فضاءاتملفات

البحث عن طفولة العالم في ديوان «استيقظي أيتها الحديقة» | حامد بن عقيل

حامد بن عقيل يقتفي أثر طفولة العالم في ديوان سماء عيسى «استيقظي أيتها الحديقة»

الناقد السعودي حامد بن عقيل يقتفي أثر طفولة العالم في ديوان سماء عيسى «استيقظي أيتها الحديقة»

في البدء كانت الحديقة:

أحرص كلّ ليلة على سماع حكاية ابنتي «ميرال» ذات الخمس سنوات، وهي في كلّ مرّة تبدأ حكايتها بهذه العبارة: «كان يا ما كان في قديم الحظّ والأمان»، أستمع إليها وقد قررتُ ألّا أبدي أي ملاحظة حول هذه البداية؛ لسببين: أولها أنها حين تقوم بتعديلها من تلقاء نفسها، دون املاءات، سأعلم عندها أنها بدأتْ تكتشف فداحة هذا العالم الذي نعيشُ فيه، والسبب الآخر: أنني أتفق مع عبارتها: «قديم الحظ والأمان»، فزمننا هذا فقد الإنسان فيه حظوظه في الحصول على حياة كريمة في حدودها الدنيا، كما فقد الأمان. لكن حكايتها التي قصّتها على مسامعي بعد فراغي من القراءة الأولى لديوان «استيقظي أيتها الحديقة» (عيسى، 2018) للشاعر سماء عيسى كانت مفاجئة بالنسبة لي: «كان فيه أرنب يلعب مع صديقه الثعلب في الحديقة، قال الأرنب: هيّا نرسم أشجار الحديقة»، هكذا بدأتْ حكايتها، ولا أدري كيف أنهتها؛ لأنني انتقلتُ من حديقتها الطفولية إلى حديقة سماء عيسى(1) التي كانت عتبة ديوانه الرئيسة، فالحديقة «كل بستان ذي شجر يحيط به حاجز» (مسعود: 338)، أما الغابة فهي: «أرضٌ واسعة ذات شجر كثير متكاثف» (مسعود: 633)، لهذا كان من الجليّ أن البحث عن سياج آمن، عن تنوع مفهوم وغير متداخل أو كثيف، وعن متعة الطبيعة دون ضياع وصراعات هو ما يميز نظرة الأطفال عن نظرة البالغين إلى العالم، ففي الحديقة يلعب الأرنب والثعلب جنباً إلى جنب، بينما في الغابة يبتلع الثعلبُ الأرنبَ، ولا يمكن أن يتشاركان هواية رسم الأشجار.

استيقظي أيتها الحديقة
استيقظي أيتها الحديقة مسعى للنشر والتوزيع، 2018

إنّ أول ملمح في ديوان «استيقظي أيتها الحديقة» يضع القارئ أمام ثنائيات الحديقة والغابة: ثنائية الأمان وانعدامه، السياج الآمن والكثافة المرهقة للحس الإنساني، كل ثنائيات الخير والشر، لأن الديوان يقدّم نبوءات إنسانية عامة عن المستقبل؛ أو يقترحها، لكنه يحفر في الماضي كما يضع إبهامه على الآن، وكأنه يريد من القارئ أن يعي فداحة ما وصل إليه العالم من بؤس، فسماء عيسى يلجأ إلى النبوءات، رغم أنها مجازفة لا يقترفها الشعراء كما يقول بورخيس: «لا أريد أن أقدّم نبوءات، لأن مثل هذه الأشياء تنطوي على مجازفة، مع أنها قد تتحول، على المدى البعيد، إلى حقائق» (بورخيس: 77)، على أمل أن تتحول إلى حقائق ولو بعد حين: «ثانيةً تعود الأغصان الميّتة إلى الاخضرار، لتمنح العصافير المكان الآمن للرقاد» (عيسى: 56).

البحث عن حياة:

«لأنّا بحثنا عن الماء/ بحثنا عن الحب» (عيسى، 2018: 7) بهذا التعليل يبدأ سماء عيسى أول قصائد ديوانه، البحث عن الحدود الدنيا للوجود الإنساني، الماء؛ والحب، وهو بحث جماعي وليس فردي. ثم في القصيدة الثانية: «تأتي فتاة من أرض بعيدة تغني/ غداً يعودُ المسيح إلى الأرض» (السابق: 8)، فالنبوءة/ المجازفة حاضرة، عودة المخلِّص، الذي سيوقظ الحديقة ويجعلها بديلاً عن الغابة التي استشرت بكل قيمها فاحتلتْ هذا العالم وسلبته سياج الأمن والسلام: «في الفجر/ رنا الطفل/ إلى الحديقة المهجورة/ حزينا/ قال:/ استيقظي/ أيتها الحديقة/ من نومك الطويل» (السابق: 9)، في النص الثالث من الديوان نجد أن من يتمنى أن تستيقظ الحديقة هو طفل، الطفل الذي يغيّبه الجلادون، وينكرون وجوده للدلالة على إنكارهم لحاجة العالم إلى البراءة، ففي نص «نهيق» سنجد الحكاية التي تعي هذا المأزق: «عندما حاولتُ أن أكون حماراً، ولو ليوم واحدٍ فقط»، حدث أن الناس لم يفهموا رغبة من يحاول العيش بلا صوت وبلا احتجاج وأن يجرّب أن يتجانس مع النّسق العام، فقابلوا المحاولة بالسخرية: «عندها تجمّع الناس حولي ضاحكين، لم يكن بينهم من يتألم لحالي» (السابق: 31)، وهو إذ يجرّب محاولة أن يكون مستأنساً ومسالماً يجد أنه يقع في مأزق هذا العالم القائم على الاعتساف والقهر كما يقول زاراديشت: «إنْ هؤلاء الناس إلا وحوش كاسرة، في أعماقهم ترصّد واختطاف، وفي أرباحهم مراوغة واحتيال» (نيتشة: 241)، إذ يقفز أحدهم على ظهره: «قفز أحدهم على ظهري، وقال: اذهب بي إلى البيت. طلبتُ منه خطاماً فأتى به، ثم صبيّاً يقودني فأتى بامرأة ظل يجلدها طول الطريق» (عيسى، 2018: 32)، فالقافز الذي سنكتشف لاحقاً أنه جلاد، استجاب وجلب خطاما: (حبلٌ يُجعل في عنق الجَمل ويُثنى في أنفه ليُقاد به) (مسعود: 381)، لأن الجلاد حريص على انقياد الآخرين له، لكنه رفض أن يجعل من يقود الحمار صبيا، بل استبدله بامرأة، وظل يجلدها طول الطريق حتى هلَكتْ، لأن المرأة تتعالق في الشرق مع ذهنية الخضوع، فالشيخ بوصفه زوجاً، يتقاطع مع مفردة شيخ التي يتكرر استخدامها لتمثيل السلطة السياسية؛ فشيخ القبيلة دال على الحاكم، وشيخ الدين دال على حارس السر المقدّس: «شيخ المرأة زوجها» (مسعود: 536)، ولهذا فإن قهر المرأة موضوع شائع في كل مجتمع بشري يهيمن عليه الرجل كما تقول سيمون دي بوفوار: «تعريف المرأة وهويتها تنبع دائماً من ارتباط المرأة بالرجل، فتصبح المرأة آخر يتسم بالسلبية بينما يكون الرجل ذاتاً سمتها الهيمنة والرفعة والأهمية» (الرويلي: 330)، لكن الجلاد في قصيدة سماء عيسى يرفض الطفل، يرفض وجوده لأنه يرفض المستقبل، ولا يريد إلا وجود صبي هو من شكّله بنفسه، لأن التنشئة ذات علاقة بالنفوذ والسلطة، كما يشير ماكس فيبر: «المسألة المركزية في إعادة إنتاج السلطة الدينية (2) تمر إذن في احتكار تربية الشبيبة» (فلوري: 81).

وفي نهاية نص «نهيق»، الدال على الصوت النشاز: «إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ»(3)، إذ لم يأت العنوان بأي بديل ممكن، كأن يكون «الجلاد»، أو «محاولة»، أو «حمار»، بل جاء بصوت النهيق القبيح، لأن الجلاد في نهايته سيتحول إلى ضحية، بعد أن يُهلك المرأة، ثم يهلك الرجل الذي تحول إلى حمار بسوطه، لنجد النهاية الحتمية للقمع: «ذهبنا أنا والمرأة في عناق أبدي، حتى يبست جراحنا ونشفت دماؤنا/ إذ ذاك بدأ الرجل الجلاد في النهيق بصوتٍ عالٍ، ويطلب منّا جلده» (عيسى، 2018: 33)، لكنهما انتقلا إلى حياة أخرى، إذ لا يرى سماء عيسى في هذا العالم أي بارقة للتغيير: «تركناه ورحلنا معاً بحثاً عن حياةٍ أخرى» (السابق: 34)، فهي حياة أخرى وليست عالماً آخر. لأن النص الذي سيأتي تالياً، وبشكل مباشر يبدأ بالاستئناف: «ثم إنني رأيتُ كوكباً مليئاً بالأنهار/ لا أثر لأعلامٍ ترفرف/ لا أثر لقصورٍ وأكواخ» (السابق: 35)، فقد وصل إلى عالمه المنشود، الحياة الأخرى التي تلبي حاجاته التي نادى بها في أول سطرين من ديوانه: «لأنا بحثنا عن الماء/ بحثنا عن الحب»، ففي عالمه الجديد لا قصور ولا أكواخ، لا تفرقه ولا جلادين، ولا احتكار فيه؛ لأن الكوكب الجديد؛ الحياة الأخرى، مليئة بالأنهار التي ترمز إلى الوفرة، إلى الأمل في أن تستيقظ الحديقة المهجورة على يد طفل هو المعادل الموضوعي في كامل ديوان سماء عيسى للبراءة وللرغبة في مستقبل مختلف عن عالم اليوم، وهو ليس مستحيلاً؛ بدلالة وجود جثمان طفلة ملائكية، كما يصورها عيسى، منذ أربعة آلاف عام قبل الميلاد، خرجت أخيراً من أرض عُمان(4)، فيخاطبها الشاعر بعبارات تجعل من ديوانه رحلةً مكثّفة في سبيل البحث عن طفولة العالم؛ وبراءته المفقودة: «أيتها الجميلة النائمة بهدوء/ بتلة جبلية تطل على المحيط الشاسع اللانهائي/ بعد أن قاد التجوال أسلافك/ عبر أحراش أفريقيا/ وصولاً إلينا» (السابق: 53)، لتصبح شاهداً على الطفولة المفقودة، ووعداً بأنها ستعود في أشكال أخرى أكثر براءةً وطهراً: «أملاً بعد الموت أن تعودي كائناً بحرياً يهاجر بعيداً نحو الأكوان اللامرئية، ثم يعود بك الموجُ صبيَّةً عمانيةً سمراء كما كنت، تلعب على الشواطئ، مرحةً كأصداف البحر» (السابق: 55)، لكنه سيبقى أملاً مشوشاً، رغم أنه قد يتحقق، بعد مدى من الزمن، كما يقول بورخيس عن نبوءة الشعراء، النبوءة التي يقترفها سماء عيسى، وتتقاطع مع العهد القديم، فهو حين يواصل الحديث عن جسد الطفلة الأثري، يخبرها أن الفجر ينتظر عودتها، لتعيد للعالم طفولته المفقودة: «عبرتْ الأرض “كهزيع من الليل”(5)/ والفجر ينتظر/ امتزاج جمالك بالبحر/ سيدرك لاحقاً ويبكي/ غياب جمالك الأبدي…» (السابق: 56).

سماء عيسى؛ الريادة والقفز إلى الأمام:

الوعي هو أن تتقدم خطوة إلى الأمام، أن تقاوم. والمدهش في تجربة سماء عيسى، التي قرأتُها من خلال ديوانه الأخير «استيقظي أيتها الحديقة» أنه يدرك رسالته كشاعر، كما يدرك أن التغيير لا يحتاج إلى معارك صاخبة، وأن الشعر لا يحتاج إلى الصوت العالي ليقول ما لديه، فجعل عيسى من تجربة الوعي قفزةً إلى الأمام، وقيادة لقرائه نحو تأمل واقعهم، وقياسه بماضيهم لمعرفة ما يخبئه لهم المستقبل.

إن قراءة قصائد سماء عيسى لا يمكن أن تتم بمعزل عن زمنه، فشاعر يكتب منذ نصف قرن بهذا الوعي، يستحق دراسة مستفيضة لشعره ولشعر مجايليه، أو ممن تلوه، من شعراء عُمان الكبار أمثال: زاهر الغافري، وعبدالله الريامي، ومحمد الحارثي، وعبدالله حبيب، ومبارك العامري، وصالح العامري، ويحيى اللزامي، وغيرهم من رواد قصيدة النثر. فأن تكتب منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي، وأن تنحاز للمستقبل، فهذه هي رسالة الشاعر حين يريد أن يكون ضميراً للإنسان، فاتحاً لأراض جديدة من اللغة والصور والأساليب والأمل، كما يرغب في أن يصبح دليلاً يهدي السائرين إلى طريقة التغيير التي لا بد منها، فلا وجود لشاعر يبصر النور ثم يبقى العالم بعده كما كان. وسماء عيسى، يعي دوره في هذا، في وجوب التغيير، بأن يصغي لنبض وطنه، وأن يشاركه حتى في آلامه، كما يقول في ديوان: «الأشجار لا تفارق مواطنها الأولى» إذ يفتتح الديوان بنص «هوية» للدلالة على أن المواطن شجرة تنبت في وطن لا يمكن أن يغادره ولو ابتعد عنه آلاف الأميال، إلا أن يقتطف حياته جندي: «أنا الذي حياتي/ أشبه بوردة قطفها جندي» (عيسى، 2016: 9)، ثم يليه نص «وطن”» لأن الهوية والوطن يتعالقان منذ الولادة وحتى الموت: «الكثير من الحب/ كي أصغي/ لنبضِكَ/ وسريان دمِك/ في الضلوع/ كثيرٌ من الحبّ/ لأكون قادراً/ على البكاءِ/ معكَ أيها الوطنُ/ مرّةً واحدةً فقط/ قبل الموت» (السابق: 10).

الهوامش:

  1.  سماء عيسى: ولد الشاعر عيسى بن حمد بن عيسى الطائي المعروف باسم سماء عيسى في مدينة مسقط عام 1954. تنقل عيسى مع أسرته في بلدان عديدة منها البحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة. تلقى تعليمه الابتدائي في عُمان، وبعدها درس في البحرين قبل أن يكمل مرحلته الثانوية في الكويت، ثم انتقل إلى لقاهرة ليكمل دراسته الجامعة؛ حيث تخرج في جامعة القاهرة وحصل على شهادة البكالوريوس من كلية التجارة في عام 1974. وبعد تخرجه عمل مدرسًا في وزارة التعليم لمدة عشرين سنة. ويعد عيسى من أبزر الشعراء العمانيين المؤسسين للقصيدة الحديثة في عُمان، حيث بدأت مسيرته في الشعر منذ السبعينيات ومازالت مستمرة إلى الآن. ونشر أولى قصائده في مجلة الثقافة الجديدة اليمنية في عام 1974 بعنوان «للنساء اللواتي انتظرن طويلاً» وكان وقتها مازال طالبًا في الجامعة. ويكيبيديا.
  2. السلطة الدينية والسلطة السياسية شركاء في احتكار قضايا المرأة والتعليم، لأنهما يتشاركان في احتكار النفوذ والسلطة.
  3. القرآن العظيم، سورة لقمان، آية 19.
  4. قبر لفتاة تلبس أسوارا وأقراطاً، وترتدي غطاء رأس جميلاً، تم اكتشافه في مدافن رأس الحمراء من قبل البعثة الإيطالية في عُمان.
  5. المزامير؛ العهد القديم.

المراجع:

عيسى، سماء (2018) استيقظي أيتها الحديقة (البحرين: مسعى للنشر والتوزيع).

عيسى، سماء (2016) الأشجار لا تفارق مواطنها الأولى (البحرين: مسعى للنشر والتوزيع).

مسعود، جبران (2003) معجم الرائد (بيروت: دار العلم للملايين).

بورخيس، خورخي (2014) صنعة الشعر، ترجمة: صالح علماني (بغداد: المدى للإعلام والثقافة والفنون).

نيتشة، فريدريك (1999) هكذا تكلَّم زرادشت، ترجمة: فليكس فارس، (بيروت: دار القلم).

الرويلي، ميجان، وآخرون (2002) دليل الناقد الأدبي، (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي).

فلوري، لوران (2008) ماكس فيبر، ترجمة: محمد مقلّد (بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة).

***

البحث عن طفولة العالم في ديوان «استيقظي أيتها الحديقة»؛ بقلم: حامد بن عقيل

الروائي والناقد السعودي حامد بن عقيل (no_neeet@)

استيقظي أيتها الحديقة

خاص قنّاص – ملفات

اقرأ أيضا في هذا الملف:

سماء عيسى قيثارة الشعر.. ملف خاص وقراءة شعرية مصورة

عوالم الانغلاق والانفتاح في سرديات سماء عيسى | د. عزيزة الطائي

لا يعيش خيال الشاعر ويتوهج بعيدا عن الفكر | حاوره: عماد الدين موسى

سماء عيسى خارج التصنيف | د. فهد حسين

الحزن وإيقاع الشِّعر عند سماء عيسى | د. يوسف المعمري

البعد الجمالي في شعر سماء عيسى | هاشم الشامسي

قصائد جديدة لِـ سماء عيسى خصّ بها مجلة قناص

المحرر المسؤول: زاهر السالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى