قصائد جديدة لـ أحمد المُلّا | تُلقيها نور نصرة

مغزَى يدِك

تجنّبتْني يدُكِ،
ضنَّت على تحيّتي،
واختفَت في زحام.
سلكتُ في أثرِها
مجازاتٍ غامضة،
بينما أفرّقُ الصفوفَ،
مفتّشاً الضياع.

لوّحتُ مرارا،
فيما الوقتُ، يحثُّ الخُطَى بيننا، وتاهَت الإشارةُ بين الجموع.

ماذا لو التقينا،
ماذا لو تصافحنا،
ربما ينقطعُ الوهم،
ونكشفُ عن عاشقينِ أو غريبين، أصابَتْهما الرجفةُ من شِدّةِ الترقب، وتلمعُ الصُّدفةُ بالعناقِ أو الحذر ربما، ثم نمضي معاً في تَعدادِ خيباتِنا.

ربما يدعونا مقهى مكتظٌّ بالدخان، تتطايرُ خلالَهُ الضحكاتُ،
والشتائمُ النابية.

تتفرّسينَ في خطوطِ راحتي الغامضة، وأجاهدُ لئلا أسْخرَ من تلصُّصِكِ على ندوبٍ عتيقة.

ربما أثيرُ ريبتَكِ
بكلامٍ مضطرِب،
بابتسامةٍ مغتصَبة،
وارتباكِ يدينِ في مَطلعِ الشوق، فتبتكرُ الأصابعُ عُذراً للمغادرة، إبهامُكِ يتركُ قهوةً لم يرفعْها، وتنهاكِ سبّابتي عن تعقُّبي.

هل تركتُ لمستي على الطاولة،
تتوسّلُ أن تسبقي الأوجاعَ والأسى،
أن تأتي بلا موعدٍ،
ولا رسل،
أن تظهرَ قبضتُكِ بغتةً،
مثلَ غريبٍ يدسُّ السُّمَّ في ليلي،
أو تنتشلَني شمسُك من الهاوية.

حتماً شككتُ،
وفركتُ كفّاً بكف،
حتماً تضرّعتُ للوقت،
وحتماً، يداي حارتا في مَغزَى يدك.
(19 فبراير 2022)

***

شمعةُ عيالِك

إلامَ تنظرُ منكبّاً على الأرض؟
منذ متى لم تطالع نجمة؟
ولم ترِثْ من الشمسِ سوى قروحِها؟
ألم ترَ من الغيمِ
غيرَ ما تسرّبَ من الشقوق؟

أسقُفٌ توطّأتْكَ
وظلماتٌ رزحَتْ على كتفيك،
أحنَتْ ظهرَكَ
حتى احدودبَ ظلُّه
وتقوّسَ منك النظر.

كم أجّلتَ الصعودَ إلى السطح،
كم لهثتَ مطأطِئاً خلفَ اللقمة،
كم انحنيتَ على شمعةِ عيالِك.

كمن فقدَ غالياً
وهامَ على وجهِهِ
يفتّشُ عنه.

كمن أضاعَ
وضاعَ بحثاً؛
كلُّ وقتٍ تساقطَ من يديك
تركَ ندوبَهُ
وكدماتِه،
حتى أدركتَ ملاكَ الموتِ، فارّاً؛ مشفقاً على خسرانِك،
تتوسّلُهُ: ألم ترَ الألم.

مسجّى
مرفوعاً فوقَ الأكتاف،
وصيّتُكَ؛ كشْفُ وجهِكَ على النعش، نظرتُكَ الشاهقة،
كأنّما سبّابتُكَ مخترِقةٌ الكفن،
حين جثمَ على المعزّينَ رُعْبُ سؤالِك: أتلكَ هي السماء؟

***

تحريرُ الأسرى

أنْ يمتدَّ بي العمر

ليعلوَ شجر الغابات

مستجيراً بالليل،

ويزحفَ صوْبَ الجبال، في رقصةٍ واحدة.

أنْ يمتدَّ بي النهار

وأرى نهراً يغيّرُ مَسراه،

خشباً يتخلّى عن يأسِهِ ويُورِق،

مطراً يصعَدُ مخترقاً السماء،

أبواباً تتخلّعُ

حرّةً من الجدران،

تماثيلَ تغنّي وتدورُ كالدراويشِ في الحدائق، ظلالُها مروحةُ الشمس.

تقفُ الطيورُ على الهواء،

وتميلُ الأغصانُ محتضنةً المارّة.

أرى الفلّاحين يهجُمُونَ من القرى بهراواتٍ،  

محرِّرِينَ شجيراتِ الشوارعِ السَّبِيَّة

ماذا ألمَّ بي.

ما عدتُ أتجرّعُ كأسَ الحياة

دفعةً واحدة،

ما عدتُ أقوى،

أمسيتُ بأنفاسٍ متقطّعةٍ أعلى الدرج،

أين منها تلك القفزاتُ المتوالية؛ فإذا به السطح.

كم نهبتُ الطريقَ

واستعصَى على المُنعطَف تشبّثُهُ بذيلِ ثوبي.

حملتُ أكثرَ من فكرةٍ على كتفٍ واحدة،

تسنِدُ أصدقاءَ يترنّحونَ على الجسر.

واستعجلتُ المطر،

مودِّعاً الوردةَ

بلا عودة.

أينه مني،

ضَعُفُ الجسد

وما نَحَلَت الأحلام

أضحى الأمسُ سيِّداً

وخَفَتَ الفجرُ رويداً رويدا،

منَّيْتُ النفسَ بأنَّ مقابِلَ الزوال؛

ألتقي الحكمةَ تسطعُ خاشعةً في يدي.

يا رفاقي الآتين

حذارِ،

لا تتخلَّوا عنه؛

الزمنُ

مكانٌ هو الآخَر،

لا يهجرُهُ إلا شقيّ.

تخفُتُ الشمعة

تذوب

وما من حكمةٍ تحثّونَ لها الوقت،

تلك خديعةٌ فجّة،

فلا نافذة

آخرَ النفق؛

مجرّدَ التفاتةٍ

ويتحوّلُ العالم،

مجرّدَ إغماضةٍ طارفة

ونختفي..


(13 أبريل 2022)

***

أحمد الملا؛ ‏‏‏

شاعر سعودي، مؤسس ومدير مهرجان أفلام السعودية ومهرجان بيت الشعر، نائب رئيس مجلس إدارة جمعية السينما.

نور طلال نصرة؛

شاعرة سورية. صدر لها: جدران عازلة للصوت؛ شعر، خريف يفتح فمه؛ شعر.

خاص قنّاص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى