أصفهان.. مدينة عالقة بثريا التاريخ | خضير الزيدي

الصورة: جسر (خواجو) على نهر (زاينده رود)

أصفهان نصف جهان: أصفهان نصف العالم …

لست وحدي في هذا المكان العابق بالتاريخ والممتلئ بآثار القدم من الزمن السالف، فمعي دليل وشواهد من تاريخ المكان، فتعال أخبرك أيّها القارئ الحبيب أين أقف وماذا رأيت وعلى أية زاوية يسقط بصري وأنا أتصفح كتاب تاريخ مدينة كتب لها أن تبقى في الذاكرة مثل أصفهان، لقد مشيت فيها ببطء فأصابني الذهول وأنا أحط رحالي بين شوارعها وبيوتها ومساجدها وساحاتها الجميلة. مؤكد أيّها القارئ أنك تعرف تاريخك الإسلامي ومؤكد أنك تعي أهمية المدن قبل الاسلام فهل عليّ أن أخبرك بأنّ أصفهان المليئة بالفنون والعمران اعتبرتها منظمة اليونسكو من المدن السبعة التاريخية في العالم وأضافتها لقائمة التراث العالمي، تخيّل كل ذلك عزيزي القارئ وأنت تدخل إليها فماذا ترى؟ ومن تلك الشخصية التي أسست بناء جدرانها ومن الفنانون الذين كوّنوا أجمل مظاهر التصميم العمراني لمساجدها ومآذنها وكنائسها ومدارسها العريقة وجسورها المعروفة للقاصي والداني وقصورها التي تحفها حدائق من أشجار شتى.

تاريخ المكان

يتفق مختصو التاريخ والباحثون في مدن إيران القديمة بأن مدينة أصفهان ينسب بناؤها لثالث الملوك البيشداديين وهو (طهمورث) ومع هذا الملك نشأت النواة الأولى وبدأت حكاية هذه المدينة العريقة من تلك الفترة، أما في عصر البعثة المحمدية فدخل أهلها الإسلام سنة عشرين للهجرة النبوية الشريفة وتعززت مكانتها من خلال العمران والفنون الإسلامية ومظاهر الثقافة الحيّة، وسرعان ما نمت فيها العلوم وتوسعت بفضل العالم والأديب (الصاحب بن عباد) حدث ذلك في القرن الرابع الهجري وتحديداً في العهد البويهي، واستطاع هذا العالم أن يجعل منها قبلة للعلوم الإنسانية فازدهرت المدارس وتنوعت مضامين مصادر العلم والفقه وعدت يومذاك معمورة ذات طابع حضاري. وبما أننا في تسلسل التاريخ فلا يخفى عليك أن أقواما كثيرة عاشت فيها، فهناك عهد السلاجقة والملوك الصفوية، ويذكر التاريخ بان أصفهان شهدت في العهد الصفوي أوج ازدهارها لتكون عاصمة وهذا بفضل الملك الصفوي شاه عباس، لكن حال الدنيا لا يبقى ثابتاً فجاءها من يعيث في الأرض فساداً ليدخلوها بغزوات متلاحقة ويخربون تلك المدينة الغافية على نهر جميل، فقد استولى عليها الأفغان والمغول وعاثوا فيها دماراً لكن التاريخ يخبرنا بأن المدن التي تحمل العمران والثقافة والعلوم لن تموت، وهذا ما رأيناه ونحن نتجول بين شوارعها وبيوتها ومعالم تاريخها المتبقي.

جسور أصفهان

سأخبرك عزيزي القارئ بما رأيته من جمال أخّاذ حيث ساحات أصفهان التاريخية وقصورها المحملة برونق وجمال ومساجد عامرة بالبنيان والايمان، أما أسواقها القديمة فتأخذك لعطر المكان وعبق قدمه. دعني أُحدّثك بداية عن واحد من جسورها القديمة والمسمى (سي وسه بل) يقع هذا الجسر على نهر (زاينده رود) إذْ تم بناؤه في العهد الصفوي، تخيل أنك تمشي أيّها القارئ الكريم على جسر امتد عمره لمئات السنين فكيف سيتم وصفه؟ يبلغ طول الجسر 295 متراً، اما عرضه فيقارب 14 متراً، عندما أُنشئ الجسر على يد القائد الصفوي الله وردي خان سمي باسمه وتخبرنا مصادر التاريخ أن القائد هو من تكفل ببنائه متكونا من ثلاث وثلاثين قنطرة من الطابوق (الآجر) على نهر طويل مسمى عند الايرانيين بنهر (زاينده) يربط الجسر منذ بنائه ليومنا هذا شارع جهار باغ العباسي بشارع جهار باغ العلوي، ومن الملفت في حينها أن جميع احتفالات الدولة الصفوية كانت تقام على الجسر، وليس ببعيد عن هذا الجسر ستجد جسراً آخر اسمه (خواجو) يقع على نفس نهر (زاينده رود) بني في عهد شاه عباس الصفوي عام 1060، يبلغ من الطول 133 متراً، أما عرضه فيبلغ 12 متراً، إذا تأملت هذا الصرح التاريخي عزيزي القارئ ستندهش بسبب جمال هندسته المعمارية فستراه مزيناً بالكاشاني ولا تتفاجأ إذا عرفت بان الغرض من انشاء جسر (خواجو) كان مختصاً للمرور السريع في طابقه العلوي أما إذا أردت أن تتأمل النهر والأشجار وتمشي ببطء مع من تحب فما عليك إلا أن تسير في الطابق السفلي من الجسر .هناك تصاميم مبهجة من حيث الأشكال الهندسية والأقواس الإسلامية وفي أسفل الطابق ستجد الأدراج المخصصة للنزول إلى النهر. 

القصور التاريخية من معالم مدينة أصفهان

ليس ببعيد عن جمال وتصاميم الجسور التاريخية الكبيرة في أصفهان ستقع عيناك على رؤية مساجد وكنائس وساحات عامرة بالخضرة والجمال وستحفك القصور من كل جانب. فهذا قصر (عالي قابو) الذي بناه الشاه عباس في القرن الحادي عشر مقابل مسجد الشيخ لطف الله، يتألف من ستة طوابق بجمال يعود فيه للتصميم الخارجي والداخلي. يتمركز القصر على ثمانية عشر عموداً من الخشب الصاج يتوسطه حوض كبير مكسو بالنحاس. في القصر غرف خاصة للموسيقى الصوفية التي تشتهر بها ايران وصالة لاستقبال الضيوف؛ كل ذلك عزيزي في قصر تراثي مثّل رونقا وجمالاً للبناء القديم، وما أن تخرج من رحاب هذا القصر حتى تدخل في قصر آخر لا يقل جمالاً، فها أنذا أقف في (قصر الأربعين عمود) الذي تم بناؤه في العام 1057 بأمر من الشاه عباس الثاني. تدخل في رحاب الايوان لتراه قائماً على عشرين عمودا وما أن تضرب أشعة الشمس أو الضوء الساطع على الأعمدة حتى تراها أربعين عموداً، في داخله من الغرف الجميلة، ما تعجز الكلمات عن الوصف لأنه كما يقول المشرفون عليه، صمم بأيدي فنانين مهرة محتوياً على نقوش إسلامية مبهرة. أيضاً لا يفوتني أن أذكر لك أيها القارئ اللبيب واحداً من القصور المعروفة في أصفهان وأقصد (قصر الجنان الثمان). يخبرنا تاريخ المكان بأن إنشاؤه تم في عهد الشاه سليمان وهو آخر سلاطين الدولة الصفوية، تحديدا في النصف الثاني للقرن الحادي عشر. بني القصر على قاعدة حجرية تحفه الأشجار العالية من الجهتين، يتألف كما رأيناه من طابقين يبدو أنه صمّم بمهارة عالية، يحتوي على ثمان غرف يحتوي إيوانه الجنوبي على حوض وشلال وزخارف من القيشاني، أما جدرانه العالية فتضم أنواعاً متعددة من صور الطيور والحيوانات.

هذه المعلومات جزء يسير عن معالم أصفهان التاريخية؛ هذه المدينة التي تبتعد عن طهران بـ 420 كيلومتراً، عُدّت أمس واليوم مركزاً سياحياً ومعلماً ثقافياً حتى أنها لُقّبت لما تحمله من جمال وسمات حضارية (بأصفهان نصف جهان) والتي تعني أصفهان نصف العالم.

خضير الزيدي؛ باحث وناقد فني من العراق.

خاص قناص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى