«غانيات بيروت» لـِ لينة كريدية.. مآسٍ سيكولوجية | عماد الدين موسى

الصورة: الناشرة والروائية اللبنانية لينة كريدية

قسوة وحذر وبؤس، في رواية «غانيات بيروت»، الصادرة عن دار النهضة العربية في بيروت (2021)، للناشرة والروائية اللبنانية لينة كريدية، والتي سبق وصدر لها ثلاث روايات: «خان زاده (2010)»، «نساء يوسف (2011)»، «ما ودَّعك صاحبك (2015)».

غانيات لكن بمنتهى الجمال: هيام 1952، ناديا 1953، أنطوانيت 1910، نوال 1910 التي عشقها الطبيب النفسي زياد والذي اكتشف مرضها الأخطر في تخيل شخص هي أليسار، تحاورها وتتواصل معها كأنها شخص حقيقي فيما أليسار شخصية من نسج هلوساتها المرضية؛ والتي تقوم بقتلها وتقطيعها ودفن أعضائها في أحواض الأشجار والنباتات، ولودي العجوز 1934 سيئة الحظ التي تعيش غائبة بذكريات زوجيها الفقيدين جورج الذي ابتلعه البحر وحبيب المليونير المشهور والوزير؛ لا داعرات؛ يتزوجن بالحلال مثل ناديا الشاعرة التي تتعرَّف على الصحافي هشام،  فيشجِّعها، وهذا ليس بهيِّن، بل ينشر لها قصائدها بين الفينة والأخرى، ويدقِقها بنفسه. ناديا التي لم تكد تبلغ العشرين من العمر تنجذب بشيء من الخوف إلى هذا النجم الخمسيني النسونجي الذي يتزوجها والذي اشترط عليها عدم الإنجاب- لا أطفال بأيِّ شكل، وابتسام جميلة جميلات بيروت التي يتزوجها الحاج فيصل أغنى أغنياء بيروت شهبندر التجار وقريب والدها أبي حسن من جهة الوالدة، والمعروف بمكرماته وأعماله الخيرية، ومن أصحاب التجارة والأملاك، ويمتلك عربة فخمة يجرها حصانان أصيلان والذي يدفع مهراً لابتسام قدره ثلاثة أضعاف ما يُدفع لعروس، وهو أغلى مهر في بيروت، وناريمان من جميلات بيروت التي تزوجها طه.

غلاف الرواية

بين بؤس الإنسان وحماسته

خنق للحياة، وتحمُّس شديد لأن يعيش البيروتيون بيروتيتهم بحريَّة، إنه الصراع بين بؤس الإنسان وحماسته كان داعراً مثل جينكو قواد أنطوانيت، أو وزيراً مثل حبيب، أو صحافياً مثل هشام. إلى إشارات لحياة الفلسطينيين في لبنان، وللمجازر والاغتيالات في فترة الصراعات الأهلية التي نشبت بين الطوائف اللبنانية، ومن ثمَّ الاقتتال بين اليسار واليمين اللبناني والعربي، إلى ذِكر اعتقال الرئيس اللبناني بشارة الخوري من قبل الفرنسيين أيام احتلالهم لبنان، واغتيال سامي الحناوي في بيروت، ومعروف سعد في صيدا، ومجزرة السبت الأسود أواخر عام 1975. وقائع وأحداث تحاول لينة كريدية رسم لوحات منها، ومن ضوء ولون وحركة حياة البيروتيين من سطحها إلى عمقها؛ وعنف وإيذاء وداوود الساخن والبارد، الشخصيةُ الأقوى في الرواية الذي: توقظه عند المغرب عادةً إحدى الجارات بركوة قهوة فيتبادلان أطراف الحديث، وكذلك تقوم إحداهن مداورة بالتنظيف والغسيل ورتق الجوارب، كأنَّه مسؤوليتهن جميعاً، يعرف أسرارهنَّ ويطلبنَ رأيه فيحدثهنَّ باحترامٍ شديد غير مفتعل، ويتفاعل معهن، ويطمئنهن، ويظهر لهن المودة، ويحاول إمدادهن بالمعنويات والأمل. داوود اللبق مع العامة والمومسات بشكل خاص. عنده دائماً رغبة بتخفيف مواجعهن وانكساراتهن النفسية، متيقّنٌ أنَّ في حياة كل واحدة منهنَّ مأساةً دفعتها إلى الهرب من الواقع إلى هذا القدر البشع، وقد رأى بأمِّ عينه نهاياتهن المأساوية، ذليلات ومنبوذات من المجتمع، لا من يشفق عليهن من الأقربين أو المنتفعين من سحب مدخراتهن طوال سنوات باسم العائلة. ذل وتحقير وقتل لقوى ثقافية وأخلاقية وروحية في أعماق هؤلاء البيروتيين ليتحولوا إلى قطعان أغنام. الرواية بالغة الصفاء، وبالغة التعرية، أبواب ونوافذ، وبشر عليهم أن يذعنوا للصبر.

بيروت الثقافة ومافيات المال

لينة كريدية في قصصها التي ترويها، والتي بلغت ستة عشر حكاية في مئة وعشر صفحات؛ تقتاتُ من الحياة اليومية لأبطال حكاياتها في بيروت الثقافة ومافيات المال والسياسة والأمن. ولا شيء يحدُّ من إرادتها وصلابتها، لينة تسردُ مآسٍ سيكولوجية منحرفة ومخنوقة، شخصيات فاسدة وسخط بشري، ناس هائجون ومتألمون، أنانيون يبحثون عن ملذاتهم وبيروت لا تفارق صلابتها وناسها يعيشون بين عالمين موضوعي وذاتي.

رواية «غانيات بيروت» قد لا تفكِّر شخصياتها بأن تطرح أسئلة عن الوجود وماهيته كونها تغوص فيه، فلا هِمَمَ؛ حبيب لم تكن تعنيه الوزارة كوزير فيعيش ذاك القلق، قلق حمَّى الصعود، الوزارة كانت بالنسبة له وظيفة ما، لقد غلبت عواطفه الغرامية كل اهتماماته، والعمل السياسي وزيراً كانَ تمريناً وليس هدفاً أو غاية، فيما داوود الشخصية المركزية كان يسعى في سلوكه الشخصي إلى جذب النساء، بينما شقيقاته الثلاث زينب وعفيفة ورئيفة وقد تعنَّسْنَ، صرن عانسات بسبب زواج أختهن ابتسام من الحاج فيصل شهبندر التجار، هذا الزواج الذي تحوَّل إلى نقمة، إلى كارثة عليهن مثل من يعيش بين أربعة مصاريع، فلم يعد أحد من البيروتيين يجرؤ على الزواج منهن خشيةً ورهبة من الحاج.  

لينة كريدية في روايتها «غانيات بيروت» كتبت عن عالم القساة، والمُدعَّرات لا الداعرات. إنَّها الواقعية؛ ولكن الفظة التي لا يختار فيها الإنسان مصيره؛ بل يذهب إليه، فمعظم الشخصيات تبدو مثل لعبة في يد السفَّاح، كذاك السفَّاح فيكتور الذي قتلَ أنطوانيت وأبقى على رأسها فيه، لتبقى بيروت مدينة عنيفة ومتوحشة.

عماد الدين موسى؛ شاعر كُردي سوري، مدير تحرير مجلة “قنآص”.

خاص قناص

تعليق واحد

  1. عرض جميل؛
    يتفاعل مع ثيمات الرواية وشخصياتها أكثر من وصفه لها،
    شوقني لقراءتها…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى