أسامة إسبر إلى جبل شاستا
تنشر قنّاص في هذا الملف المتسلسل سيرة مكان يسرد فيها كُتّابنا الأعزاء رحلتهم، مُقتفيين بعدسة كاميرا أثَرَ الانعطافات في الروح والزمن؛
إنها الرحلة إلى أين.. هناك حيث سنلتقي.
نبدأ الرحلة أين مع الشاعر والمترجم السوري المقيم في الولايات المتحدة أسامة إسبر؛ رحلته إلى جبل شاستا، الجبل البركان تغمر قمته الثلوج، ينشده المغامرون والروحانيون. تقول أساطير كثيرة إنه موطن لنبع مقدس، ولكائنات تخطت المستوى المادي في الحياة، أو لمدينة من الكريستال مسكونة. يقع جبل شاستا في شمال كاليفورنيا، ويبدو من بعيد أنه القمة الوحيدة المكللة بالثلوج وسط مساحات شاسعة.
***
شعرتُ أنني أدخلُ عالماً جديداً وأنا أنطلقُ في السهول الرحبة لكاليفورنيا ذات الصدر الذي باتساع السماوات ناظراً بعينيْ فنّان يندهش أمام الجمال الخالد للطبيعة متلهفاً لرؤية المكان المقصود، جبل شاستا حيث تعيش الروح العليا التي آمن بها السكان الأصليون في كاليفورنيا. يُقال إن هذه الروح ما تزال لاجئة إليه وهي في حالة كمون وإغفاء، ويتوقع البعض أنها ستستيقظ بركاناً يدمر ما حوله، فيما يعتقد البعض الآخر أنها نور سيغمر المشهد ويفتح بوابات جديدة للروح، ويتوق كثير من الباحثين عن المعنى إلى النَهْل من المياه العذبة لنبع الجبل السري المقدس كي يرووا ظمأهم الروحي.
في رواية تناقلها السكان الأصليون كان الغضب سيد المشهد حين رجمتْ الروح العليا الروح السفلى بالحمم لأنها مدنسة وقاتلة وتنتعش في السفوح على أنقاض الآخر، إنها روح الجشع والمغامرة والامتلاك والاستيلاء على الأراضي والاستثمار، الروح التي تغزو العالم وتضع عليه دمغتها أو ختمها كما لو أنه عبد أو سلعة، وتحوله إلى شركة تفرز البشر إلى قسمين: قسم يصنع ويتاجر وقسم يستهلك.
بدأت الرحلة من باسيفيك جروف، وهي بلدة صغيرة تقع على المحيط الهادىء في قضاء مدينة مونتيري، مشهورة بجمال شاطئها الذي يدعى أسيلومار، الكلمة الأسبانية التي تعني اللجوء، وهو شاطئ رملي لم تلوثه يد الصناعة أو السياحة، تملكه الدولة ومفتوح للعامة، يتنزهون عليه ويخيموا، ويمارسوا رياضة ركوب الأمواج، أو يتأملوا الغروب الذي يغير صورته كل يوم كأنهم يؤدون تلاوة جمال المشهد. وكلما تمشيت على ذلك الشاطئ الساحر تذكرتُ الشاعر السويدي توماس ترانسترومر، الذي قال مرة إن الألوهة تتجسّد في جمال الطبيعة، وهذا يستدعي العبادة، لأن كل ما هو جميل مقدس.
جاء صديقنا ستيف وزوجته، وهما أميركيان يؤمنان بالروحانيات، ويتبعان سلكاً جديداً قائماً على الحب، فالحب بالنسبة لهما جوهر الحياة، وبالحب نَغْنى ونُغْني ويكسب الوجود ما يجعله جديراً بنا. استقلينا سيارتهما وسط الضحك الجميل. ستيف يمتلك حس الفكاهة وتتوهج منه ومن زوجته طيبة نادراً ما نراها متفتحة في حدائق البشر في هذه الأيام، ذلك أن ورود حبنا البشري ذاوية وتحتاج إلى ماء سحري يغذّي بتلاتها بالنضارة.

وفيما كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الأبنية والأشجار المعمرة الباسقة لفتت نظري نخلة تعلو شامخة وسط مدينة مونتيري، والتي عاش فيها وكتب عنها الروائي جون شتاينبك، لم أشعر بأنها غريبة مثلي كما شعر صقر قريش مع نخلته في أسبانيا، بل بأنها شجرة كريمة متآلفة مع جوها وتربتها وأن جذورها تختلف عن جذورنا نحن البشر إذ غالباً ما نلون جذورنا بألوان أفكارنا. ونصنع أوطاناً بلون هذه الأفكار تسورها في وجه الآخر.
حين مررتُ قرب المرفأ رأيتُ سفينة كروز عملاقة مصممة كالفندق تستأجر فيها غرفة وتذهب في رحلة عبر المحيط الهادئ. كانت ترسو قرب المسار البحري الذي تسلكه عادة سفن صغيرة مخصصة لأخذ السياح في رحلة لرؤية الحيتان، وقد ركبت مرة أحد هذه المراكب من أجل رؤية الحيتان لكن الطقس ساء فجأة وعكّر صفو المشهد وانتشر ضبابٌ بحريٌّ حجب الأفق أمامنا، وحين كانت السفينة تُبحر في الضباب خِلتُ أنني أعيش في عالم منفصل ومهدد في كل لحظة. وفيما كنت في خضم هذه الخواطر صاح أحدهم: انظروا! حوت! ولا أعرف لماذا تذكرتُ ميلفل وروايته موبي ديك، وشعرت بأن آخاب هو الذي يقود السفينة وأن رحلتنا ستطول في ظل الجنون الذي يقودها.
حين مرت السيارة في بلدة مارينا بدت أدنى من الطريق السريع الذي اشرأبَّ محلقاً فوقها بجناحين من الإسفلت فظهرت تحت السماء الساطعة مهجورة وبيوتها منكمشة ومتلاصقة كأنها خائفة من الرحابة، ولم أر فيها ما يسرّ الناظرين. وفيما كنا نوغل في المسافة عبْر حقول اللوز المترامية على مد البصر وبساتين الزيتون والكرز انتابني إحساس بأنني أحلق كالطائر بين أزهار اللوز تلك التي تحتل الفضاء حين تزهر بلونها القرنفلي الموزع في جيوش من البتلات الساحرة. بهرني غنى ولاية كاليفورنيا بكل شيء، ولولا أزمة المياه والجفاف التي ضربتها مؤخراً لكانت شعلة العالم الخضراء.
التقطتُ صوراً واستمتعتُ بجمال الطبيعة الأخّاذ في طريقي إلى جبل شاستا والذي سمّيتهُ جبل الروح بقمته الشامخة البيضاء الشاهقة المتفردة بردائها الأبيض على مدى البصر.
لم أنظر إلا بعين الرضا والفرح والحب، وكانت المسافات المشبعة بالخضرة إلى حد الترف تقاطعها أحياناً تلال رملية جرداء وقد أدهشني هذا التغاير الحاد بين كثافة الخضرة وحدّة العري والجفاف.
استغرقت الرحلة ثماني ساعات مررنا أثناءها في مناطق سماؤها ملوثة بالدخان، ويجري فيها تكرير النفط في محطات عملاقة، كما شاهدنا مستنقعات الأرز، وبحيرة تحلق فوقها أسراب على مد البصر من البط الأبيض والأسود وكان هذا موسم هجرة الطيور إلى جنوب كاليفورنيا ناشدة للدفء.

وصلنا إلى بلدة شاستا في وقت قياسي، وانطلقنا فور وصولنا باتجاه الجبل الذي تقول بعض الروايات إن القديس سان جيرمان صعد إليه سيراً على الأقدام. ولهذا القديس الذي يُضْفى على سيرته طابع خيالي وأسطوري أتباع كثيرون الآن في أميركا شقوا لأنفسهم بهدي من تعاليمه طريق عبادة جديدة بحثاً عن نعم الروح من خلال العبور المسالم إلى عالم الوجود الحقيقي المنفصل عن عالمنا، والذي لا أجرؤ أحياناً أن أقول إنه ملموس لأننا لا نشعر بعبور الأشياء وانتقالها وبالتبدلات التي تطرأ وتغير كل شيء. تقول بعض الأديان إن العالم وَهْم وإن الحقيقة هناك في الجهة الأخرى، في عالم آخر يجب أن نعبر إليه وطرق العبور واحدة حتى لو اختلفت في الشكل، ولكن هذا العبور غامض بالنسبة لي، أنا من الذين يؤمنون بالعالم الذي نعيش فيه ونورثه لغيرنا، هذه الاستمرارية المدهشة التي تتجاوز الأنا وأوهامها وتذوب في غنى الوجود وتسافر ذراتها فيه مولودة في أشكال أخرى، غير أن أصدقائي كانوا بعيدين عن أفكار كهذه وكانوا لطيفين إلى درجة أن الصداقة لا علاقة لها بالقناعات الشخصية. ما أجمل الذين يتقبلونك كما أنت حتى لو كنت مخالفاً لمذاهبهم وآرائهم وقناعاتهم، كم هم نادرون في العالم!
حضرنا حفل غداء في شاستا تناولنا أثناءه طعاماً أميركياً تقليدياً مؤلفاً من لحم ديك الحبش مع الصلصة الخاصة به والبطاطا المهروسة ورافقته خضروات مسلوقة وهي مزيج من الجزر والكوسا والزهرة والبروكلي، وتذوقنا شاستا سكرامبل وهو عبارة عن طبق تشتهر به بلدة شاستا مؤلف من البيض المقلي مع السبانخ والفطر والبطاطا المفرومة بشكل ناعم والأفوكادو والبصل، ويُقدم مع التوست الساخن المُغمّس بالزبدة.
يتسم الطعام الأميركي بشكل عام بالغنى والتنوع ومن الصعب القول إن هناك طعاماً أميركياً له هوية محددة، فقد فشلت جميع المحاولات لتعريف ما هو الطعام الأميركي، ربما كان السبب في ذلك هو طبيعة الهوية الأميركية، إذ لا يوجد أميركي نقي وجميع الأميركيين هم بالأساس مهاجرون أو لاجئون جاؤوا إلى هذه البلاد، وكل من جاء أحضر معه ثقافته في إعداد الطعام وترسخت ديمقراطية حقيقية على هذا المستوى، إذ بوسعك تناول الطعام الفرنسي والعربي والأفريقي والهندي والصيني والياباني والإيطالي والكوري، وكل أنواع الأطعمة التي يمكن أن تخطر على بالك، لكن رغم ذلك هناك في بعض المناطق محاولات لصناعة هوية لطعام أميركي يميز قومية أميركية ما، عادة تذوقية أو نسقاً تذوقياً، غير أن هذه المحاولات لن تحظى بأي فرصة للنجاح في بلد ينتصر فيه التنوع والتعدد على الأحاديات المغلقة، وبالتالي يصبح تذوق طعام الآخر مغامرة انفتاح وإغناء للذائقة وبحثاً عن الجديد وهذا ما يميز الروح الأميركية المتحررة من العصبية العنصرية والقومية البيضاء القائمة على مفهوم التفوق العرقي. وكما يُحضر البشر معهم طعامهم يحضرون أيضاً خلفياتهم الذهنية ومسبقاتهم عن الآخر، وثمة كثيرون من العرب من أديان وخلفيات مختلفة جاؤوا إلى أميركا ولم يتعلموا من تعدديتها وأفقها الديمقراطي بل أعادوا إنتاج تصورهم التقليدي للعالم.
استمعنا في حفل الغداء لموسيقا عزفها شبان من إحدى مدارس البلدة من النوع المألوف في مناسبة أعياد الميلاد المجيدة، وتبادلنا الحديث مع كثيرين. وكانت شجرة عيد الميلاد تتوهج في مركز الصالة مانحة ألفة للمكان كما لو أن الحفل يجري في ظل شجرة عملاقة تلقي بظلالها على الجميع وتحميهم من هجير الضجر والعزلة في هذا المكان القصي. وحين خرجتُ كي أتنفس هواء نقياً التقيتُ بامرأة لطيفة في الستين من عمرها في الشارع كانت قادمة من سيارتها حيث تناولت جرعة من زجاجة لم أستطع تبينها. سلمت بابتسامة مشرقة وقالت: لا أريدك أن تفكر أنني أشرب غير الماء، وضحكتْ وضحكتُ معها ثم أشارت إلى الجبل وقالت: «مررتُ مرة أنا وزوجي بالمصادفة منذ عشرين سنة في هذه البلدة وحين نظرتُ إلى الأعلى ورأيتُ جبل شاستا قررت أن أمضي حياتي في سفوحه، وهذا ما فعلناه، انتقلنا فوراً وسكنا، لا نستطيع أن نتخيل أنفسنا بعيدين عنه. خاطبني شيء لا أفهمه وأقنعني بأنني يجب أن أعيش هنا».
ثمة جاذبية في الجبل من الصعب تفسيرها وخاصة بالنسبة لي أنا القادم أيضاً من بلاد جميلة، لا بل هي بالنسبة لي من أجمل بلدان العالم، ومن مدينة صغيرة على شاطئ المتوسط حيث بساتين البرتقال والزيتون والتين تزين المسافات أيضاً ولو بمساحات صغيرة، لكن جبل شاستا يفرض حضوراً ساحراً غير قابل للتفسير. وكل من التقيتُ بهم امتدحوا الجبل كأنه مُلْكية رمزية توارثوها أباً عن جد. وكان الجبل هناك عالياً برداء الثلج، يفرض هيبته على المكان، وحين تغرب الشمس وتضيء قمته تتوهج بلون كأنه من عوالم الروح، وتخرج كائنات الضوء ويسيل ذهب جوهرها المتدرج الألوان على سفوحه. وسمعتُ تكبيرات بأصوات موسيقية وغناء ساحراً أسكرني وأدخلني فيما هو أبعد من ذاتي.. كان هذا في حلم رأيته في أول ليلة نمتُ فيها في نزل بلدة شاستا.

كان ليلاً مختلفاً ذلك الليل، ليلاً برياً لم أجرب مثله منذ أيام طفولتي، حيث كانت الحياة في براءتها الأولى والطبيعة بكراً، وكل شيء تنبع منه النضارة. كان عالماً غير ملموس بيد شرهة أو مالكة، غير مدنس بوعي الاقتناء الذي يحول العالم إلى جحيم، والبشر إلى مصارعين مدججين بكل أنواع الأسلحة على حلبة النشوء، حيث البقاء هو للأقوى، شريعة العالم الذي نعيش فيه، وفي ذلك الليل المليء بحكايات الأشجار التي يمتد فوقها فضاء بلا حدود، تنشقتُ روح الغابة وأنفاس التلال المحيطة المكسوة بأشجار السرو العملاقة. كانت كل شجرة في هذا الليل تاريخاً من السواد، مليئاً بالإيحاءات الغافية، وغداً حين تطلع الشمس وتتوهج فوق التلال ويغسل الضوء العالم وترتدي الأشجار ثوب الوهج سأنسى نظرات مريبة وكلمات ملغومة وأسئلة تُفْرد الآخر في زاوية انتمائه وتصنيفات طوّرت مكر لغتها ولن أبقي معي إلا الابتسامات المشرقة كالضوء والأعين التي تنظر بحب وكلمات الترحيب واللطف تلك التي تُذْكي جمر التواصل في برد هذا العالم الذي يشبه أحياناً مخيم لجوء كوني على حدود الأفلاك.
حين تقف في سفوح جبل شاستا وتنظر إلى الأعلى، إلى ما اعتبره السكان الأصليون لأميركا مركز الكون وبيت الخالق، تستغرب كيف ينجذب البشر روحياً إلى قمة عارية يكللها ثلج بارد لامبال، وكيف تسكن الأرواح في جبل أجرد كهذا، وكيف تلجأ مملكة من الكريستال إلى باطنه أو يسكن الإله فيه قرب نبع ماء مقدس، وكيف تصعد الأرواح نحو الأعلى وتتدحرج الأجساد المهجورة والمنبوذة إلى الأسفل. في سفح جبل شاستا آثرتُ أن أظل في جسدي، وأن أُبقي روحي فيه، فأنا قبة نفسي، بل فضاء نفسي ولتحلّق الروح في هذا الفضاء! ومهما كانت الإقامة مؤقتة فهي جميلة ولا أكترث كم ستستمر، فالموت صار من تفاصيل هذه الحياة والمحو إله النسيان، وفيما كانت هذه الأسئلة تدور في رأسي حاولت استشعار الطاقة المحيطة بالجبل، أو أن أرى شكلاً إعجازياً يتسلق إلى الأعلى أو يهبط إلى الأسفل نحوي كي أسأله ويشفيني بالأجوبة، لكن عري الجبل كان حاداً، وآلهته استسلمت لغفوة أبدية، وكان عليَّ أن أنقب في كتابات قديمة للسكان الأصليين كي أعثر على روح ذلك الجبل في قصائد مكتوبة عنه، فعثرتُ على قصيدة للشاعر جون رولين ريدج يتحدث فيها عن جبل شاستا الذي:
تنقضُّ عليه عواصف غاضبة
لكنه يبقى صامداً غير هياب،
كذهن هاجع وبارد،
انظروا إليه
إنه وحيد بلا رفيق.

في صباح اليوم التالي قمنا بجولة في عمق الغابة التي تكسو السفوح وكان منظر الأشجار مهيباً. حدثني صديقي عن أشخاص مشهورين يحجون إلى هذه الأمكنة المعزولة النائية كي ينعموا بأيام مع أنفسهم في عزلة الغابة، كما لو أنهم يستلهمون كلمات هايدغر حين قال: «وحدها الغابة الخضراء تلهمني»، أو ما قاله نيتشه عن هواء الأعالي، هواء الجبال الذي يسكر الروح ويحفز العقل.
في وسط الغابة الخضراء تناثرت أكواخ صغيرة مخفية عن الأعين يسكنها أشخاص غامضون بالنسبة لي، يبحثون عن راحة البال هرباً من ضجيج لوس أنجلوس ونيويورك وشيكاغو وواشنطن والمدن الأخرى التي لا تتنفس إلا المال على حد قول الشاعر الكاليفورني لورنس فيرلنغيتي.
حين انعطفت السيارة نحو الطريق السريع، طريق العودة إلى نقطة الانطلاق ألقيتُ نظرة إلى الأعلى، إلى القمة الثلجية الحارسة، وخُيّل لي أن روحاً تلوّح لي بيد كريستالية هناك من الأعلى.

