فضاءاتمقالات

إلى أين تذهب الكتب؟ | نغم حيدر

ما إن أنتهي من قراءة كتاب وأغلق دفتيه ومن ثم أعيده إلى مكانه في الرفّ، حتى يتحوّل إلى حلمٍ بعيد أو صورٍ مبهمة و شبحية. بعد أيامٍ أنسى العديد من الأحداث المهمة فيه وبعدها بفتراتٍ قد أنسى اسم البطل والشخصيات الرئيسية. يشبه الأمر استيقاظاً من حلم معقّد وجامح وكلّ ما يبقى في الذهن بعده هو لمحات وإشارات أو بعض الظلالِ، والصور التي لا تترابط بشكلٍ منطقي. جعلني هذا النسيان الغريب أتساءل ما الذي يبقى من الكتب بعد أن ننتهي منها وأين يذهب الأبطال بحكاياتهم بعد أن نعيد الكتاب إلى الرفّ؟

من مدام بوفاري أذكر وقوف إيمّا بجانب نافذتها ومشهد مجيء مريضٍ إلى زوجها الطبيب طالباً مساعدته وخيبتها المريرة حين لم يستطع شفاءه. من الأخوة كارمازوف علق في ذهني منظر حديقة يرنو فيها الأخوة نحو الأعلى نحو نافذة غرفة والدهم والتي يسطع نورٌ معلّق في سقفها. من الصخب والعنف أتذكر فرناً وساعةً وسور حديقة، ومن اسم الوردة منظرَ مكتبةٍ ورهباناً وظلاماً دامساً يحمل المرء فيه قنديلاً صغيراً كي يرى طريقه. ومن مئة عام من العزلة لن أنسى سقوط المطر لسنواتٍ دون توقف. من الخطة اللانهائية لإيزابيل الليندي بقي وصفها لامرأة تتحرك في بيتها مثل فهد في ذاكرتي لوقتٍ طويل، ومشاهد عربةٍ تسير ولا تتوقف. إن خطرت لي رواية (فنان من العالم العائم)  لكازو إيشيجورو استحضرتُ مشهداً لجدٍ يلعب مع حفيده على سجادةٍ في صدر بيته. وإن فكّرت في رواية الوصمة البشرية لفيليب روث قفزت إلى ذهني صورة واضحة لحبيبة صديقه التي تعمل في حظيرة وتحلب البقر مرتدية جزمتها المطاطية الطويلة. أعرف أن بعض هذه التفاصيل الباقية قد لا يكون حقيقياً وأنّ المشاهد وفي كثيرٍ من الأحيان محرّفة ولا تشبه مثيلاتها في النص. قد يكون جلّ ما أتذكره خليطٌ عجائبيّ من الكتب التي قرأتُها في ذات الفترة أو لذات الكاتب. كأن لحظة الانتهاء من كتابٍ ما هي لحظة تفتت شخصياته وذوبان ألوانه ومن ثم سيلانها وتمازجها وتوزعها العشوائي في فكري. مررت منذ فترةٍ بيوم عصيب جداً تكاثرت عليّ فيه المسؤوليات والطلبات حتّى شعرت بتشتت وضياع رهيب وصرتُ أفكّر في طريقة لأتملّص منها من شكل حياتي الحاليّ وأتهرّب من كلّ ما يلاحقني وفجأة خطرت لي صورة فنان نحيلٍ مختبئ في عليّة كي يرسم ويعمل على لوحةٍ ما بينما تصله من الأسفل أصوات أطفاله وزوجته وضجيج البيت. فاجأتني ذكرى تلك الصورة وكنت قد نسيت فعلاً في أيّة مجموعة قصصية قرأت قصة كهذه ولأيّ كاتب، فبحثت عنها كثيراً لأجد أنها قصة (الفنان يعمل) لألبير كامو من مجموعته القصصية المنفى والملكوت. أعدتُ قراءتها واستعدت أثرها القديم العالق في ذهني. تأكدتُ أن الكتب تذهب ولكنّها وإن طال الزمن، ستعود. 

فجأة خطرت لي صورة فنان نحيلٍ مختبئ في عليّة كي يرسم ويعمل على لوحةٍ ما بينما تصله من الأسفل أصوات أطفاله وزوجته وضجيج البيت. فاجأتني ذكرى تلك الصورة وكنت قد نسيت فعلاً في أيّة مجموعة قصصية قرأت قصة كهذه ولأيّ كاتب، فبحثت عنها كثيراً لأجد أنها قصة (الفنان يعمل) لـ ألبير كامو من مجموعته القصصية المنفى والملكوت.

الصورة: غلاف كتاب “المنفى والملكوت” (دار نينوى)

بدت لي فكرة تدوين ملاحظاتي وانطباعاتي أثناء القراءة جيدة ورحتُ أختارُ بعض الجمل المهمة والملاحظات وأدونها كي أعود إليها بعد حين ولكن هذا الأمر شتتني فيما بعد وأربك قراءتي وجعلني أتحوّل إلى مترصدة للاقتباسات بدلاً من قارئة وإلى باحثة بين السطور بدلاً من غارقة فيها. كما أنّ تلك العادة أصابتني بالقلق على مصير الكتب الجميلة فرحت أدوّن الكثير والكثير منها حتى لا تضيع تفاصيلها مني. حوّل هذا القراءة إلى أخرى مدرسية ومملة وأخذت كلّ الاقتباسات تفقد معناها الحقيقي إذ أنّ قيمتها تُقدّر عند قراءتها ضمن النص كاملاً وليس عند اجتزائها وتقطيعها ومن ثمّ نقلها إلى دفترٍ خاص. لهذا قررت بعد تلك التجربة تدوين ما علق في ذاكرتي فقط بعد القراءة بأيام حتى لو كان عبارة عن لمحاتٍ أو أسئلة، لأن تدوين الحلم يبدأ فعلياً بعد الاستيقاظ منه وليس أثناءه.

قرأتُ تحوّل كافكا للمرة الأولى منذ عشر سنواتٍ تقريباً وحين أعدت القراءة في الوقت الحالي مرة أخرى وجدتُ أن جريجور سامسا قد كبر في العشر سنوات هذه، وأن الحشرة التي تحوّل إليها قد أصبح لها شكلٌ أكثرُ تعقيداً وغزيراً بالتفاصيل. صار لونها البنيّ أكثر وضوحاً وحركة سيقانها ومفاصلها أكثر دقّة. حتّى أن غرفته تحوّلت أيضاً أثناء القراءة الثانية وصار أثاثها أكثر قدرة على الانخراط في معاني القصة، الباب، الخزانة والنافذة. خلال تلك السنوات كبرتُ ونضجتُ بالتأكيد واكتسبت قدرةً على القراءة بطريقة أكثر عمقاً ولكن خطر لي أن الكتاب قد نضج أيضاً، تحوّل ولم يبق جامداً كما ظننت. إن الزمن وبدلاً من أن يُبهت اللون ويشقق الأثاث ويعتّق الخزانة قد فعل العكس وجعل التفاصيل تبدو أكثر وضوحاً وأنّه، (و كم هذا مدهش)، قد دسّ بين سطور الكتاب المزيد والمزيد من الأسئلة والأسرار التي لم أنتبه لوجودها في القراءة السابقة. قد تمرّ الكتب بمراحل البشر جميعها، الطفولة والنضج والكِبر ولكن الفرق الوحيد أنّها وبالتأكيد، لا تموت.

تترك الكتب أثراً أقرب إلى إحساسٍ أو شعورٍ مكثف منه إلى معرفة.

الصورة: غلاف “كائن لا تُحتمل خفّته” (المركز الثقافي العربي)

تترك الكتب أثراً أقرب إلى إحساسٍ أو شعورٍ مكثف منه إلى معرفة. أذكر انني قبل قراءة (كائن لا تحتمل خفّته) لم أكن أهتم إطلاقاً بوجود الحيوانات الأليفة ولم تكن تعني لي والأهم من هذا أنني لم أتعلم تطوير أيّ شعورٍ نحوها. لم أكن أثمّنها بالأحرى وأستغرب بمن يحتفي بها ويبكي لفقدانها ويسعد بوجودها. أعتقد أن وجود كلبة لتيريزا وتوماس في الكتاب جعلني أنتبه إلى العلاقة المعقّدة بين الإنسان والحيوان الأليف والتي لا يقوم التفاهم فيها على اللغة بشكلٍ أساسي وأهتم بمعرفة الكثير عنها ذلك أن وجودها في إطار علاقتهما لم يكن كمالياً أو ثانوياً أبداً بل متمّاً لمراوحتها بين الخفّة والثقل. لا يستطيع أو وثائقي أو فيلم أو أيّة وسيلة أخرى تشكيل شعورٍ جديد وجعلي أختبر أبعاده سوى الأدب. أعتبر التجربة الذهنية أثناء القراءة قوية وفعالة تماماً كالتجربة الحسية وأحياناً كثيرة هي أكثر عمقاً وغنى. يقول يوسا في مقالٍ له بعنوان (لماذا نقرأ الأدب): لم يكن ليوجد الشبق لولا الأدب. وكأنه الأقدر على تسمية الرغبات والأفعال ووصفها بكلّ مكوّناتها وفي الوقت ذاته خلقها فينا.

أعود إلى سؤال البداية وأنا أنظر إلى مكتبتي الصغيرة بجانبي وأتفرّس في العناوين المرتبة فيها، أغلفتها وألوانها. نسيان محتواها لا يعني أبداً فقدانها. لربما كان المكان الوحيد الذي ستذهب إليه الكتب هو أعماق قارئها. يبقى الفكر الذي تحتويه يتحرّك ويتنقّل في كيانه وتنتقل حكاياتها إلى لاوعيه، وتنشط شخصياتُها في خيالاته. وإن تسرّبت الكتب أكثر نحو الأعمق وكادت تتحوّل إلى أخرى منسيّة ليس على القارئ أن ينتشلها وينجدها بل الأمر أبسط من ذلك، عليه فقط أن يتبعها.

* نغم حيدر: كاتبة سورية تقيم في ألمانيا.

خاص قناص

مجلة ثقافية تنفتح على أشكال الأدب والفنون في تَمَوجها الزمني

تعليق واحد

  1. الكتب إلى أين تذهب؟ غيمة تلك الكتب، غيمة كثيفة، ظلال لا تنتهي.. زخّات مطر كثيف..
    مقال ممتع وعميق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى