلمون.

***

دانيال هان: كاتب ومحرر ومترجم. صدر له أكثر من ثمانين كتاباً. وتشمل ترجماته (من البرتغالية والاسبانية والفرنسية) أعمالاً من الأدب الأوروبي والأفريقي والأمريكي، والأدب غير الروائي لشتى الكُتّاب بدءاً من الأديب البرتغالي الحائز على نوبل جوزيه ساراماجو حتى لاعب الكرة البرازيلي بيليه. شغل سابقاً منصب رئيس جمعية المؤلفين، والآن عضو في العديد من المؤسسات الأدبية والثقافية ومنظمات الترجمة وحرية التعبير. كما حصل هان على وسام الإمبراطورية البريطانية في عام 2021 نظير إسهاماته في مجال الأدب.

خاص قناص – حوارات

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى