طواحين الهواء | زاهر السالمي

يبعد بيتنا عن مركز مدينة سامباوانجا ساعة مشْياً. السوق، تُجاوره محطة الشاحنات الكبيرة وباصات النقل، ومحطة وقود. هناك أيضاً بعض المقاهي التي كان قريبي يعرب يأخذني إليها. المحلاّت التجارية والدكاكين التي تُكَوّن السوق تعود في معظمها إلى تُجار عرب أكثرهم عمانيين ويمنيين، وتجار هنود. فهم أصحاب المال والتجارة. كان العُمانيون مُنتشرين في أفريقيا، خاصة في المدن الساحلية الشرقية. وكانت جزيرة زنجبار، في زمن الامبراطوريات -زمنٍ كان- دُرّة التاج العُماني،

لكننا لن نذهبَ في التاريخ بعيداً، فالتاريخ عَليل!

مرة أخذني أبي إلى زيارة أحد أصدقائه العمانيين في دُكانه الكبير وسط المدينة. وبعد وجودنا بقليل، جاء ابن التاجر، وأدخلني إلى منزلهم حتى ينتهي والدانا من حديثهم. لابن التاجر دراجة هوائية جميلة. فكّرتُ.. لو عندي مثلها لَحَلّقتُ إلى النائي واكتشفتُ كل هذه البطاح!

إذن هيّا؛ دَعْنا نذهب في رحلة، رحلة مجنونة، نتقاسم ذكْراها في يوم من الأيام. سنحكي مغامراتها للأصدقاء، الذين لن يصدّقوا أنّنا اخترقنا الحدود، ووصلنا إلى ذلك المكان.

هيّا؛ لا تتردّدْ، لنفعلْها. أنا بدراجتي الهوائية موديل بي أم أكس (BMX) ذات المقود والعمود الملفوفين بالفلين المحاط بقماشة صفراء ناصعة، والعجلات الصالحة للحركات البهلوانية والطرقات الوعرة، ألا تذْكرها؟ وأنت في دراجتك ذات السرعات الخيالية: سنجتاز مركز المدينة إلى الضواحي، وبعد الضواحي نعبر جسراً خشبياً فوق النهر الصغير.

في طريقنا، ونحن نتسابق، تقول لي بعد أن مَرَرْنا بشاب مراهق يتريض مع كلبه: أريد مثل هذا. ماذا تريد؟ أريد مثل هذا الكلب! صغير لعوب، أريد مثله. لن يوافق والدك، تعرفه، لا يُحبّ الكلاب. لنكمل الطريق، أسرع، يجب أن نعود قبل الغروب، وإلا انكشف غيابنا.

نواصل ركوبنا إلى أن نصل ألى منطقة الطواحين الهوائية، طواحين القمح العالية ومخازنها. وعند وصولنا إلى هناك، إلى ذلك المكان، نصول ونجول بين الطواحين، مثل دون كيشوت، فوق صهوات عجلاتنا الهوائية. ألوّح بسيفي المسلول من خشب، وتلوح برمحك الشجري، مُشتبكين مع الطاغوت.

لم نَجْتز ذلك المكان، حيث الطواحين، فالغابة بعدها، هل تذكر!    

دخلتُ البيت مع ابن التاجر، كان مُلاصقاً للمحل التجاري. وحين دخلتُ غرفة استقبال الضيوف، وجدتُ أرائك فخمة، ثلاجة ومراوح.

قُلتُ: إذن عندهم كهرباء!

سَألْتُكَ: لكن لماذا يحتاجون إلى الماء المُبرد في ثلاجة؟ الماء من آنية الفُخار –الحِبّ– لذيذ وبارد في بيتنا، وحتى في المدرسة!

لم تَطْرح يومها هذا السؤال على والدك، ظل مُعلّقاً في الرأس إلى يومنا…

  • نص مقتطع من كتاب قيد النشر بعنوان «منازل طلعة الشمس: مشاهد من ذاكرة طفل»

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى