سلسلة مقالات في الأدب الأوكراني الحديث -1 | جودت هوشيار

الصورة: الروائية الأوكرانية أوكسانا زابوجكو

“متحف الأسرار المهجورة”.. رواية ملحمية تبحر في ثنايا القرن العشرين

أوكسانا زابوجكو واحدة من أبرز الشخصيات الأدبية الأكثر شهرة في الأدب الأوكراني الحديث. جميع أعمال زابوجكو تتطرق بدرجة أو بأخرى إلى القضايا الاجتماعية والسياسية المهمة لأوكرانيا ككل. وهي ذائعة الصيت في بلادها ومعروفة في العالم الغربي. وقد ترجمت أعمالها الروائية والقصصية إلى عشرين لغة، ولقيت رواجاً لكونها أدباً حداثياً جاداً. صدور كل كتاب جديد لزابوجكو يعد حدثاً مهماً في الأدب الأوكراني الحديث. وتتميز أعمالها بمحتوى فلسفي ثري، وبالتأملات الفكرية، وأسلوب السرد الحي.

ولدت زابوجكو في عام 1960، وبدأت حياتها الأدبية كشاعرة عام 1985 ونشرت في السنوات اللاحقة خمسة دواوين شعرية، وثلاث مجموعات قصصية وروايتين. وجذبت الأنظار إلى أدبها على نطاق واسع منذ عام 1996 حين فاجأت الأوساط الأدبية في أوكرانيا بروايتها الموسومة “دراسة ميدانية عن الجنس الأوكراني” التي تعرضت لنقد لاذع وسوء فهم شكلت تحدياً حقيقياً للكاتبة، وفي الوقت نفسه أثارت الرواية اهتمام القرّاء، فقد كانت جديدة في كسر كل التابوهات الاجتماعية والسياسية والثقافية. وربما جاءت كرد فعل على مدرسة الواقعية الاشتراكية، التي فرضت على الأدب الأوكراني طوال العهد السوفيتي.

“متحف الأسرار المهجورة”

قال الكاتب الأمريكي هرمان ملفيل، لإنتاج كتاب عظيم عليك أن تختار موضوعًا عظيماً. في عام 2009 نشرت زابوجكو رواية جديدة تحت عنوان: متحف الأسرار المهجورة، تتناول موضوعاً عظيماً عن ماضي أوكرانيا المؤلم، وحاضرها المضطرب. وقد رسخت هذه الرواية الملحمية مكانة زابوجكو كواحدة من أبرز الكاتبات في الأدب الأوكراني المعاصر. وسرعان ما ترجمت إلى عدة لغات أوروبية، ما أتاح الفرصة لمعرفة الحقائق القاسية عن حياة ثلاثة أجيال من الأوكرانيين، وعذاباتهم وأحلامهم عبر قصة حب مؤثرة.

الرواية مكتوبة بضمير المتكلم. وبأسلوب تيار الوعي، والمونولوج الداخلي، وتستند أساسًا إلى مقولة فولكنر: “الماضي لم يمت، ولن يمضي أبداً”.

ومن حيث البنية الفنية، نلاحظ تداخل الأجناس الأدبية المختلفة في هذه الرواية؛ مثل استخدام اللغة الشعرية، والمشاهد التشكيلية، وتقنية المونتاج السينمائي.

متحف الأسرار المهجورة: غلاف الطبعة الأوكرانية

عنوان هذه الرواية يذكرنا بعنوان رواية أورهان باموك “متحف البراءة” التي صدرت عام2008  والتي تستند أيضًا إلى قصة حب درامية. ربما كان هذا التشابه مجرد مصادفة، ولكنه أدى الى ضياع نضارة عنوان رواية زابوجكو… الرواية مكتوبة بضمير المتكلم. وبأسلوب تيار الوعي، والمونولوج الداخلي، وتستند أساسًا إلى مقولة فولكنر: “الماضي لم يمت، ولن يمضي أبداً”.

تقع أحداث الرواية على مدى ستين عاما مضطربة من التاريخ الأوكراني. تنسج الكاتبة شبكة درامية معقدة من الحب والجنس والصداقة والموت. في مركزها: ثلاث نساء مقيدات بأسرار منسية من الماضي-أسرار ترفض أن تظل مخفية.

دارينا؛ وصديقتها الفنانة فلادا؛ وإيلينا المقاتلة، التي خدمت في الجيش السري الأوكراني، وقتلت في عام 1947 على يد الشرطة السرية السوفيتية، وشخصيات أخرى ارتبطت بها دارينا من خلال القصص التي ترويها -والأسرار التي تكتشفها.

دارينا صحفية تلفزيونية شهيرة. ولدت في عام 1965. تبحث دائماً عن أفكار ومواد جديدة لبرامجها. وحين تعثر على صورة قديمة بالية لإلينا تفتتن بها، وتقرر تصوير فيلم وثائقي لكشف ماضي امرأة غير عادية، تمامًا مثل اللعبة التي تلعبها الفتيات السلافيات، حيث يقمن بدفن كنوزهن سراً للعثور عليها لاحقاً.

خلال البحث عن سيرة إيلينا في الأرشيفات، تقع دارينا في حب آيدان، تاجر التحف الفنية وابن شقيق إيلينا. تحجب الأسرار المظلمة حبهما، كما نعرف من أحلام آيدان التي تبدو وكأنها ذكريات شخص عرف إيلينا في الأربعينات. هوس دارينا بإيلينا ربما يرجع جزئيًا إلى فقدانها لأشخاص آخرين: والدها، الذي زجّ به لسنوات في مستشفى للأمراض النفسية بسبب آرائه، والذي توفي في نهاية المطاف في منزله بمرض السرطان، وصديقتها المقربة فلادا، وهي فنانة معروفة ماتت في حادث سيارة، وسرقت لوحاتها خلال الحادث، قبل أن تعثر الشرطة على السيارة. دارينا متأكدة من أنه كان حادثًا، لكن زوج فلادا، السياسي، يعتقد أن الحادث كان مدبراً.

“متحف الأسرار المهجورة” رواية طويلة جداً، تقع في (832) صفحة في الطبعة الأوكرانية. لم تقسم الكاتبة الرواية إلى فصول، بل إلى قاعات على غرار المتاحف.

غلاف الطبعة الانجليزية

هذه رواية ملحمية عائلية مفككة. تسعى الشخصيتان الرئيسيتان فيها، دارينا وآيدان، إلى استجلاء تعقيدات ماضي عائلاتهما وجيرانهما -تعقيدات ملطخة بالدماء، والخيانة، والولاء، وغارقة في تاريخ القرن العشرين: الجيش السري الأوكراني ، والمجاعة التي عانت منها أوكرانيا عام 1947 بعد استيلاء موسكو على إنتاجها الزراعي الوفير في ذلك العام، وفترة “ذوبان الجليد” في العهد السوفيتي… إلخ. تنتهي الرواية في عام 2004، عشية لحظة تاريخية أخرى، وهي الثورة البرتقالية. التي حققت للشعب الأوكراني حرية الاختيار.

“متحف الأسرار المهجورة” رواية طويلة جداً، تقع في (832) صفحة في الطبعة الأوكرانية. لم تقسم الكاتبة الرواية إلى فصول، بل إلى قاعات على غرار المتاحف. إن العدد الكبير من الشخصيات وتدفق وعيهم، الذي يستمر طوال الرواية، وتناثر الخلفية التاريخية للأحداث، يتطلبان قراءة متأنية لمتابعة وفهم الحبكة المعقدة.

مزايا ومثالب

من بين أعمال زابوجكو الروائية والقصصية نالت رواية “متحف الأسرار المهجورة” أكبر قدر من اهتمام النقّاد الأوكرانيين والأجانب، وكتبت حولها العديد من الدراسات. وهي رواية جميلة، وأكثر تطوراً من الناحية الفنية من روايتها الأولى. وتقع أحداث فصول الكتاب -أو “القاعات” كما تسميها زابوجكو -وأجزائها الأصغر في فترات زمنية متباينة. وهي مكتوبة من وجهات نظر شخصيات عديدة. وبأساليب متمايزة، لكنها مرتبطة بشكل متناغم من الناحية الجمالية. من الصعب عدم ملاحظة استثناء واحد. صورة الشخصية الرئيسية الصحفية دارينا تعاني من النمطية والنكهة التعليمية. وصف هذه الشخصية أقل أناقة، وصقلاً أسلوبياً بشكل ملحوظ. ربما يرجع السبب إلى أن الشخصية مثقلة بمفاهيم فلسفية عديدة. ومع ذلك، فإن هذا القصور لا يفسد متعة قراءة الرواية بشكل كبير.

الدانتيل المعقد للحبكة هو ما يجعل القصة مثيرة للاهتمام تلقائيًا. البعد الخاص لتاريخ أوكرانيا المأساوي -موضوع لم يطرحه الأدب الأوكراني إلا بعد الاستقلال. البعد البوليسي للرواية يلعب دوراً مهماً في توحيد جميع الخطوط المتشابكة للحبكة معاً.

جسّدت الكاتبة شخصيات الرواية بالأسلوب السينمائي أو بعين الكاميرا. كان من الممكن أن يكون النص أكثر واقعية، وربما أكثر أناقة ودقة، لولا لغة زابوجكو الغريبة، التي تستخدمها، ليس في الوصف فقط، بل أيضاً لنيل إعجاب القرّاء باستخدام تركيبات الكلام المنسية والمعاد اكتشافها، والترابطات المعجمية المذهلة والخدع الفنية الأخرى، التي تجعل لغة الكتاب خيالية وحيوية. ومن حيث البنية الفنية، نلاحظ تداخل الأجناس الأدبية المختلفة في هذه الرواية؛ مثل استخدام اللغة الشعرية، والمشاهد التشكيلية، وتقنية المونتاج السينمائي. ورغم ذلك تمكنت المؤلفة من تحقيق التوازن بين أجزاء الرواية.

بعض الآراء الأدبية والفلسفية المثارة في الرواية تعكس بشكل عام ما تكتب عنه زابوجكو في مقالاتها، أي أنه كان يمكن حذف مثل هذه المقاطع والاستطرادات الزائدة، التي تربك حبكة الرواية المعقدة أصلاً. الرواية تخاطب القارئ الجاد، الذي يعرف ليس روايات زابوجكو فقط، بل أيضاً مقالاتها. لذلك كان من الأفضل عدم حشد كل هذه المعلومات في رواية واحدة.

النص مشبع بالمشاهد الإيروتيكية، كما هي الحال في أعمالها الإبداعية الأخرى.. الهدف واضح وهو السعي لزيادة الإقبال على قراءة الرواية. رغم أن الكاتبة تدرك إن قارئ الرواية الملحمية، ليس مراهقاً يبحث عن الإثارة الجنسية، بل مثقفاً لا يمكن إثارة إعجابه بهذه الطريقة. والحقيقة أن هذه المشاهد تؤثر في وحدة الانطباع العام عن الرواية، وتشوه نبرتها الرصينة، وتهدد بإحداث الاضطراب الداخلي في الاسلوب. وعدم توافق طبقاته المختلفة. ولا تنسجم مع تصوير الجيش السري الأوكراني. الرواية الناضجة فكراً وفناً تصف العواطف والمشاعر والأحاسيس التي تشكل الخصوصية الفردية لأي شخصية وليست وظائف الأعضاء.. ومن المثير للدهشة أن زابوجكو، التي أرادت رسم لوحة ملحمية كبيرة الحجم، لم تدرك الحاجة إلى التخلي عن هذه المشاهد الإيروتيكية المزعجة، ولا عن الشتائم الرجالية، التي تتلفظ بها بطلة الرواية دارينا. ان مثل هذه الكلمات الخادشة للحياء، وتقليد لعنات الرجال لا تليق بهذه المرأة الإستثنائية. ويحس القارئ كأنه صادف أحجاراً في طريق منبسط. أي أنها بعيدة عن موضوع الرواية الرئيسي.

وكما أسلفنا، فإن هذه الرواية الضخمة مؤلفة من 832 صفحة -في عصر تتجه فيه الكتابات الروائية في الأدب العالمي إلى التكثيف والايجاز، وكان من الممكن اختصارها إلى حوالي 400 صفحة أو أقل، لو قامت الكاتبة بحذف المشاهد الإيروتيكية وما تردده في مقالاتها الأدبية من قضايا وآراء أدبية وفلسفية.

أخيراً، لا بد من الإشارة إلى أن الكلمة المنشورة على الغلاف الخلفي للرواية تزعم أن المؤلفة كاتبة روائية بمستوى دوستويفسكي وتوماس مان. صحيح ان هذه الكلمة تعود إلى دار النشر، وقد لا تكون المؤلفة متورطة فيها. ولكن يبدو انها لم تعترض عليها. لأنها لا تمل من كيل المديح لنفسها ولأعمالها الأدبية في حفلات توقيع كتبها ومقابلاتها الصحفية دون ان يرف لها جفن.

خاص مجلة قنآص

جودت هوشيار؛ كاتب ومترجم عراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى