مهرجان الأصوات الحية في مدينة سيت الفرنسية.. مزيج من الشِعر الأخضر والموسيقى الزرقاء | ميسون شقير

أكثر من 15 لغة، على لسان 89 شاعراً، قادمين من 31 بلداً، قدموا قصائدهم في أكثر من 550 فعالية، توزعت على 24 مكاناً في المدينة الصغيرة

في مدينة سيت الفرنسية، مدينة الحوار بين الأزرق البحر والسماء، مدينة الشّاعر الفرنسي المعروف بول فاليري (1871-1945)، كان الشعر على موعد مع ذاته، ومع عشاقه، لمدة تسعة أيام وليالي في النسخة الخامسة والعشرين من مهرجان «أصوات حيّة من المتوسط إلى المتوسط» (Festival voix vives de mediterrannée en mediterrannée) التي امتدت ما بين 22 و31 تموز 2022.

في المسافة ما بين أخضر جبل سان مون المطل على البحر، وبين مهرجان الدفلى التي تملأ المدينة، وبكل الألوان، عاش الشعر حرا طليقا خفيفا تحمله أجنحة الموسيقى والأغنيات التي رافقته في أزقة المدينة وحاراتها، مثلما يعيش البحر في هذه المدينة، مسالما، هادئا، جميلا، وحنونا.

القوارب حملت الشعراء والمستعمعين الذين حجزوا لحضورهم في هذه الرحلة البحرية الشعرية بطاقات مدفوعة -خاص قناص (qannaass.com)

أكثر من 15 لغة، على لسان 89 شاعرا، قادمين من 31 بلداً، قدموا قصائدهم في أكثر من 550 فعالية، توزعت على 24 مكانا في المدينة الصغيرة التي تفخر بنفسها كمدينة للصيادين، ومدينة للقوارب الشراعية، ومدينة للشعر واللحن، وقد تنوعت منصات الإلقاء بين زوايا طرقات المدينة الضيقة، وحديقة المدينة في أعلى الجبل المطلة على المتوسط من كل جهاتها، وبين القوارب التي حملت الشعراء وحملت المستعمعين الذين حجزوا لحضورهم في هذه الرحلة البحرية الشعرية بطاقات مدفوعة، المستمعين الشغوفين بسماع الشعر القادم من ثقافات مختلفة عنهم، لأنهم يثقون بأن البحر الأبيض المتوسط يلقي بروحه على كل ضفافه، ويجمع الناس على اختلاف قاراتهم وأديانهم، مثلما يجمع الشعر لغات الأرض.

 

بدأ المهرجان بحفل افتتاحي مساء يوم الجمعة 22 تموز في الحديقة المركزية، حيث ألقى كل شاعر قصيدته الموجودة في الانتولوجيا الشعرية الني أعدها المهرجان وطبعها باللغات الأم وبالترجمة الفرنسية، وقد شارك الشعراء عدد من الممثلين والمهتمين بأدب وبفنون الإلقاء من أجل إلقاء ترجمة قصائدهم إلى الفرنسية، كما تخلل الحفل خمسة قطع موسيقية للموسيقيين الفرنسيين، وللموسيقيبن المدعوين للمشاركة في المهرجان من خارج فرنسا، ولعل صوت مغنية الأوبرا وعازفة الغيتار اللبنانية رولا سفر المقيمة في باريس، كان أجمل ما رافق القصائد، وما ساعدهم على الطيران.

sete.voixvivesmediterranee.com

 في صباح اليوم التالي، تم افتتاح رسمي للمهرجان حضره عمدة المدينة الذي أكد على أن بلدية مدينته مستمرة في دعم وتمويل هذا المهرجان الاستثنائي الذي يعتبر ملتقى حضارات حقيقي، ثم تحدثت مديرة المهرجان السيدة مايتي بليد عن الشعر كمنقذ وحيد لأرواحنا من توحش الحكومات، ومن القمع الفكري والسياسي والاجتماعي والديني المتطرف، ومن ثقافة الحرب والموت، ومن البشاعة، ومن العنصرية، ومن الوقت المعدني والرأسمالية المتوحشة التي حولت الانسان إلى آلات مرعوبة تعيد نفس العمل لساعات طويلة تأكل حياتها، مثلما تأكل روحها، مؤكدة على أن الشعروالموسيقى يمثلان أجمل ما قدمه الانسان في تاريخ حضارته الطويل، وعلى أن مهرجان “أصوات حيّة من المتوسط إلى المتوسط” (Festival voix vives de mediterrannée en mediterrannée) يُعتبر تحديا حقيقيا في زمن لم يعد يحتفي بالشعر، فهو من أبرز المهرجانات الشعريّة، ليس في أوروبا فحسب، بل في العالم أيضاً، حيث يأتي للمدينة في فترة المهرجان نحو 70 ألفاً من السياح، يشاركهم سكان المدينة ذاتها البالغ عددهم 44 ألف نسمة.

وبعد الافتتاح الرسمي الذي تم في ساحة المهرجان الأسياسية التي تحولت أيضا لمعرض للكتاب يشارك فيه أكثر من ثلاثنين دار للنشر تعرض أكثر من عشرة آلاف عنوان، أهمها المجموعات الشعرية باللغتين الأم والفرنسية. بدأت فعاليات المهرجان التي تناثرت على الشوطئ والساحات والطرقات والمراكب لتجعل الكلمات تتقاطع وتلتقي وتتشارك وتتزاور وتتآخى.

ولقد قامت ادراة المهرجان هذا العام، مثل كل عام، بطباعة مختارات من قصائد لشاعرين مشاركين في المهرجان من أصل 89 شاعر، وقد وقع اختيار اللجنة المنظمة على اسمين عربيين مشاركين هما الشاعر التونسي منصف غاشم الذي طبعت له ادراة المهرجان من خلال دار المنار للنشر، كتابا شعريا بعنوان “ذاكرة الدم”، والشاعرة السورية ميسون شقير، حيث طبعت لها دار المنار أيضا مجموعة شعرية بعنوان “في الحرب والمنفى”، باللغتين العربية والفرنسية، بعد أن قام بالترجمة إلى الفرنسية المترجم والشاعر المعروف انطون جوكي المقيم في فرنسا والذي يعتبر أيضا من أحد مؤسسي المهرجان.

sete.voixvivesmediterranee.com

وحول المشاركة العربية في المهرجان، فعلى الرغم من أنها كانت أقل من السنوات السابقة، إلا أن الشعراء الذين شاركوا قد أثبتوا وجودا خاصا مثل الشاعر المغربي المقيم في فرنسا محمد العمراوي، والشاعر التونسي منصف غاشم والشاعر العراقي  شوقي عبد الأمير الذي ألقى قصائده عن طريق شاشة الكومبيوتر لأنه لم يستطع الحضور شخصيا، وأيضا الشاعر اللبناني انطون بلعيد، والكاتبة والمخرجة والباحثة المصرية صفاء فتحي، والشاعرة السورية القادمة من اسبانيا ميسون شقير والشاعرة والمغنية المغربية صافو التي قدمت أيضا حفلة كاملة من موسيقاها ذات المزيج من الموسيقى العربية الشرقية ومن الموسيقى الغربية، مع صوتها الأوبرالي المميز، بالاضافة إلى مغنية الأوبرا اللبنانية رولا سفر التي حملت الناس على أشرعة صوتها وسافرت بهم إلى عالم مليء بالدهشة وبالجمال، عالم غنيّ بأغاني فيروز وبالأغاني الفرنسية والاسبانية، وأيضا بأغنية أوغاريتية لحنتها رولا نفسها، وعزفتها على ألات قديمة وكانت هديتها للمهرجان، وقد تلقتها الناس بكل إعجاب وحب.

الشاعرة ميسون شقير مع الناشر الفرنسي ٱلان غوريوس، صاحب دار المنار -خاص قناص (qannaass.com)

ولقد كان من أهم الأسماء المدعوة، الشاعر الصربي المعروف ديجان ألإكسيك، والشاعرة الألبانية ألبانا، والشاعر الكرواتي ألين بريك، والشاعر الاسباني الكتالاني فيليبي غوستاغليولي، والشاعر الفرنسي ميشيل دوناد، والشاعرة الفرنسية كلير لاغوس، والشاعرة الاسبانية من أصل مكسيكي أكوياني غوثمان، التي قدمت الشعر المسرحي، وقد أدار الندوات الحوارية شعراء فرنسيون، وأصحاب دور نشر، ومدرسون جامعيون في الآداب، في حين قدم الأمسيات الشعرية شعراء فرنسيون، وشعراء من دول أخرى لكنهم يعيشون في فرنسا، وهم مؤسسون للمهرجان، مثل الشاعر الفرنسي فرنس باردو.

وفي الليلة الأخيرة أحيا الشعراء والموسيقيون المدعوون حفل الختام الذي استمر حتى الساعة الواحدة ليلاً والذي حضره ما يزيد عن 500 شخص في الحديقة العامة.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى