«هجرة السنونو» لـِ حيدر حيدر: طيران عبر فضاء الزمن | فراس أحمد

نص يطل على المرحلة الأخطر في تاريخ سوريا

طيران انسيابي وادع يحملنا إليه الروائي السوري حيدر حيدر عبر عمله الروائي الأخير “هجرة السنونو”، الصادر عن دار ورد في دمشق، وهو يحلّق في فضاءات ذاكرته الوضاءة كطائر السنونو، يحبس أنفاسنا آن يهوي ليصطاد تفاصيل طفولته ومراهقته.

هو يعلو الآن فوق تجربته الطويلة والكثيفة. يحاكمها، يتطهر من جوانبها المعتمة ويغتسل ويغسلنا في مشهد الاغتسال البهي في عراء الطبيعة عبر مقطع آثر بغرائبيته وسحره ولغته المشعّة. 

طيران سحري عبر طبقات التجربة ينفذه حيدر حيدر (من مواليد 1936) بطراوة وحذق روائيّ محترف في روايته التطهيرية حيث يبدو الزمن هلامياً. يمر بحياد، إن صح التعبير على الواقع السياسي الذي أحرقه كما فجر لغته في روايات سابقة من مثل “وليمة لأعشاب البحر (1984)” و”الزمن الموحش (1973)”, لفضح الواقع وتشريحه بمبضع حاد تجلى في الزمن المتكسر بحواف حادة وباللغة المشحونة والمتوترة في تلك الروايات.

هو اليوم بعد استدارة تجربته جغرافياً يبتعد وتبتعد لغته عن المحرقة ليغوص عميقاً في التجربة الإنسانية الفردية والجماعية عبر التحليل والسرد الذي يتاخم البوح لإضاءة مكامن الخلل الفردي والجماعي في رحلة طيران سحري عبر الزمن، يعلو وينخفض في فضاءات التجربة، جناحاه اللغة المشعة المصفاة من علائق الخراب السياسي، فيبكينا حيناً هو الذي نال من الشقاء والنفي والحنين إلى العائلة والوطن ويضحكنا تارة بميله الفطري للفرح وحب الحياة والاستمتاع الاحتفالي بجمال الطبيعة والبحر..

في بيروت ثلاثة عوالم كانت تُشاد: عالم ينتمي إلى الحياة والفرح والحب يبنى على وقع طبول الحرب وأصوات الرصاص واستعراض القوة في الشوارع في مدينة مفككة سياسياً وطائفياً.

مدينة تعج برجال وضباط الاستخبارات متعددي الجنسيات، والتي كانت بيروت مسرحاً لهم ولنشاطاتهم وتصفية حساباتهم, وعالم الثقافة والتنوير عبر مشاريع كانت تبدو دونكيشوتية، ولكنها شيّدت لتواجه الخراب ودمار الحرب وخلل النفس.

وعالم الصداقة المصفاة من شوائب النفعية والشهوة. الصداقة الحقيقية والتي تحمل جانباً تطهيرياً لرجل وامرأة، جريحين من فشل الحب والسياسة على مشارف الحب.

الصورة: الروائي السوري حيدر حيدر

في مشهد مكثف يحمل دلالات رمزية يطلق الضابط الاحتياطي قبل تسريحه طلقات مسدسه، الذي يستخدمه للمرة الأولى ربما، على سقف غرفة النوم في البيت المهشم هو الآخر، في إشارة إلى الجيوش التي تترك فلسطين لمصيرها وتطارد المهجرين في أصقاع الأرض قاطبة /الحلم اليهودي المتوارث من أيام الشتات والسبي البابلي/.

في لبنان سيحاول المنفيون من سوريا وفلسطين والعراق ومن لبنان أيضاً بناء عالم يوتوبي بالثقافة والتنوير، لكن الحرب دمرت بيروت برمزيتها، ومن ثم دمرت أحلامهم وشتتهم في أصقاع الأرض, بعد أن التجأ السوري والعراقي إلى شتات اللاجئ الفلسطيني في إشارة موجعة ومكثفة للهذيان العربي.

ربما كان مشهد ما بين النهرين والاحتفال البهي بالطبيعة وبالعلاقات الإنسانية الصادقة والعفوية والذي اختتم على نحو فجائعي يحمل دلالات على انهيار الحلم في بناء عالم الثقافة والتنوير في لبنان الذي أعطب ودمرته الحرب ولوثة الطائفية التي ما تزال تنهش هذا البلد الجميل.

من خلال السرد يترك صاحب “شموس الغجر (1997)” لشخوصه مساحة للتعري والبوح بسرديّة روائية عالية لتتكشف عوالمهم الداخلية عبر محاكمات ذاتية نقدية صادقة، قاسية وجريئة.

رواية لا يدرك إلا من يعرف مؤلفها شخصياً أو يعرف بعض تفاصيل حكايته، أنها تحمل عبر تياراتها ملامح سيرة ذاتية. إذْ تنسى وأنت تقرأ “هجرة السنونو” أنك أمام من كتب “وليمة لأعشاب البحر” و”الزمن الموحش”، إنما تجد نفسك أمام نص مفتوح يطل على المرحلة الأخطر والأكثر تحريماً في تاريخ سوريا والتي ما تزال تسم لبنان حتى اليوم.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى