ميشيل فوكو: إرادةُ المعرفة أفقاً | رشيد الخديري

مَن يمتلك المعرفة يمتلك السلطة، لذلك، فإن خطاب فوكو خاضع بالضرورة لـ”إرادة المعرفة

يُعَدُّ ميشيل فوكو واحداً من أبرز فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، فقد كان شديد التأثر بالفورة البنيوية واقتراحاتها، وأخذ على عاتقه معالجة مواضيع لها علاقة وطيدة بالمجتمع والناس والعالم والأشياء، كالجنون والإجرام والعقوبات السجنية عبر العصور، وغير ذلك. ورغم مرور سبعة وثلاثين سنة على وفاته [1984]إلا أن كتاباته مازالت تمثلُ مرجعاً محورياً في العلوم الإنسانية، والفكرية بصفة عامة، وقد ألقى منذ سنة 1970 في “الكوليج دو فرانس” أرفع مؤسسة علمية أكاديمية فرنسية على الإطلاق، سلسلة محاضرات ودروس في تاريخ الفكر ومنظوماته، وعلى إثر إضراب عن الطعام، لمجموعة من السجناء، أصدر فوكو كتابه الهام “المجتمع والعقاب” سنة 1975، وهنا، يبرزُ وجهاً نضالياً من خلال الاحتكاك بالسجناء، ونقل عوالمهم ومعاناتهم عبر ممارسة الكتابة. هذا الخط (الثوري) سيتراجع عنه في أواخر السبعينيات، نتيجة تراجع المد اليساري الماركسي، مما جعله يمضي وقتاً طويلاً بأمريكا بالموازاة مع إلقاء الدروس والمحاضرات بكوليج دو فرانس، وممارسة التأليف والكتابة، وكان ميشيل فوكو يعيش قلقاً وجودياً، ويتصف بالعدوانية وجنون العظمة، حتى أنه حاول الانتحار سنة 1948، وهذا النزوع نحو الجنون، نجد له أثراً  كبيراً في أهم أعماله ودراساته.يُعَدُّ ميشيل فوكو واحداً من أبرز فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، فقد كان شديد التأثر بالفورة البنيوية واقتراحاتها، وأخذ على عاتقه معالجة مواضيع لها علاقة وطيدة بالمجتمع والناس والعالم والأشياء، كالجنون والإجرام والعقوبات السجنية عبر العصور، وغير ذلك. ورغم مرور سبعة وثلاثين سنة على وفاته [1984]إلا أن كتاباته مازالت تمثلُ مرجعاً محورياً في العلوم الإنسانية، والفكرية بصفة عامة، وقد ألقى منذ سنة 1970 في “الكوليج دو فرانس” أرفع مؤسسة علمية أكاديمية فرنسية على الإطلاق، سلسلة محاضرات ودروس في تاريخ الفكر ومنظوماته، وعلى إثر إضراب عن الطعام، لمجموعة من السجناء، أصدر فوكو كتابه الهام “المجتمع والعقاب” سنة 1975، وهنا، يبرزُ وجهاً نضالياً من خلال الاحتكاك بالسجناء، ونقل عوالمهم ومعاناتهم عبر ممارسة الكتابة. هذا الخط (الثوري) سيتراجع عنه في أواخر السبعينيات، نتيجة تراجع المد اليساري الماركسي، مما جعله يمضي وقتاً طويلاً بأمريكا بالموازاة مع إلقاء الدروس والمحاضرات بكوليج دو فرانس، وممارسة التأليف والكتابة، وكان ميشيل فوكو يعيش قلقاً وجودياً، ويتصف بالعدوانية وجنون العظمة، حتى أنه حاول الانتحار سنة 1948، وهذا النزوع نحو الجنون، نجد له أثراً  كبيراً في أهم أعماله ودراساته.يُعَدُّ ميشيل فوكو واحداً من أبرز فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، فقد كان شديد التأثر بالفورة البنيوية واقتراحاتها، وأخذ على عاتقه معالجة مواضيع لها علاقة وطيدة بالمجتمع والناس والعالم والأشياء، كالجنون والإجرام والعقوبات السجنية عبر العصور، وغير ذلك. ورغم مرور سبعة وثلاثين سنة على وفاته [1984]إلا أن كتاباته مازالت تمثلُ مرجعاً محورياً في العلوم الإنسانية، والفكرية بصفة عامة، وقد ألقى منذ سنة 1970 في “الكوليج دو فرانس” أرفع مؤسسة علمية أكاديمية فرنسية على الإطلاق، سلسلة محاضرات ودروس في تاريخ الفكر ومنظوماته، وعلى إثر إضراب عن الطعام، لمجموعة من السجناء، أصدر فوكو كتابه الهام “المجتمع والعقاب” سنة 1975، وهنا، يبرزُ وجهاً نضالياً من خلال الاحتكاك بالسجناء، ونقل عوالمهم ومعاناتهم عبر ممارسة الكتابة. هذا الخط (الثوري) سيتراجع عنه في أواخر السبعينيات، نتيجة تراجع المد اليساري الماركسي، مما جعله يمضي وقتاً طويلاً بأمريكا بالموازاة مع إلقاء الدروس والمحاضرات بكوليج دو فرانس، وممارسة التأليف والكتابة، وكان ميشيل فوكو يعيش قلقاً وجودياً، ويتصف بالعدوانية وجنون العظمة، حتى أنه حاول الانتحار سنة 1948، وهذا النزوع نحو الجنون، نجد له أثراً  كبيراً في أهم أعماله ودراساته.

على إثر إضراب عن الطعام، لمجموعة من السجناء، أصدر فوكو كتابه الهام “المجتمع والعقاب” سنة 1975، وهنا، يُبرزُ وجهاً نضالياً عبر ممارسة الكتابة.

يَتَأَسَّس الفكر الفوكوي على مفهوم الحداثة المضادة، بمعنى أن الحداثة الغربية المحوريّة تقوم على تقديس المادّة الجدليّة والعقلانيّة، وهذا ما جعلنا دوما أمام خطاب واحد، تلقفته الحداثة، وحاولت تكريسه في المنظومة الفكرية منذ عقود. وهنا، يتقاطع مع الفكر الديريدي الذي سعى أيضاً إلى محاربة بنيان الحداثة القائم على تقديس خطاب العقل والبنية المغلقة. إن فوكو يرى، أن هذه الحداثة، قد سعت إلى إخفاء الجنون من الخطابات رغبةً في الحفاظ على طمأنينتها وهيمنتها، وقد تنبه إلى ذلك السيميائي المغربي سعيد بنكراد أثناء ترجمته لكتاب تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”[1]. لقد وجد فوكو في حديثه عن الجنون صعوبة في إيجاد أمثلة لخطاب “المجنون”. والمسألة إذن، تتعلق بقواعد وإجراءات تحدد السوي أو العقلاني، وتنجح في إخراس ما يخرج منها أو ما يخالفها. وهنا، تبدو قدرة المؤسسات الرّسميّة أو النظام التعليمي المتبع على تشكيل ما هو معقول وما ينتمي إلى مجاله العلمي، وعليه، فإن ميشيل فوكو يعتبر أن الثقافات الأكثر قوة باستطاعتها تنسيب الثقافات الأضعف وتلائمها ضمن الخطاب”.

نظام الخطاب (دارالتنوير)

في هذا السيّاق، يكتبُ ميشيل فوكو: “يبدو أن الخطاب في ظاهره شيء بسيط، لكن أشكال المنع التي تلحقه تكشف باكراً وبسرعة عن ارتباطه بالرغبة والسلطة، وما المستغرب في ذلك ما دام الخطاب – وقد أوضح لنا التحليل النفسي ذلك – ليس فقط هو ما يظهر (أو يخفي الرغبة، لكنه أيضاً هو موضوع الرغبة. وما دام الخطاب – والتاريخ ما فتئ يعلمنا ذلك- ليس فقط هو ما يترجم الصراعات أو أنظمة السيطرة، لكنه هو ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها”[2]. بهذا المعنى، فالسلطة في المنظور الفوكوي مقترنةً بطبيعة الخطاب، ذلك أن السلطة ليست مفهوماً سياسياً فحسب، وإنما هي مجموعة من القواعد والأنظمة والآليات التي تسعى لفرض السيطرة من خلال “تأبيد” الخطاب المؤسساتي، ولو بدا ذلك ناعماً وخافتاً، لكن يحملُ دوماً تلك الرغبة في التحكم وبسط أشكال معيَّنة من الهيمنة، من المهم إذن، أن ننتج الخطاب النقيض، ومساءلة المعرفة التي تتموقع بين الذات وموضوعها، من أجل الوصول إلى الحقيقة، أوالحقيقة النبوية“، و”لكي تتأسس ينبغي أن تحقق نوعاً من القطيعة مع العالم المحسوس، عالم الخطأ، عالم المصلحة والرغبة، مع كل العالم الذي يكون بالنسبة للحقيقة (الخالصة) و(الخالدة) عالم الظلمات والانتقال من عالم الظلمات إلى عالم النور، من عالم الخطأ إلى عالم الصواب، من عالم العبور والفناء إلى عالم الدوام والخلود هذا الانتقال هو الذي يؤسس الذات النبوية كذات قادرة على قول الحقيقة وعلى رؤيتها”[3].

ميشيل فوكو: “يبدو أن الخطاب في ظاهره شيء بسيط، لكن أشكال المنع التي تلحقه تكشف باكراً وبسرعة عن ارتباطه بالرغبة والسلطة.

 إن الخطاب ليس عنصراً بريئاً أو مجرداً من ممارسة الإيديولوجيا أو العنف الرمزي، ويبقى لكل عصرٍ معيَّنٍ خطاباته التي يُمارسها تبعاً للمواقف والمواقع، ومرتبطةً بالقوة والسلطة والتمركز العقلي، وقد ثار فوكو على هذه المقولات التي حاولت تقديس الإنسان أو العقل، خاصةً في القرن التاسع عشر، معتبراً أن من يمتلك المعرفة يمتلك السلطة، لذلك، فإن خطاب فوكو خاضع بالضرورة لـ”إرادة المعرفة“، وقدرتها على التمييز بين الحقيقة وما يدخل ضمن الحقيقة، “ولا نعني مرة أخرى بحقيقة (مجموع الأشياء التي يتعين اكتشافها أو جعل الآخرين يتقبلونها) بل (مجموع القواعد التي يمكن بمقتضاها أن نفرز ما هو حقيقي عما هو خاطئ وننسب إلى الحقيقي سلطة ذات تأثيرات خاصة”[4]، ويستطرد فوكو قائلا: “إن الحقيقة مرتبطة دائرياً بأنساق السلطة التي تنتجها وتدعمها، وبالآثار التي تولدها والتي تسوسها. وهو ما يدعى (نظام الحقيقة)”[5]. لقد ظل فوكو ينادي بتحرير الإنسان من أحادية الخطاب، بما يفرزه من سلطة تتعزز في المجتمعات بوصفها حقيقة مطلقة، وعلينا الامتثال لها، وتمثلها وممارستها كنظامٍ للسلطة والمؤسسة والعقل الثابت، المغلق، إننا إزاء خطاب فوكوي جديد، يتأسس خارج السلطة، ينتقد أحادية الخطاب، ولا يتقيد بآليات جاهزة وقديمة في قراءة النص أو النصوص.

فوكو: “إن الحقيقة مرتبطة دائرياً بأنساق السلطة التي تنتجها وتدعمها، وبالآثار التي تولدها والتي تسوسها. وهو ما يدعى (نظام الحقيقة)”.

(الصورة: المركز الثقافي العربي)

إن ميشيل فوكو يقترب في الكثير من تنظيراته وحفرياته في الممارسات الخطابية من النقد الثقافي، خصوصاً فيما يتعلّق في إلقاء الضوء على ما ورائيات النص، وتفكيك الأنساق المضمرة التي يخلفها كل نص. ثمة إذن، تقاطعات مشتركة بين ديريدا، فوكو، وبورديو في زوايا النظر إلى الخطاب في علاقته بالهيمنة، والسلطة والكتابة الهوياتيّة والارتهان إلى شروط المؤسسة القائمة على بسط النفوذ وتوجيه بوصلة الخطاب المعرفي نحو اكتساب المزيد من الهيمنة على المتحدث. ولا شك، أن الفكر الفوكوي ظل حبيس“إرادة المعرفة”، ومساءلتها عبر الخطاب وتمفصلاته من أجل بناء تاريخ الفكر بشكل واعٍ، وضامنٍ للتكافؤ بين أنماطه وأشكاله، يقول مبرزاً حدود العلاقة بين الفكر والخطاب:”لا نستطيع إعادة بناء منظومة فكرية إلا بالاعتماد على مجموعة من الخطابات، ويتم ذلك على نحو يكون الغرض منه هو العثور خلف العبارات نفسها على قصدية الذات المتكلمة، وعلى نشاطها الواعي، وما كانت ترغب في قوله، بل وعلى بعض التجليات اللاشعورية التي برزت إلى واضحة النهار، فيما قالته صراحة أو ضمناً، ومهما يكن من أمر، يتعلق الأمر في تاريخ الفكر، بإعادة إنشاء خطاب جديد”[6]، وعليه فإن الأساس هو البحث في ما وراء الخطاب، في خلفياته، فيما لم يقله حقيقة أو مجازاً، لا الاكتفاء بخطاب واحد، مكرس ومعتمد من لدن المؤسسة التي أنتجته.

هوامش:

(1)  سعيد بنكراد، تاريخ الجنون في العصر الوسيط، ميشيل فوكو، المركز الثقافي العربي، ط 1، 2006، ص 19.

(2) ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة: محمد سبيلا، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، ط 3، 2012، ص 09.

(3) عبد السلام دخان، ميشيل فوكو وإرادة المعرفة، صحيفة القدس العربي، العدد 265592، 15 دجنبر 2014.

(4) نظام الخطاب، مر سا، ص 94.

(5) م سا: ص 94.

(6) ميشيل فوكو: حفريات المعرفة، ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط 2، 1987، ص 17.

خاص مجلة قنآص

رشيد الخديري؛ شاعر وناقد مغربي. صدر له شعرًا: حدائق زارا، خارج التعاليم، الخطايا والمرآة، سلالم ضوء. من أعماله النقدية: الطرديّات في الشعر العربي، الدراميّ والغنائيّ في الشعر المغربيّ المعاصر، التراث النقديّ عند العرب: آليّاته وإشكالاته. في الرواية: مرايا عمياء.

(الصورة: fikrmag.com)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى