أحبار التُرجُمانمكتبة بورخيس

قصة «الخادمة» للأمريكية ليديا ديفيس | ترجمة: سماح ممدوح

ليديا ديفيس الفائزة بجائزة بوكر الدولية ٢٠١٣

ليديا ديفيس:

روائية ومترجمة أمريكية مُعاصرة، ولدت فى يوليو ١٩٤٧. تَرجمت العديد من الأعمال من اللغة الفرنسية إلى الإنجليزية، كترجماتها لأعمال «فروست، ومشيل بوتور، وميشيل لريس وغيرهم» بترجمات حديثة. نشرت ديفيس العديد من القصص القصيرة منذ السبعينيات وحتى عام ٢٠٠٨ حيث أصدرت مجموعة قصصية جمّعت بها كل القصص القصيرة منذ بداية عملها، ومن ضمن القصص«ثلاثة عشر امرأة، والصهر، وأشياء خاطئة بي» وغيرها. فازت بعدة جوائز مرموقة من ضمنها جائزة بوكر الدولية ٢٠١٣، وجائزة بن مالامود الصادرة من مؤسسة فوكنر ٢٠٢٠.

تُترجم الزميلة سماح ممدوح حسن قصة «الخادمة» من كتاب ليديا ديفيس الصادر عام 2009، بعنوان «قصص ليديا ديفيس المُجمّعة».

= =

 أعلم أني لست جميلة. فشعري قصير قاتم اللون، خفيف حتى لا يكاد يغطي جمجمة رأسي، مشيتي سريعة وغير متوازنة، وكأني مشلولة في إحدى ساقيَّ. عنما اشتريت نظارتي الطبية حسبت أنها أنيقة بإطاراتها السوداء على شكل أجنحة فراشة، لكن الآن أدركت أن هذه النظارة قبيحة ولن أستطيع استبدالها، لأني لا أمتلك المال لذلك. لون بشرتي يشبه لون بطن الضفدع، وشفتي رفيعة.

  لكن رغم ذلك، قبح شكلي لا يقارن بقبح شكل أمي، ولا أقارب قبحها حتى لو بقدر ضئيل. تلك العجوز ضئيلة الوجه ومجعدته، لون وجها أسود كالخوخ، دائما ما ترتعش أسنانها داخل فمها. بالكاد أقدر على الجلوس أمامها وقت العشاء. ومن نظرتها إليّ استنتجت أنها تبادلني المشاعر نفسها.

 عشنا في القبو لسنوات. هي تطبخ وأنا أخدم في المنزل. لم نكن خدماً ماهرين، لكن لا أحد يستطيع الاستغناء عنا أو طردنا، فرغم عدم مهارتنا في أعمالنا، إلا أننا لا نزال أفضل من غيرنا.

تحلم أمي بهذا اليوم الذى ستتمكن فيه من جمع المال الكافي لتركي والانتقال للعيش في الريف. حلمي مشابه لحلمها، ماعدا في تلك اللحظات التى أشعر فيها بإتقاد الغضب والحزن داخلى. حينها، بينما نحن على مائدة العشاء، أنظر إلى يدها المرتعشة، وأتمنى أن تختنق بطعامها حتى الموت. حينئذ، لن يمنعني أحد من أخذ صندوق نقودها، ولبس ثيابها واعتمار قبعاتها، وسأفتح نافذة غرفتها وأدع الرائحة تخرج.

على أي حال، عندما أتخيل هذه الأشياء وأنا جالسة وحيدة في المطبخ أواخر الليل، دائما ما أمرض في اليوم التالي. وعندما يحدث هذا، فإن نفس هذه الأم، والتى أرضعتني صغيرة، تمسك لي كوب الماء وتقربه من فمي، وتهوّي على وجهى بمضرب الذباب، وتهمل واجبات عملها في المطبخ من أجل رعايتي، وأنا أقنع نفسي بأنها تجلس بقربي صامتة هكذا لشماتتها في ضعفي. 

لم يكن الوضع دائما هكذا. فعندما كان السيد “مارتن” يعيش في الغرف فوقنا، كنا أسعد. على الرغم من أننا نادرا ما كنا نتحدث سويا. وحينها لم أكن أجمل مما أنا عليه الآن، لكن لم أرتدي النظارة أبدا في حضوره، وكنت أحرص على الوقوف معتدلة أمامه، والمشي برشاقة. غالبا ما كنت أتعثر أمامه، وأحيانا أقع على وجهي، فأنا لم أكن أرى مكان خطواتي. وكنت أقضي الليل بطوله، في معاناة جراء (شفط بطني) بينما أنا أمشى أمامه لأبين أكثر رشاقة. لكن ولا أياً من هذه الآلام والمعاناة منعتني من إيقاف محاولاتي لأكون شخصا يُحتمل أن يحبه السيد مارتن.

سابقا، كنت أحطم أشياء أكثر مما أحطم الآن. فأنا لم أكن حينها أرى أين تتجه يداي وأنا أمسح الغبار عن المزهريات الكريستالية في الصالون، أو مرايا غرفة الطعام. لكن بالكاد لاحظ السيد مارتن من مجلسه بجوار المدفأة أن الزجاج بالغرفة مهشم، وحينها حدق بالسقف بنظرة غريبة ومحيرة، وبعد لحظة، بينما أحبس أنفاسي مترقبة ردة فعله أمام القطع المتناثرة المتلألئة، ما فعل إلا أن مرر يده ذات القفازات البيضاء على جبهته وجلس مرة أخرى.

لم يتحدث معي أبدا، ولكن أيضا لم أسمعه يتحدث إلى أي أحد. لكن خُيّل لي أن صوته دافئ وبه لمحة خشونة. وربما يتلعثم عندما يصبح عاطفيا. أيضا لم يسبق لي أبدا أن رأيت وجهه. فهو دائما يتوارى وراء قناع شاحب مطاطي. يغطى كل وجهه، من رأسه وحتى يختفى تحت ياقة قميصه. أحبطني هذا في البداية، في الحقيقة أخافني كثيرا أول مرة رأيته، حتى إني ركضت هاربة خارج الغرفة. كل شيء في القناع أرعبني. الفم المفتوح، والأذنان الصغيرتان مثل المشمش المجفف، خصلات الشعر السوداء المتموجة والمتجمدة كتاج، محجر العينين الخاويتين. كل ذلك كان كافيا ليملأ أحلام أي شخص رعبا. وهذا ماحدث لي بالفعل، ففي البداية كنت أتقلب في فراشي حتى كدت أختنق بالملاءة.

شيء فشيء اعتدته، وبدأت أتخيل كيف تبدو ملامح السيد مارتن الحقيقية. تخيلت كيف أن وجنتيه تَتورّدان بلون  أقرب للحمرة عندما يغرق في أحلام اليقظة بينما يقرأ. أيضا شفتاه، أتخيلهما ترتعشان بعطف وشفقة وإعجاب عندما يراقبني وأنا أعمل. حينها كنت سأرميه بنظرة صغيرة ذات معنى، وأُومِئ برأسي، ليضيء وجهه بعدها بابتسامة.

لكن من حين لآخر، عندما ألحظ تحديق عينيه الرمادية الشاحبة بي،  يتملكني شعور غير مريح، وأيضا أشعر إنى كنت مخطئة تماما، وربما لن يستجيب لي أبدا. فأنا مجرد خادمة سخيفة وغير كفؤة. لكن أظن أنه حتى لو دخلت الغرفة فتاة أخرى بدلا مني ذات مرة، ربما سيرفع عينه عن كتابه ليلقي نظرة واحدة ثم يعود ليكمل القراءة دون أن يلاحظ أي تغيير. نفضت هذه الشكوك عن رأسي ورحت أكنس وأنظف بيدين مخدرتين، كما لو أن شيئاً لم يحدث، وهذه الشكوك ستمر.

 قمت بمزيد من الأعمال من أجل السيد مارتن. ففي البداية كنا قد اعتدنا على إرسال ملابسه إلى المغسلة، لكن بعدها توليت أنا هذه المهمة، حتى لو كنت لا أنجزها على أكمل وجه. فقد تغير لون ملابسه الكتانية وأصبحت قاتمة. وانكمش بنطاله بشكل سيء، لكنه لم يشتكِ. تجعدت يدي وتورمت ولم أمانع. وكنا نستعين سابقا بالبستاني الذي يأتي ليعتني بالحديقة مرة كل أسبوع، كان يقلّم التحويطات في فصل الصيف، ويغطي الورود بالخيش في الشتاء. والآن بِتّ أنا أقوم بهذا العمل، بعدما طردتُ البستاني، وأخذت مكانه وقمت بعمله يوما بعد يوم، حتى في أسوء الأحوال الجوية.

عانت الحديقة في بداية عملي بها، لكن بمرور الوقت عادت لازدهارها. فى البداية انسحقتْ الزهور أمام الورود البرية من كل الألوان، ومسارات الحصى المنظِمة للحديقة أختفت تحت الأعشاب الخضراء الكثيفة. لكني أصبحتُ أقوى وأكثر جدية في العمل، ولم أمانع انفجار وجهي بالكدمات ولا جفاف أصابعي وتشققها. كلما زاد عليّ العمل، زدت نحافة ونحولا، وأضحت رائحتي تشبه رائحة الخيول، حتى أمي اشتكت من ذلك. لكن كنت أفكر بأن جسدي كله مجرد تضحية تافهه.

 أتخيل نفسي أحيانا ابنة السيد مارتن، وأحيانا أتخيلني زوجته، وحتى بعض المرات تخيلت نفسي كلبه. نسيت تماما إني لست أكثر من مجرد خادمة.

لم يسبق لي أبدا أن رأيت أمي تنظر للسيد مارتن، مما جعل علاقتي به أكثر غموضا. أثناء النهار تظل أمي بالطابق الأسفل في المطبخ المليئ بالبخار تحضّر الطعام، وتمضغ علكتها بعصبية. وفي المساء تخرج أمام باب البيت تعانق نفسها أسفل أغصان شجيرة الليلك، وتنظر للسحاب في الأعلى. أتساءل أحيانا وأتعجب، كيف تستمر في العمل لدى شخص لم تره قط! لكن ربما كانت هذه طريقتها.

كل شهر، أسلمها مظروف راتبها التى تأخذه وتخبئه مع بقية أموالها. لم تسألني أبدا ماذا يحب الرجل. وأنا أيضا لم أتطوع باخبارها. لكن أظن أنها لم تهتم أبدا بالسؤال عن من يكون الرجل لأني أتخيل أنها لا تعرفني أنا أصلا. ربما وهي تطبخ طعامه تفكر في أنها كأي امرأة أخرى عادية، تطبخ لزوجها وعائلتها، وكنت أنا أختها الصغرى.

أحيانا تتحدث أمي عن النزول عن الجبل، رغم أننا لا نعيش على الجبل. أو تتحدث عن التنقيب في الأرض لاخراج محصول البطاطا، ونحن لا نزرع البطاطا في حديقتنا. فِعلها هذا يُحبطني، وأحاول إيقافها بالصراخ في وجهها والتكشير عن أنيابي أمامها، لكن كل هذا بلا جدوى، فكان عليّ الانتظار حتى تفيق وتناديني باسمي بشكل طبيعي. وبما أنها لم تُظهر أي فضول أو اهتمام تجاه السيد مارتن، تركت لي وبمنتهى السلام، مهمة الاعتناء به كما كنت أتمنى. فكنت أحوم حوله عندما ينزل للتنزه حول البيت، في جولات غير منتظمة. وأيضا كنت أستلقي خارج باب غرفة الطعام وأراقبه من خلال شق الباب، وأنظف معطفه بالفرشاة وأمسح الغبار عن باطن (شبشبه).

لكن دوام الحال من المحال. كنت معتادة على الاستيقاظ مبكرا فى صباحات يوم الأحد خاصة في الصيف لأشاهد تدفق تلألأ شروق الشمس في القاعة حيث أنام. وأبقى كذلك مدة طويلة، أسمع العصافير تغرد فوق الأغصان في الخارج، وأشاهد طيور السنونو تطير داخل وخارج النافذة المكسورة في نهاية الرواق.

قمت من استلقائي، باستعداد تام كالعادة. غسلت وجهى ونظفت أسنانى، وبما أن الجو حار ارتديت فستانا صيفيا وحذاء من الجلد اللمّاع، ولآخر مرة في حياتي أغرقت نفسي بعطر ماء الورد. وفي تمام الساعة العاشرة بدأت أجراس الكنيسة تدق، فصعدت للدور العلوي أحمل إفطار السيد مارتن لأضعه أمامه على المائدة. لكنه لم يكن موجوداً. انتظرت بجانب كرسيه لما يقرب من ساعة. وبعدها بحثت عنه فى البيت، بدأت البحث بهدوء، لكن بعد قليل بحثت بسرعة محمومة، كما لو كنت أعرف إنه ينزلق خارج الغرف ما إن أدخلها. بحثت في كل مكان. لكني لم أقتنع برحيله إلا بعدما رأيت خلو دولاب ملابسه، وخلو أرفف مكتبته من الكتب. ورغم هذا ولعدة أيام كنت أفكر في أنه سيعود.

 بعد مرور أسبوع، جاءتنا سيدة عجوز، مع ثلاثة أو أربعة صناديق متهالكة لأمتعتها. وبدأت في ملأ رف المدفأة بمناديلها الرخيصة، حينها فهمت كل شيء دون شرح بالكلمات. وبغض النظر عن مشاعري، فهمت أن السيد مارتن هكذا رحل للأبد، دون أن يترك حتى هدية مادية.

لم يكن البيت سوى مكانا مؤجرا، وعقد إيجاره يشملني وأمي. كل عدة أعوام يأتي الناس ويرحلون، كل عدة أعوام يكون هناك مستأجر جديد. كان يجب أن أتوقع أن هناك يوم سيأتي ويرحل فيه السيد مارتن للأبد لكني للأسف لم أفعل.

بعد رحيل السيد مارتن، ظللت لفترة طويلة مريضة. وكرهتُ أمي أكثر وأكثر. وهي استنزفت نفسها في احضار المرق الذى أحبه والخيار البارد. بعد فترة مرضي أصبحت رائحة أنفاسي نتنة كالجثة، حتى أن أمي كانت تبتعد عني اشمئزازا. وارتعد المستأجرون عندما كنت أدخل الغرفة بطريقتي الخرقاء وأتعثر في عتبة الباب، حتى وأنا ارتدى النظارة ذات إطار أجنحة الفراشة المحكمة على أنفي.

 لم أكن أبدا خادمة جيدة، لكن أحاول التحسن، ورغم ذلك فأنا مُهمِلة جدا. بعض المستأجرين مقتنعين إنى لم أنظف الغرف من قبل اطلاقا. والبعض الآخر يظنون إنى أفكر فى إحراجهم أمام ضيوفهم عن قصد. لكن عندما يوبخني أحدهم لا أجيب، فقط أنظر لهم بلا مبالاة وأواصل عملي. فهم أبدا لم يعرفوا معنى خيبة الأمل كما عرفتها أنا.

ليديا ديفيس
سماح ممدوح حسن؛ مترجمة وكاتبة مصرية

 خاص قناص – أحبار التُرجُمان

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى